الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

حركة شهداء قرطبة.. موتى باسم الدين المسيحي على يد مسلمين

حسب الكتاب الكنسي فإعدام جونافي وبيرفيكتس أثار رغبة المسيحيين في البحث عن "الشهادة".. وهذا ما أكدته كتابات طلب الغفران السرية للمسيحيين، آنذاك، التي أشارت إلى رفض المجتمعات المسيحية الهيمنة العربية، معتبرين أنهم لا يُمكن أن يكونوا خدامًا في أرض كانوا حكامها. وفي عام 852، عُقد اجتماع في قرطبة بقيادة ريكافريدو رئيس أساقفة إشبيلية، والذي أعلن أن البحث عن الموت المتعمد على يد المسلمين ليس شهادةً بل هو مجرد انتحار.

كيوبوست – إلهام الطالبي

تأسست حركة شهداء قرطبة كرد فعل للمسيحيين ضد أسلمة قرطبة في القرن التاسع، ويروي الراهب أولوكيوس، أحداث “استشهاد” 50 مسيحيًّا، وتعد هذه الفترة من أشد الفترات تعصبًا دينيًّا في تاريخ العلاقات بين المسيحيين والمسلمين، حسب الكاتب الإيطالي ماركو فوليفيو باروزي.

اقرأ أيضاً: فنون الامتزاج الحضاري: المسيحيون واليهود والمسلمون في تأسيس الثقافة القشتالية

“الأنبياء المزيفون”

ووَفقًا لما دوَّنه أولوكيوس وورِد في كتاب “التاريخ الكنسي” لكلاوديو فلوري، بدأت تفاصيل الحركة عندما تعرَّض الراهب بيرفيكتس، إلى هجوم من طرف بعض المسلمين في السوق بعدما سألوه عن نبوة محمد، واستشهد بالإنجيل، معتبرًا أنه من “الأنبياء المزيفين”؛ ما أثار غضب المسلمين الذين اعتبروا ردَّه جريمةً ضد النبي محمد.

يشير الكاتب الإيطالي فولفيو باروزي، إلى أن الحكم على بيرفيكتس بالإعدام تزامن مع يوم احتفال المسلمين بالعيد مع نهاية شهر رمضان في مكان عام، معتبرًا أن ذلك لا يتوافق مع ما ورد في القرآن الكريم، الذي أوصى باحترام حياة المسيحيين واليهود.

تناول كميل عيد اللبناني، في كتابه “موتى باسم الله”، حركة شهداء قرطبة، وأشار إلى أنه في تلك الفترة اعتنق عدد كبير من المسيحيين الإسلام رسميًّا؛ لكنهم ظلوا مسيحيين سرًّا، خوفًا من المسلمين وعدم قدرتهم المادية على دفع الضريبة.

لوحة تجسد اعدام المسلمين لمسيحيين في قرطبة رفضوا اعتناق الاسلام

قُطعت رؤوسهم وحُرقت أجسادهم

يُشير كميل عيد إلى أن أزيد من خمسين مسيحيًّا قُطعت رؤوسهم وحُرقت أجسادهم؛ لمنع المسيحيين مستقبلًا من تبجيل بقاياهم، بعد اتهامهم بـ”الردة” في عهدَي الأمير عبدالرحمن الثاني ومحمد الأول.

ووقعت الحادثة الثانية، وَفقًا لما دوَّن أولوكيوس، في السوق، واعتاد جونافي، الذي يمتهن التجارة، أن يُقسم باسم النبي محمد؛ لتأكيد جودة سلعته، لكن مجموعة من التجار المسلمين شككوا في ذلك، معتبرين أنه كان يكذب ويُخفي مسيحيته ويدَّعي أنه مسلم، واقتادوه إلى القاضي الذي حكم عليه بـ400 جلدة، وطلبوا منه أن يُعلن إسلامه أمام الجميع، فامتنع، ليُصدر القاضي في حقِّه عقوبة الإعدام.  

اقرأ أيضًا: رحلة في مقامات “المالوف” الأندلسي (فيديو)

البحث عن “الشهادة”

وحسب الكتاب الكنسي، فإعدام جونافي وبيرفيكتس أثار رغبة المسيحيين في البحث عن “الشهادة”، وهذا ما أكدته كتابات طلب الغفران السرية للمسيحيين، آنذاك، التي أشارت إلى رفض المجتمعات المسيحية الهيمنة العربية، معتبرين أنهم لا يُمكن أن يكونوا خدامًا في أرض كانوا حكامها.

وفي كتاب “موتى باسم الله” يُشير كميل عيد اللبناني، إلى أن حركة “الشهداء المتطوعين” في قرطبة، استمرت بين عامَي 851 و859، مشددًا على أهمية كتابات القديس أولوكيوس، الذي يُعد أحد آخر الشهداء.

الموت باسم الدين

الشهيد الثالث يُدعى إسحاق، ينحدر من عائلة مثقفة وثرية، كان يشغل منصبًا إداريًّا مهمًّا في المدينة؛ لكنه سرعان ما تخلَّى عن مهامه ليصبح راهبًا. ورغم ذلك؛ فإنه لم يُحقق السلام الداخلي الذي كان يبحث عنه، فتوجه إلى القاضي تحت ذريعة تلقِّي تعاليم الإسلام، وأبدى القاضي موافقته؛ لكن بمجرد ما انتهيا من الحديث طلب منه القاضي إعلان إسلامه، لكن إسحاق رفض ذلك. وسُجن إسحاق ومن بعد أُعدم في تاريخ 851، بناءً على أوامر الأمير.

لوحة إعدام سان بيرفيكتو من شهداء حركة قرطبة

وأشاد المسيحيون سرًّا بسلوك إسحاق، ووصفوه بـ”البطولي”، وعقب ذلك بأسبوعَين نهج رئيس الكنيسة وخمسة رهبان نفس سلوك إسحاق؛ بحثًا عما وصفوه بالشهادة.

ووَفقًا لما كتب أولوكيوس، فالسلطات المسلمة شعرت بالقلق، آنذاك، بسبب رغبة المسيحيين في الشهادة. وما بين يونيو وأكتوبر عام 851، قرر خمسة مسيحيين آخرون الموت باسم الدين.

إعلان مسيحيتها

ويُشير كتاب “الموت باسم الدين” إلى أن إعدام المرتدين عن الدين الإسلامي لم ينتشر فقط في قرطبة؛ بل أيضًا في أرمينيا واليونان ومصر.

لوحة فلورا إحدى شهداء حركة قرطبة )الموقع الإيطالي (Santo Del Giorno

ومن بين شهداء قرطبة كانت فلورا، المولودة من زواج مختلط بين مسلم ومسيحي. وبعد وفاة والدها وهي طفلة، تلقَّت تعاليم المسيحية من والدتها، في حين كان شقيقها مسلمًا.

تعمَّقت فلورا، حسب الراهب أولوكيوس، في البحث والتأمل في الكتب المقدسة. وقررت فلورا ترك منزل والدتها والتوجه إلى الدير، وهذا ما أثار غضب شقيقها، الذي ذهب للبحث عنها وإعادتها إلى البيت. وخوفًا من غضبه، عادت فلورا إلى عائلتها وأخبرتها برغبتها في إعلان مسيحيتها.. تعرَّضت الشابة المسيحية إلى العنف والتهديد، ولم يعتبر القاضي أنها ارتدَّت عن الإسلام، مشيرًا إلى أنها كانت مرتبطة بالدين المسيحي ولم تغيِّره ولم يعتبر ذلك ردَّة، وهذا ما جنَّبَها حكم الإعدام.

لكن بعد أسابيع قليلة التقت فلورا شابةً في إحدى الكنائس، كانت شقيقة الراهب الذي “استُشهد”، وتقاسما الرغبة في “الشهادة”؛ ما دفعهما إلى التوجه إلى القاضي، وادَّعت فلورا أنها من أصل عربي وكانت مسلمة، ووصفت ماريا الإسلام بأنه “اختراع الشيطان”، وأصدر القاضي الحكم بإعدامهما في عام 851.

اقرأ أيضًا: هل سمعت من قبل بالاحتلال الإسباني الحالي للمدن المغربية؟

إعدام الراهب أولوكيوس

وفي عام 852 عُقد اجتماع في قرطبة بقيادة ريكافريدو، رئيس أساقفة إشبيلية، والذي أعلن أن البحث عن الموت المتعمد على يد المسلمين ليس شهادة؛ بل هو مجرد انتحار.

وأدان المجلس الاتجار بآثار “الشهداء”، وأصدر أوامر بحرق جثت المُدانين الآخرين ورميها في النهر.

ويُشير الراهب أولوكيوس إلى أنه رغم ضغط المسلمين على الكنيسة للحد من ظاهرة الاستشهاد؛ فإنها استمرت سبع سنوات أخرى، وأعدم المسلمون 30 مسيحيًّا ومسيحية في هذه الفترة.

وحسب كتاب “موتى باسم الله”، كان آخر شهيد هو أولوكيوس، الذي كان من أبرز نشطاء حركة شهداء قرطبة، وكان كاهنًا معروفًا بمواقفه المعتدلة. وفي عام 859، انتخب رئيس أساقفة، وكان يُعاين موجة “الاستشهاد” التي ازدادت حدتها آنذاك.

لوحة ليوكريستا التي أعدمت بسبب اعتناقها المسيحية )الموقع الايطالي (Cartantica

ولجأت إليه ليوكريستا، فتاة من أبوَين مسلمَين؛ لكنها قررت اعتناق المسيحية، وطلبت منه تلقينها تعاليم الدين المسيحي؛ ما أثار غضب المسلمين، وأُصدرت أوامر باعتقاله. وفي المقابل، اعتبر أن من واجبه تثقيفها، وأنه مقتنع بذلك ولا يرغب في تغيير موقفه.

وعُرض عليه الاعتذار مقابل التراجع؛ لكنه اختار الموت، وأعدم في 11 مارس 859، بعد أيام قليلة من إعدام ليوكريسيا، ليبلغ عدد “الشهداء” 50، ويكون هو آخر فرد في حركة شهداء قرطبة.

المصادر:

-الكتاب الكنسي لكلاوديو فلوري

Gli scritti centro culturale “كتابات المركز الثقافي الايطالي”

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة