شؤون عربيةمقالات

حركة النهضة التونسية والسؤال الحائر: من أين لكم هذا؟

الوثيقة أثارت جدلًا واسعًا

كيو بوست – باسل ترجمان – تونس

أثار تسريب وثيقة صادرة عن البنك المركزي التونسي موجهة لكل البنوك الوطنية والمقيمة تطالبهم فيها بتقديم كشوفات حسابات حركة النهضة وعدد من قياداتها لديها -لتقديمها لدائرة المحاسبات لمعرفة حجم ما تملكه الحركة من أموال ومصادرها- ضجة كبيرة في وسائل الإعلام والرأي العام في تونس الذي تفاعل بشكل كبير مع ذلك.

ووسع تسريب الوثيقة دائرة الاتهامات التي توجه للحركة في الفترة الأخيرة حول علاقاتها بما سمي بقضية الجهار السري الذي تورط أحد عناصره بتهم إرهابية خطيرة، رغم إنكار الحركة بأن مصطفى خضر ينتمي لها.

اقرأ أيضًا: الحداد يكشف لـ”كيوبوست” حكاية الجهاز السري لـ”النهضة” ودوافع الإفصاح عنه

التسريب الذي لم يستطع أحد إنكاره يعود لمراسلة رسمية وجهها محافظ البنك المركزي مروان العباسي للبنوك بتاريخ 24 ديسمبر/كانون أول الماضي، بناء على طلب من “دائرة المحاسبات”، وهي جهة رقابية حكومية لها حق مراقبة وتدقيق حسابات الأحزاب وقياداتها. وجاء طلب الدائرة لمراقبة ما قامت الحركة بصرفه خلال حملتها في الانتخابات البلدية التي شهدتها تونس في شهر مايو/أيار الماضي.

الجدل الذي أثاره هذا الطلب، خصوصًا لدى الأطراف السياسية المناوئة لحركة النهضة أو في الرأي العام التونسي -الذي ينظر جزء لا يستهان منه إلى الحركة وتمويلاتها وعلاقاتها وارتباطاتها الخارجية بكثير من الشك- زاد من تعقيداته بيان صدر عن دائرة المحاسبات؛ إذ أكّدت الدائرة أنّ مراسلتها التي وجّهتها لمحافظ البنك المركزي التونسي، تندرج في إطار أعمالها المتعلّقة بالرقابة على تمويل الحملة الانتخابية البلدية لعام 2018، مضيفة أن كلّ الأحزاب السياسية الفائزة بمقاعد في المجالس البلدية مشمولة بهذا الإجراء.

وأوضحت الدائرة أن هذا الإجراء مخول لها بقوة القانون، الذي يعطيها الحق أن تطلب من أية جهة كلّ وثيقة ذات علاقة بتمويل الحملة الانتخابية، لتساهم في مساعدتها بإنجاز عملها.

اقرأ أيضًا: بالفيديو: هل تمتلك حركة النهضة ما يُسمى بـ”الجهاز السري” حقًا؟

وترافق الجدل المتصاعد مرة أخرى حول مصادر أموال حركة النهضة مع قضايا عدة تصاعدت فيها الاتهامات للحركة، خصوصًا ما سمي بقضية الجهاز السري التي تتهم فيها أطراف سياسية الحركة بتورط قيادات منها في عمليات إرهابية. وجرى الكشف عن القضية بعد اكتشاف غرفة مغلقة في وزارة الداخلية تحتوي وثائق أمنية خطيرة كانت لدى سجين يدعى مصطفى خضر، أوقف بتهمة حيازة هذه الوثائق، وفيها ما يوجه اتهامات له بالمعرفة والمشاركة في عملية اغتيال السياسي محمد البراهمي.

كما جاء إعلان مجلة جون أفريك الصادرة في باريس يوم 20 يناير/كانون الثاني الماضي عن تعاقد الحركة مع شركة بريطانية للإشراف على حملتها الانتخابية في الانتخابات القادمة بقيمة 18 مليون دولار ليزيد من الشكوك التي تحوم حول مصادر تمويل الحركة وعدد من قياداتها.

حركة النهضة نفت المعلومات التي روجت لتعاقدها مع شركة بريطانية لإدارة حملتها الانتخابية لعام 2019، مشددة على أنها “تتعرض لحملة تشويه”.

وقال المتحدث الرسمي باسم حركة “النهضة”، عماد الخميري، إن الحركة تنفي تعاقدها مع أي شركة أجنبية لإدارة الحملة الانتخابية الخاصة بها، وأن “الحركة ليست بحاجة إلى شركة أجنبية لإدارة حملاتها الانتخابية”، مؤكدًا أنه “لم يسبق للحركة أن اتفقت مع أي شركة سواء كانت في الداخل أو الخارج”.

اقرأ أيضًا: وثائق تتهم النهضة باغتيال بلعيد وتشكيل تنظيم سري للاغتيالات والتجسس

رغم هذا النفي، لم تستطع الحركة أن تقنع جزءًا كبيرًا من الرأي العام بحقيقة شفافية مصادر تمويلها، خصوصًا أن الشبهات -وما أكثرها- لا تمس الحركة فقط، بل تتجاوزها للحديث عن ثروات كبيرة لقياداتها، كان أغلبها حتى سقوط النظام في تونس بداية عام 2011 في السجون أو في المنافي، ولم يعرف عن أحد منهم أنه نجح في تحقيق ثروة مالية خلال تلك المرحلة.

وبسبب علاقة الشك والريبة التي تسيطر على المشهد السياسي في تونس، لم تستطع حركة النهضة أن تنفي علاقة أطراف كثيرة من المجتمع مع حركة النهضة، ولا أن تبعد الضبابية التي تغلف الكثير من القضايا التي تحوم شكوك حولها فيما يخص علاقات الحركة مع ملفات حارقة في تونس، منها التمويلات غير المعروفة، وملفات ما سمي بالجهاز السري للحركة المتهم بالتورط في الإرهاب، وغيرها من الملفات التي ما زالت لم تكشف، سواء ما يسمى بملفات تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر خلال سنوات توليها الحكم، أو ملف علاقاتها الخارجية مع بعض الدول، أو مع تنظيم الإخوان المسلمين الدولي.

وبعد 8 سنوات من عودة الحركة للعمل العلني ورجوع كل قياداتها المهاجرة، فإن حركة النهضة لم تستطع أن تطبع علاقاتها مع أطياف كثيرة في تونس، ولم تستطع أن تقنع الرأي العام بخطاب يزيل الشكوك ويوضح أن ما يقال عنها وما تتهم به مناف للحقيقة.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة