الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

حرق المصحف في السويد وآفة القومية العرقية

كيوبوست- ترجمات

طاهر عباس♦

في منتصف أبريل، خلال شهر رمضان الكريم، اندلعت احتجاجات مضادة استمرت ثلاثة أيام في نورشوبينج، ولينشوبينج ولاندسكرونا، وريبرو، ومالمو، وستوكهولم، أدّت إلى اعتقال عشرات الأفراد.

خلال هذه الاحتجاجات، أُضرمت النيران في إحدى المدارس، ولحقت أضرار بعشرين مركبة من مركبات الشرطة ودمرت تمامًا. في قلب هذه الأحداث توجد صور لشباب مسلمين غاضبين يرشقون سيارات الشرطة ويرددون شعارات عربية. غير أن تحقيقًا أعمق لخلفية هذه القصة يكشف لنا عن شيء أكثر خبثًا بكثير: عميل مُستِفز في شكل شخص دنماركي سويدي محدد لديه أجندة واضحة.

بداية، تزعّم راسموس بالودان، زعيم حزب “الخط المتشدد” اليميني المتطرف، حملة لحرق نسخ من القرآن في المناطق الحضرية التي تضم أعدادًا كبيرة من المسلمين تحت حماية الشرطة. لدى حزبه مهمة واحدة هي اقتلاع الإسلام والمسلمين من الدنمارك. وبموجب قانون حرية التعبير في السويد، يواصل تنفيذ هذه الأعمال الاستفزازية، ويمكن القول إن الغرض الوحيد منها هو إثارة رد فعل من الشبان المسلمين المحليين الغاضبين، حيث غالبًا ما يتصاعد رد الفعل هذا، ويمكن أن يؤدي مع حالة الإحباط التي يعاني منها مسلمو الشمال الأوروبي جرّاء تهميشهم في المجتمع إلى اشتباكاتٍ عنيفة مع الشرطة. وهذا بالتالي يضفي الشرعية على الحجة القائلة بأن المسلمين متعصبين، وعنيفين أو عدوانيين، يرفضون حرية التعبير، ولا يحترمون قوانين الدولة.

اقرأ أيضًا: الخلفية المعقدة لأعمال الشغب الأخيرة في السويد

في مسعى لاكتساب أرضية في السويد، مستغلًا جنسيته التي حصل عليها حديثًا، يستغل بالودان المشاعر اليمينية المتصاعدة في المجتمع، التي ظهرت في ضوء الاتجاه العام للنيوليبرالية الاقتصادية (سياسات السوق الحرة مقترنة بحكومات صغيرة)، التي تجتاح اقتصادات الشمال الأوروبي بشكل متنامٍ.

ما يحدث هو مزيجٌ من نظام الهجرة واللجوء الذي منح الآلاف من المسلمين منازل في السويد، حيث انتهى بهم المطاف في “جيتوهات” سكنية معزولة، غالبًا ما تُقدم على أنها مناطق محظورة، تعشش فيها الجريمة، وتظهر تعصبًا شديدًا تجاه الأغلبية السويدية غير المسلمة، وتعطي شعورًا بأن الناس الذين يعيشون هناك لديهم حياة موازية لبقية “نحن”.

وقد أدّت الآثار المترتبة على عدم المساواة إلى انطباع عام بين مجموعات الأغلبية الساخطة بأن فرصها قد سُلِبت منها بسبب سياسة تقدمية تجاه المهاجرين والأقليات. ومن ثم، استغلت الأحزاب الشعبوية هذا الاستياء المُضلل لتحقيق مكاسب سياسية.

فوضى وأعمال عنف في السويد – “EPA”

في خضم هذا المزيج الكارثي، تواجه الدنمارك والنرويج والسويد أسئلة صعبة حول سياسة الاندماج. وما كانت تُعتبر، تقليديًا، اقتصادات إسكندنافية غير عنيفة ومتساوية اجتماعيًا، لم تعد كما كانت عليه من قبل. والآن تطفو على السطح مشكلات كامنة بسبب عدم المساواة في ظلِّ تبنى هذه الدول المزيد من السياسات النيوليبرالية المتعلقة بالاقتصاد والمجتمع. هذا التحرير فاقم تشرذم المجتمع.

في هذا السياق، شهدت السويد، الدولة التي كان حتى عقودٍ قليلة مضت لديها عدد قليل من المهاجرين، موجة من حرق القرآن الكريم التي تحدث في كل من الدنمارك والنرويج في السنوات الأخيرة. وتشير المُثُل العليا “الدنماركية الأخلاقية” لحزب بالودان إلى قوميةٍ عنصرية ترقى إلى التطهير العرقي.

اندلعت أعمال عنف وشغب في خمس مدن خلال فترة عيد الفصح

الجدير بالذكر أن هذا النمط قد شوهد من قبل في التاريخ، وكانت النتيجة الطبيعية مدمرة للغاية للمجتمعات، فغالبًا ما تفضي القومية العرقية إلى إخفاقات كارثية ودموية. وفي حين يمكن رؤية عدم المساواة والانقسام والسلطوية والاستقطاب والشعبوية والفاشية، في نهاية المطاف، تخطو خطواتٍ واسعة في جميع أنحاء أوروبا في الوقت الحاضر، فإن الاحتجاجات المضادة التي تُقدم الآن على أنها “أعمال شغب” في السويد سوف تغذِّي الخوف بين أفراد المجتمع الأقل قدرة على تقييم هذه السردية بشكل نقدي.

اقرأ أيضًا: عودة الجدل مجددًا حول حرية التعبير والإسلام إلى السويد

ونتيجة لسياسة اللجوء المفتوحة، تواجه الهجرة إلى هذه الدول ردَّ فعل عكسياً، غير أن المشكلة تكمن في أن الاندماج غير ناجح. وفي ظل وجود وسائل إعلام معادية، وطبقة سياسية شعبوية، لا يحصل المسلمون على الاهتمام المناسب الذي يحتاجونه ويستحقونه، فيما تحصل الأحزاب السياسية على الاستفادة الكاملة.

قد تشير الحالة قيد الاستعراض هنا إلى أن ما حدث مؤخرًا في السويد حالة معزولة تتعلق بأفراد عنصريين وطموحاتهم السياسية، وهي حالة هامشية تمامًا بالنسبة لما يجري في المجتمع الأوسع نطاقًا. أي أنه سيكون من الخطأ الإيحاء بأن هناك أيديولوجية عنصرية أكثر بكثير بين أعضاء الدول التي تستيقظ على وقع هذه التطورات، بما يشير إلى وجود تهديد اجتماعي وسياسي كبير. ولكن هناك حركات وأحزاب يمينية متطرفة صاعدة في جميع أنحاء الدول الاسكندنافية لبعض الوقت الآن، حتى لو كانت هذه “الأحداث” قليلة نسبيًا ومتباعدة، فإن المشكلة تكمن في أنها موجودة بالأساس.

تصاعدت التوترات في السويد-“AP”

قبل عقدين من الزمان، كانت مثل هذه المشاهد ستقابل برعب لا يُصدق بين الأقليات المسلمة الاسكندنافية والأغلبية العرقية. لم يمر عقدان منذ قضية الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية، التي عكست القضايا الجارية طوال منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في خضم حرب العراق وتنامي المشاعر الشعبية اليمينية في أوروبا. المشكلة هي أن بعض جوانب الإسلاموفوبيا التي تتعلق بالأنماط البنيوية والثقافية للعنصرية والإقصاء والحرمان قد أصبحت طبيعية لدرجة أنه لا يتم التشكيك فيها على الإطلاق.

هذا يعكس التهميش والإقصاء والعنصرية المستمرة التي تواجهها الغالبية العظمى من المسلمين في أوروبا بشكل عام، علاوة على التفاوتات الاقتصادية المتسعة التي تؤدي إلى الاستقطاب السياسي والتطرف في نهاية المطاف ليس فقط لليمين المتطرف، الذي تدور عداواته حول الحاجة إلى الحفاظ على النقاء الأساسي للأمة، بل أيضًا للشباب المسلم المهمش مجتمعيًا، وليس من خلال الجماعات الإسلاموية في حد ذاتها.

اقرأ أيضًا: عودة الجدل مجددًا حول حرية التعبير والإسلام إلى السويد

البعض عُرضة للخطاب المتشدد لأن الإسلاموفوبيا حقيقية: “لست مطلوبًا كمسلم في بلدك” وأن “الانضمام إلى منظمتنا يقدم بعضًا من الحل الكامل لاحتياجاتك ورغباتك الوجودية، الروحية والفلسفية والمادية”. وبالطريقة نفسها، تتأثر بعض الأغلبية غير المسلمة من السويديين بفكرة أن المهاجرين والأقليات يضعفون تراثهم الوطني.

النقطة المهمة التي يجب ملاحظتها هنا هي أن عدد الشباب المسلمين الذين تتحول إحباطاتهم في العالم الحقيقي إلى نزعة جهادية متعصبة ما يزال محدودًا جدًا. ومن الأهمية بمكان أيضًا ملاحظة حقيقة أن العديد من التحركات المناهضة لبالودان قد ظهرت في السويد ردًا على أفعاله، بما في ذلك حركة موسيقي “الجاز الحر ضد بالودان” الكاريزميين، الذين طغت أصوات موسيقاهم على أصوات حشود بالودان وهتافاته، ما أزعجه كثيرًا، وفي المقابل أسعد كثيرًا الغالبية العظمى من السويديين.

الحقيقة هي أن بلدان الشمال الأوروبي هذه لم تُرسِ الأسس السليمة لتطوير حزمة فعّالة من سياسات وممارسات الإدماج التي من شأنها أن تقود إلى فرص متكافئة ونتائج متساوية للأقليات والمهاجرين. وهكذا، توجد ثمة ممارسات ونتائج في هذه الدول تعزز نظام اجتماعي هرمي عنصري للغاية يستحيل على القادمين الجدد بشكل عام اختراقه. ولا يزال الحراك الاجتماعي للأقليات في ضوء النيوليبرالية والعولمة عنصريًا وحصريًا للغاية، الأمر الذي يديم الأنماط القائمة من القوة والهيمنة والتبعية الحالية للآخرين. وعلى الرغم من الجائحة العالمية والحرب المستعرة في أوروبا، لم يشهد التطبيع المفرط لدورة الإسلاموفوبيا والتطرف تراجعًا يُذكر.

♦بروفيسور دراسات التطرف في معهد الأمن والشؤون العالمية في جامعة ليدن في لاهاي، هولندا.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة