ملفات مميزة

حرب تركية ضروس: وقائع ومشاهدات أربعة أيام من الحرب في عفرين

ما وراء الحرب التركية على عفرين!

عفرين – شكري دهدو 

بعد مدة طويلة من إطلاق التهديدات على لسان مسؤولين أتراك، وفي مقدمتهم الرئيس رجب طيب أردوغان، وتكثيف الحشودات والتحضيرات العسكرية، أطلقت الحكومة التركية عمليتها العسكرية على منطقة عفرين – شمال غرب سوريا، تحت مسمى حملة “غصن الزيتون”، وأشركت فيها أعدادًا غفيرة من عناصر فصائل “درع الفرات” المسلحة، في محاولةٍ لإضفاء طابعٍ سوري على المعركة وتأجيج صراع تلك الفصائل مع وحـدات حماية الشعب (الكردية)، إضافةً إلى تخفيف وجود عناصر الجيش التركي في المعارك الميدانية التي تشهد مقتل الكثير في صفوف الطرف المهاجم.

 

في الاسم

إطلاق اسم “غصن الزيتون”، الذي له رمزيته في الأديان السماوية، وفي ثقافة شرق المتوسط عمومًا، وفي قلوب الملايين من الكُـرد خصوصًا، كرمز للمحبة والسلام، على عملية عسكرية عنفية مفتوحة ضد منطقة آمنة وآهلة بالسكان والنازحين، بهتان وفجاجة بحق الأخلاق، والثقافة السمحاء، وتآخي الشعوب. وإذا كان القصد زيتون عفرين، فلم يرحب أهالي عفرين أو أي طرف سياسي كردي بهذه العملية، بل هي موضع إدانة وشجب عارم.

 

الخلفية

تدعي تركيا محاربة (الإرهاب) الذي يمثله حزب العمال الكردستاني والمرتبطين به، ولكن في حمى خطاباتهم الحماسية وفي تجييشٍ لعواطف قومية – دينية، لا يتردد مسؤولو تركيا، في الأمس واليوم، عن إعلان رفضهم التام لأي كيان كردي، ولدور الكُـرد المتنامي في المنطقة. وإذا كان كُثر يُرجحون أن عملية عفرين هي نتيجة لصراعٍ بين الكردستاني والحكومة التركية، فإن جوهر هذا الصراع المحتدم بالأصل هو الوجود الكردي عمومًا، والقضية الكردية في تركيا خصوصًا (قومية يُقارب تعدادها 20 مليون نسمة). إذًا المسألة سياسية بامتياز، وأنقرة تمتلك مفاتيح حلها إن أرادت، لكنها تُراهن على الحل العسكري منذ مائة عام.
من جهةٍ أخرى تُساق حملات إعلامية مستندة إلى أكذوبة سعي الكُـرد إلى تقسيم سوريا، وتأسيس دولة في شمالها، وإيصالها إلى البحر، في وقت تُشير وتؤكد فيه معطيات الجغرافيا والسكان والسياسة استحالة ذلك. إن من جملة ما تهدف إليه العملية هي تهجير الكُـرد من المنطقة، وتوطين لاجئين سوريين في تركيا بدلًا منهم، تحت مسمى إقامة منطقة آمنة.
وهذا ما صرح به الرئيس أردوغان بنفسه قبل أيام، عندما أورد نسبًا للتوزيع السكاني في منطقة عفرين لا أساس لها :“55% بالمئة من سكان عفرين عرب، و35% هم أكراد جاؤوا لاحقًا”. وأضاف أن “الهدف الأساسي لعملية عفرين هو إعادتها لأصحابها الأصليين!”.

ولا يُغفل عن البال محاولات حكومة العدالة والتنمية AKP صرف أنظار مواطنيها عن أزمات داخلية، وتهيئة أرضيات الفوز في انتخابات 2019، بالاتفاق مع الحركة القومية MHP، وبلبوس ديني–قومي، إلى جانب إيجاد مخرج لجملة سياساتها الفاشلة في الأزمة السورية، والبحث عن نفوذ ما لها.

 

في خضم الصراع الإقليمي – الدولي

بات واضحًا مدى تأثيرات الصراع الإقليمي والدولي على الساحة السورية، وإلى أي درجةٍ أصبح مصير سوريا والسوريين بيد الآخرين، ففي بازار إدلب – عفرين، نجح أردوغان في أخذ موافقة روسيا على البدء بعمليته على عفرين، وإعطائها سقفًا أعلى من رضا الدول المعنية، في حين يكتنف موقف واشنطن ودمشق الغموض والريبة، ولم يتعدَ الموقف الدولي الرسمي إلى الآن عبارات القلق وضبط النفس، وهنا يشعر الأكراد بالخذلان مرةً أخرى في لحظةٍ تاريخية مفصلية.
ومن جانب آخر، يبدو أن تخلي روسيا عن وحـدات حماية الشعب في عفرين هو رد على رفضها للاتفاق مع النظام السوري حول إدارة المنطقة وعودة قواته إليها، رغم أن الوحـدات كانت حامية للحدود مع تركيا، وتحارب إرهاب داعش والنصرة بجدارة واقتدار.

 

مشاهدات

لم تعتدْ عفرين منذ بدء الأزمة السورية على مشاهدة طيران حربي يحوم في سمائها، وقد ساد فيها أمان واستقرار نسبيان، على خلفية عدم مشاركة الأكراد في (الثورة المسلحة). ولكن منذ أواسط تشرين الثاني 2017 بدأ طيران الاستطلاع التركي بالتحليق بكثافة، إلى أن تفاجأ الأهالي في عفرين عصر السبت 20/1/2018، بعشرات الطائرات الحربية تقصف مواقع عديدة، حيث كانت الأضرار مادية في بعض الآليات والمباني والتحصينات، ووقوع ضحايا مدنيين وعسكريين قلائل، دون أن يؤثر ذاك القصف المكثف والواسع في معنويات الأهالي والمقاتلين، أو تُدمر قدراتهم الدفاعية، إذ بوشر بالدخول إلى الأراضي السورية عبر محاور عدة بمئاتٍ من عناصر (الجيش الحرَ)، وبدعم من المدافع والدبابات وبقصف جوي مكثف.
خلال الأيام الأربعة الأولى، جرت معارك ساخنة قرب قرى (عبودان، قرنه، كردو، شنكال، باليا، عدما، سوركه، عمرا، حمام…) بمحاذاة الشريط الحدودي بعمق ما بين 1-2 كم. وحسب مصادر خاصة، تصدّت الوحدات (الكردية) عبر تحصيناتها وكمائنها ودفاعاتها المركزة للقوات المهاجمة، فأوقعت في صفوفها عشرات القتلى، ودمرت بعض آلياتها، وأسرت عشرات من عناصرها. في اليوم الرابع كان هناك قصف عشوائي على بعض الأماكن الآهلة بالسكان (جنديرس، بلدة كفرصفرة، دير بلوط، تل سلور، جلمة، جلبر). مئات الشبان والرجال يلتحقون بصفوف الوحـدات تطوعًا، وحالة تضامن وتعاضد بين الأهالي، حيث القرى والبلدات الداخلية تحتضن المدنيين النازحين من القرى الحدودية.
رغم الخوف والقلق، ليس هناك حالة هلع بين الأهالي، وليس هناك نزوح جماعي كبير حاليًا، ولا تزال المواد الغذائية والأدوية متوفرة بكثرة، إذ اتخذ معظم السكان احتياطات العيش والحماية.
لم تتطور المعركة من محور مدينة إعزاز المجاورة لعفرين شرقًا، نظرًا لعدم رضا معظم أهاليها، ولم يحتل الجيش التركي أي موقع إستراتيجي بَعد في المحاور الأخرى، سوى حالات كرّ وفرّ في نطاق ضيق، وبالتالي يلجأ إلى القصف العشوائي أحيانًا، والهجوم عن بُعد من الأسلحة الثقيلة.

 

حرب مناقضة لجهود السلام

بعد دحر داعش  ومثيلاته العام الماضي، وبذل جهود مضنية في السعي لإحلال السلام، عبر محادثات أستانة وجنيف المتتالية، بإشراف الراعيين الدوليين الولايات المتحدة وروسيا، وعمل مكثف للمبعوث الدولي دي مستورا، جاءت الحرب على عفرين مناقضة تمامًا لتلك المساعي والتوجهات، وهي تنسف أيضًا مرتكزات (مؤتمر الحوار السوري المزمع انعقاده في سوتشي أواخر هذا الشهر) الذي تعمل عليه روسيا بحرارة، فيمكن أن تؤدي هذه الحرب إلى مأساةٍ إنسانية كبيرة وتطهير عرقي، وربما تخلق تهديدات جديدة لـ(الأمن القومي التركي)، بل وستجلب معها أوضاعًا وتعقيدات جديدة على سوريا والمنطقة عمومًا، وينتعش معها الإرهاب التكفيري الجهادي، إن طالت وجرت وفق ما هو مخطط لها.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة