الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

حرب العملة في اليمن تلقي بظلالها على الواقع المعيشي وتنذر بأزمة اقتصادية

كيوبوست

يعاني اليمن منذ عام 2014 تراجعاً حاداً في صادراته، وبالتالي عجزاً متواصلاً في ميزانه التجاري؛ حيث تؤدي الأزمة إلى انخفاض الصادرات، ويؤدي تزايد السكان وتكاثر احتياجاتهم إلى زيادة الواردات.. تعني زيادة الواردات زيادة طلب التجار على العملات الأجنبية لشراء بضائعهم من الخارج، كما يعني انخفاض الصادرات شحة دخول العملات الأجنبية إلى البلاد. يؤدي تراجع القدرة الإنتاجية للبلاد جنباً إلى جنب مع مشكلات المعروض النقدي، إلى تراجع قيمة الريال اليمني أمام العملات الأجنبية، وأهمها الدولار الأمريكي والريال السعودي اللذان يكثر استخدامهما من أجل التجارة الخارجية وحتى الداخلية.

وفي حين أن القدرة الإنتاجية الاقتصادية وحجم المعروض النقدي هما الجذور الاقتصادية لانخفاض قيمة العملة، فإن كيفية عمل هذه العوامل في اليمن مثير للاهتمام حقاً؛ إذ ينقسم اليمن اليوم عملياً إلى دولتَين؛ أي مناطق سيطرة الحوثيين في معظم أجزاء البلاد الشمالية، ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية أو المناطق المحررة، وأغلبها في الجنوب.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد اليمني بين عجز الحكومة وطغيان المتمردين

تمتلك هاتان السلطتان بنكَين مركزيَّين؛ لكل منهما سياسته الخاصة، وتوجد عملتان نقديتان يُفرق بينهما من خلال تاريخ الطباعة والأرقام التسلسلية، ولكل عملة قيمتها، كما توجد تجارة بين المنطقتَين وتُفرض الرسوم والجمارك والضرائب في كل منطقة على حدة؛ أي أن التاجر يدفع للحوثيين، ويدفع في نفس الوقت للحكومة عند الانتقال من منطقة نفوذ إلى أخرى.

إحدى أسواق صنعاء- مواقع التواصل

يفرض هذا الواقع في البلاد ظروفاً اقتصادية مختلفة في كل جانب؛ بما في ذلك اختلاف قيمة الريال اليمني في مناطق سيطرة الحوثيين، وقيمته عنه في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً، وبطبيعة الحال يؤثر هذا الاختلاف على كل الأنشطة الاقتصادية والأسعار.

ويُعد اختلاف الصرف هذا الأكثر إثارة للجدل؛ فلكي يحول مواطن ما من مدينة المكلا (إحدى المناطق المحررة) مبلغ 100 ألف ريـال يمني إلى صنعاء (تحت سيطرة الحوثيين)، فعليه دفع رسوم تحويل تبلغ75  ألف ريـال يمني؛ أي أن إجمالي ما سيدفعه المرسل إلى شركة تحويل الأموال هو175  ألف ريـال، بينما سوف يستلم المستفيد في صنعاء100  ألف ريـال فقط (حتى تاريخ كتابة هذا التقرير). أما العكس؛ أي التحويل من صنعاء إلى المكلا فلا يكلف سوى مئات الريالات فحسب.

اقرأ أيضاً: تهم أممية بالفساد تلاحق أطرافاً إخوانية داخل الحكومة اليمنية

تعود أسباب هذه التكلفة الهائلة في تحويل الأموال من أماكن سيطرة الحكومة إلى أماكن سيطرة الحوثيين إلى عدة أسباب؛ أبرزها فرق سعر صرف العملات الأجنبية في المنطقتَين، فالدولار الأمريكي- بتاريخ 22 أغسطس مثلاً- في صنعاء يُباع مقابل601  ريـال، بينما في عدن يُباع مقابل1026  ريـالاً.

وعندما تقوم شركات تحويل الأموال والصرافة بين المناطق بتصفية التزاماتها، كأن تصفي شركة تحويل في عدن التزاماتها لشركة تحويل في صنعاء، فإنها تقوم بذلك بالعملة الأجنبية لا الريال؛ وبالتالي تضطر إلى تغطية الفارق والتعويض عنه من خلال زيادة تكلفة التحويل على العميل؛ أي أن هذا الفرق -عملياً- هو فارق عملة، وليس رسوم تحويل.

والسبب في أن شركات الصرافة وتحويل الأموال تقوم بتصفية التزاماتها بالعملة الأجنبية كالريال السعودي والدولار، هو أن الحوثيين يمنعون تداول العملة الجديدة التي تم ضخها في السوق من قِبل الحكومة الشرعية. ولا يسمح الحوثيون سوى بتداول العملة المطبوعة بتاريخ2017 ، والتي تحمل الحرف (أ) في رقمها التسلسلي فقط؛ وعليه يُمنع تداول العملة التي لا تحمل هذا الرمز، حتى إن طُبعت بنفس التاريخ. كانت الحكومة الشرعية قد ضخت مليارات الريالات الجديدة -بتصميم جديد- في عام 2018، ومؤخراً ضخت كمية أخرى. كما عملياً تسببت هذه الإجراءات من الجانبَين في خلق عُملتَين في البلاد؛ لكل منهما قيمته الخاصة به، سواء أمام العملة الأجنبية أو بين العملة اليمنية الواحدة (التي باتت عُملتَين من الناحية العملية).

حاويات بضائع في ميناء المكلا بمحافظة حضرموت جنوب شرق اليمن- مؤسسة مواني البحر العربي اليمنية

أدت التدابير المالية التي يتخذها الطرفان الحاكمان في اليمن إلى وضعَين مختلفَين من المعروض النقدي في البلاد؛ ففي المناطق المحررة أصبح هناك الكثير من المعروض من الريال اليمني، وفي مناطق سيطرة الحوثيين أدى قرار عدم تداول العملة الجديدة إلى شحة المعروض الذي أصبح من النوع القديم فقط.

في المقابل، أدى اضطرار شركات الصرافة وتحويل الأموال إلى تصفية التزاماتها بالعملة الأجنبية إلى سحب كميات كبيرة من العملة الأجنبية من المناطق المحررة، ونقلها إلى مناطق سيطرة الحوثيين؛ وهو ما أدى بالتالي إلى زيادة المعروض هناك من العملة الأجنبية.. وهكذا ترتفع قيمة العُملة الأجنبية وتنخفض قيمة الريال في المناطق المحررة، بينما ترتفع قيمة الريال وتنخفض قيمة العملة الأجنبية في مناطق سيطرة الحوثيين.

اقرأ أيضاً: كيف يؤثر المغتربون اليمنيون في اقتصاد واستقرار اليمن؟

وتُعتبر التحويلات المالية بين مناطق سيطرة الحوثيين، ومناطق سيطرة الحكومة، نشاطاً اقتصادياً في غاية الأهمية؛ حيث توجد أعداد هائلة من العمالة القادمة من مناطق سيطرة الحوثيين تعمل في مناطق سيطرة الحكومة، كثير منهم موجودون منذ سنوات طويلة. وغالباً ما تقوم هذه العمالة الضخمة بتحويل أجزاء مهمة من دخلها إلى عائلاتها.

من جانب آخر، توفر مناطق سيطرة الحوثيين معظم احتياجات السوق في مناطق الحكومة من المنتجات الزراعية من فواكه وخضراوات وحتى أوراق شجرة القات،كما تعتمد أسواق مناطق الحوثيين على موانئ المناطق المحررة؛ كالمكلا وعدن، في استيراد احتياجات السوق من الخارج، وهكذا يمكن القول إن حركة الأموال بين المنطقتَين ضخمة للغاية، وهناك الكثير من الأموال المنقولة يومياً، وتخضع كل تلك الحركة للتدابير والضغوط المشروحة آنفاً، مُضافاً إليها ارتفاع تكاليف نقل الأموال وتكاليف التأمين عليها وتعويض المخاطر ودفع الرسوم للطرفين.

يتأثر المواطن بشكل كارثي بهذه المأساة الاقتصادية، وحرب العملة بين الحكومة والحوثيين؛ إذ لم يعد المواطن القادم من مناطق سيطرة الحوثيين قادراً على إرسال الأموال إلى ذويه، وبالتالي فعليه إما استقدامهم وتحمل تكاليف ذلك، وإما العودة إليهم والبحث عن فرص عمل في منطقته؛ وهي غالباً أقل توفراً مقارنةً بمناطق سيطرة الحكومة، خصوصاً فرص العمل الحرفية.

أما المواطنون في المناطق المحررة، فلم تعد لديهم القدرة على شراء مستلزمات الحياة الضرورية التي ترتفع أثمانها كل يوم، وتنقص قيمة رواتبهم ومدخراتهم باستمرار. أما الأسعار في مناطق سيطرة الحوثيين فهي أقل نسبياً؛ خصوصاً المنتجات الزراعية بحكم الطبيعية الزراعية للبلد، وتزايد الإنتاج الزراعي، لكن المنتجات المستوردة، بطبيعة الحال، تتأثر بمشكلة العملة والدفع الثنائي للرسوم والضرائب والجمارك؛ وبالتالي تكون أسعار تلك السلع عالية.

يمنية تقوم بقطف العنب اليمني الشهير- أميرة الشريف

وكما يخلق هذا الوضع خاسرين؛ أبرزهم المواطنون، فإنه يخلق أيضاً مستفيدين؛ فوفقاً لبعض المصادر يقوم بعض التجار بشراء العملة الأجنبية بسعر رخيص من مناطق سيطرة الحوثيين، ويبيعها بسعرٍ أعلى في مناطق الحكومة. تقوم بعض شركات الصرافة والتحويلات المالية بهذه الحيلة أيضاً، مع العلم أن الشركات التي تمتلك شبكة فروع كبيرة في مناطق الحوثيين لا تقوم أساساً بتصفية التزاماتها للشركات الأخرى إلا قليلاً؛ فهي تصفي التزاماتها بين فروعها فحسب.

اقرأ أيضاً: كيف تؤثر الحرب في اليمن على المرأة اقتصاديًّا؟

من جانب آخر، لا يزال الكثير من المصادر يؤكد صرف الدولار للمستوردين في مناطق الحكومة الشرعية بسعر تفضيلي، عند نحو500  ريـال للدولار؛ من أجل المساهمة في تقليل تكاليف استيراد السلع الأساسية، وبالتالي المساهمة في خفض سعرها، ومع ذلك يتم بيع تلك السلع بسعر صرف الدولار حسب السوق، عند نحو1000  ريـال، وقد سبق أن تناول تقرير لجنة الخبراء المعني باليمن هذه المسألة وأثار ضجة كبيرة حولها.

يؤدي هذا الوضع محكم الفساد والمنهار اقتصادياً إلى خنق المواطن؛ فهو بالكاد يستطيع توفير تكلفة وجبة أو اثنتين لليوم، كما أصبح الكثير منهم غير قادر على توفير المستلزمات الأخرى من مسكن ملائم ورعاية صحية وتعليم. لم يعد المواطن مهتماً بالطرف المسؤول؛ فهو يعي تماماً أن الحكومة فاسدة وأن الدولة قد تخلت عنه، وأن الحرب لها أمراء يديرونها ويرغبون في استمرارها. ستجد الدولة صعوبة بالغة في إثبات عكس ذلك، وإلى ذلك الحين ستبقى محل نقمة وازدراء المواطنين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة