الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

حرب الطاقة تسحق أوروبا

ارتفعت أسعار الطاقة إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه في العقد الماضي.. مما دفع القادة الأوروبيين إلى اتخاذ إجراءات طارئة في محاولة لضبط الأسعار

كيوبوست- ترجمات

كريستينا لو♦

مع اقتراب فصل الشتاء في أوروبا باتت أزمة الطاقة تشغل الحكومات والمحللين ووسائل الإعلام والشارع الأوروبي بشكل عام. ولم تكن مجلة “فورين بوليسي” استثناء؛ فقد نشرت مؤخراً مقالاً بقلم مراسلتها كريستينا لو، تناقش فيه تداعيات هذه الأزمة والسيناريوهات التي قد تنتهي إليها. بدأت لو مقالها بالإشارة إلى المعاناة الكبيرة التي تعيشها المصانع والشركات والعائلات بشكل عام في مختلف أنحاء أوروبا؛ من أجل الاستمرار في حياتها في ظل إطباق قبضة روسيا على إمدادات الغاز الطبيعي إلى القارة، والتي أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة بات يهدد بأزمة اقتصادية ربما تقوض التضامن الأوروبي في وجه روسيا.

اقرأ أيضاً: “بقايا الطعام” أحد بدائل الغاز الروسي!

ارتفعت أسعار الطاقة إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه في العقد الماضي؛ مما دفع القادة الأوروبيين إلى اتخاذ إجراءات طارئة في محاولة لضبط الأسعار وإيجاد إمدادات بديلة بعد أن قطعت روسيا ثلث إمدادات الغاز إلى القارة كجزء من جهودها لثني القارة عن موقفها تجاه غزو أوكرانيا. وخصصت الحكومات مليارات الدولارات للإعانات لحماية الأُسر والمصانع من الانهيار أمام هذه الأزمة غير المسبوقة. قد وصف أليكس مونتون، الخبير في أسواق الغاز العالمية، الأمر بأنه “حرب طاقة”. فروسيا كانت على مدى عقود خلت تمد الاتحاد الأوروبي بكميات كبيرة من الغاز بأسعار معقولة؛ ولكن هذه الإمدادات أصبحت اليوم سلاحاً في يد الرئيس الروسي في محاولته لإخضاع كييف والدول التي تدعمها. وعلى الرغم من الاستياء العام في هذه الدول؛ فإن حكوماتها زادت من تمسكها بموقفها. قال مونتون: “في زمن الحرب هذا ما تفعله الحكومات، سوف تضغط مواردها المالية إلى أقصى حد؛ حتى تتجاوز الصراع الذي تخوضه”.

فعلى سبيل المثال، اقترحت المفوضية الأوروبية إجراءات طارئة من شأنها توزيع ما يقارب 140 مليار دولار من أموال الضرائب على الشركات والأُسر التي تعاني ضائقة مالية، كما كشفت المملكة المتحدة عن خطة بقيمة 46 مليار دولار، وأعلنت السويد عن ضمانات سيولة بقيمة 20 مليار لشركات الطاقة المتعثرة، وتتحرك ألمانيا الآن باتجاه تأميم ثلاث شركات غاز عملاقة؛ في تدخل تاريخي من شأنه أن ينقذ هذه الشركات من الانهيار.

مظاهرة في لندن احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود- “فورين بوليسي”

وقد بدأ الإحباط الشعبي يتفاقم في المملكة المتحدة وألمانيا والنمسا؛ حيث اندلعت احتجاجات على ارتفاع أسعار الطاقة، وفي براغ خرج أكثر من 70 ألف شخص في مظاهرة كان شعارها “جمهورية التشيك أولاً”. ومع تزايد الغضب الشعبي يتلاشى التضامن الأوروبي، مما يهدد الدعم المستمر لكييف في مواجهة الجيش الروسي، ويزيد من خطر التصدعات المستقبلية في الوحدة الأوروبية؛ فالمجر، وهي عضو في الاتحاد الأوروبي، كانت في جيب موسكو من اليوم الأول، وتميز الموقف الألماني بالفتور منذ البداية، وفي إيطاليا نظم رجال الأعمال احتجاجاً على ارتفاع أسعار الطاقة؛ ألقوا خلاله باللوم على بروكسل وليس فلاديمير بوتين.

يرى بين كاهيل، الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن الدول الأوروبية ستواجه اختباراً قاسياً للوحدة السياسية إذا ما استمر عدم الاستقرار في التزايد، وقال: “إذا استمر ارتفاع الأسعار وجمود الأسواق هذا الشتاء؛ فإن الضغط السياسي سوف يزداد، وسيبدأ المواطنون في إلقاء اللوم على حكوماتهم، ربما ستبدأ الحكومات في البحث عن مصالحها. وسيكون الحفاظ على التضامن الأوروبي صعباً للغاية”.

اقرأ أيضاً: شتاء أوروبا.. ربيع بوتين!

ويشير مونتون إلى أن الإجراءات التي تتخذها دول أوروبا لحماية المستهلك من ارتفاع الأسعار سيكون لها أثر واضح في تقليل حافز المستهلكين للتقشف وخفض استهلاكهم. ويقول: “إن الدعم لا يفعل شيئاً للتقليل من الفجوة بين العرض والطلب؛ بل على العكس سوف يزيد من الطلب بينما لا يزال جانب العرض في المعادلة يعاني تحديات حقيقية”.

يبدو أن الاقتصاد الروسي قد نجا حتى الآن من حرب الطاقة بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز الذي انعكس بشكل زيادة كبيرة في عائداته. ولكن على المدى الطويل، وعندما تتمكن أوروبا من تأمين مورد بديل وتفقد روسيا سوقها الرئيسية، فإن ميزان القوى سوف يتغير حيث لا تمتلك روسيا البنية التحتية اللازمة لتوجيه مبيعاتها نحو الصين، وسوف تجد نفسها مضطرة إلى حرق غازها بدلاً من تصديره.

بوتين يستخدم الغاز كحصان طروادة في وجه أوروبا- “فورين بوليسي”

وتختم لو مقالها بالإشارة إلى أنطوان هالف، خبير الطاقة في مركز جامعة كولومبيا لسياسات الطاقة العالمية وكبير محللي النفط السابق في وكالة الطاقة الدولية، الذي يرى أن روسيا التي تحصل على أكثر من 40% من عائداتها الحكومية من مبيعات الطاقة “تخرج من الأسواق الأوروبية”، وهذا يشكل خطوة جذرية لا رجعة فيها ستؤدي على المدى البعيد إلى إضعاف قدرة روسيا على بث الفوضى؛ ولكن الشتاء الذي أصبح على الأبواب هو أمر، والمدى البعيد هو أمر آخر. يقول هالف: “لا يمكن التنبؤ بما قد يحدث في الأشهر القليلة المقبلة، ويرجع ذلك إلى أن أوروبا تمر بوضع غير مسبوق يمثل منطقة مجهولة تماماً”.

♦مراسلة “فورين بوليسي”.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة