الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

حرائق الغابات تفضح نقاط الضعف في نظام أردوغان

يظهر فشل أردوغان في نشر الجيش لمكافحة الحرائق كيف حوَّل هذا الرئيس فاقد الثقة -بعد خمس سنوات من محاولة الانقلاب- جيشَ بلاده إلى مؤسسة خاوية وعاجزة بعد أن كانت ذات يوم عظيمة

كيوبوست- ترجمات

هانا لوسيندا سميث

عندما اجتاحت حرائق الغابات شبه جزيرة مرمريس في تركيا، ووصلت إلى منتجع تورونك في الشهر الماضي، اندفع بولنت جنك، مثل كثيرين من أبناء قريته، لمكافحة النيران. افترض الأهالي أن مساعدة الجهات الرسمية ستصلهم قريباً. وصل رجال الإطفاء والشرطة؛ ولكن الجيش لم يأتِ.

على مدى أكثر من أسبوع صارع الرجال والأولاد النيران بأوعية المياه والخراطيم؛ لإبقائها بعيدة عن بيوتهم. وفي اليوم الرابع من الحريق تم إرسال سفينتَين من البحرية التركية إلى شواطئ خليج تورونك؛ حيث توقفتا في حالة تأهب. وبخلاف ذلك، تُرك السكان يصارعون النار إلى جانب رجال الإطفاء الذين كانوا يعانون الإجهاد الشديد، وينامون في نوبات على جوانب الطرقات.

اقرأ أيضاً: “حرائق الغابات” في تركيا تؤجج الغضب ضد أردوغان

كان الأمر بمثابة صدمة بالنسبة إلى بولنت جنك، ذي الـ48 عاماً، والذي أدى خدمته العسكرية لمدة عامين في التسعينيات. قال جنك: “لقد خدمنا جميعنا في الجيش؛ ولكن اليوم للمرة الأولى شعرنا أن هذا الجيش ليس جيشنا”. وأضاف “لولا السكان المحليون لكانت تورونك احترقت بأكملها. لماذا لا يساعدنا الجنود؟ قامت أذربيجان بإرسال 500 جندي، أين هم جنودنا؟”.

هذا التساؤل هو واحد من أسئلة كثيرة أُثيرت حول استجابة الحكومة للحرائق التي تستعر في مختلف أنحاء تركيا بعد أن تم إخماد معظمها. حرائق اليونان التي خرجت عن السيطرة في محيط أثينا على الرغم من الجهود الهائلة التي بذلتها فرق الإنقاذ، تشير إلى مدى صعوبة السيطرة على هذه الكارثة الطبيعية التي تتجاوز بكثير في شدتها الحرائق التي تندلع عادة في مناطق جنوب أوروبا في أشهر الصيف الحارة.

تزايد أعداد الضحايا مع توسع حرائق الغابات في تركيا- “دويتشه فيله”

في اليونان، تم نشر الجيش إلى جانب ألف من رجال الإطفاء، وتسع طائرات؛ لمواجهة النيران التي اجتاحت جزيرة إيفيا، وامتدت إلى ضواحي أثينا. كما أرسلت 12 دولة أخرى من الاتحاد الأوروبي تعزيزات، وحشد الاتحاد ما وصف بأنه “أكبر جهد أوروبي مشترك لمكافحة الحرائق”، وأرسلت البحرية الأمريكية طائرة استطلاع.

ومع ذلك فقد اعتذر كيرياكوس ميتسوتاكيس، رئيس الوزراء اليوناني، شخصياً عن سوء التقدير في بداية العمليات؛ مما أدى إلى خروج الحرائق عن السيطرة. كما أرسل الاتحاد الأوروبي فرق مكافحة الحرائق إلى إيطاليا، وإلى ألبانيا وشمالي مقدونيا اللتين تصنفان كدولتَين مرشحتَين لدخول الاتحاد الأوروبي مثل تركيا.

لكن في تركيا كشفت الحرائق عن مدى العجز الذي تعانيه مؤسسات الدولة -بما فيها الجيش الذي كان يوماً ما قوياً- خلال السنوات الخمس التي تلت محاولة الانقلاب الفاشلة على أردوغان. وكشفت الحرائق أيضاً عن كيف أن سياسة أردوغان الخارجية المعادية للغرب تركته غير قادر أو غير راغب في دعوة حلفاء بلاده التقليديين لمساعدته في محنته.

اقرأ أيضاً: العالم يحترق منذ عدة أشهر.. وهكذا يبدو المشهد

تم طرد أكثر من 20,000 عسكري منذ محاولة الانقلاب، وكانت الرتب العليا هي مَن تلقى الضربة الكبرى؛ خصوصاً أولئك الذين اعتبروا ميالين للغرب. وتم تقريباً طرد جميع الضباط الذين كانوا يشغلون مناصب في حلف شمال الأطلسي وقت الانقلاب، وطلب المئات منهم اللجوء في الخارج. ولا تزال عمليات التطهير متواصلة، وتستهدف بشكل خاص الضباط من خريجي المدارس العسكرية والكليات الحربية التركية الذين أكملوا دراستهم في الخارج.

قال ضباط سابقون لصحيفة “التايمز” إن عمليات طرد العسكريين، ونشر القوات التركية بشكل واسع في سوريا والعراق وليبيا وأذربيجان، قد تركت الجيش التركي غير قادر على الاستجابة لأية كارثة طبيعية في البلاد. علاوة على ذلك، فإن فكرة خروج العسكريين من ثكناتهم لا تزال تثير قلق أردوغان على الرغم من عمليات التطهير.

تصاعد الغضب الشعبي من استجابة أردوغان لموجة الحرائق التي تجتاح البلاد- “آي تي في”

قال ملازم أول سابق في الجيش التركي: “إن رفض أردوغان السماح للجنود بالتدخل ليس نتيجة خوف جديد؛ بل هو نتيجة خوف الجماعات الإسلامية من الجيش، الذي يرجع إلى أربعين عاماً مضت. أردوغان لا يريد أن يحظى الجيش بحب الناس واحترامهم”. وأضاف: “تم أيضاً منذ محاولة الانقلاب إعطاء الأولوية في المؤسسة العسكرية للولاء على حساب الكفاءة والجدارة، وهذا ما جعل الجيش غير قادر على أخذ زمام المبادرة؛ ولكن بالطبع يجب على القوات المسلحة أن تستجيب لكارثة في مثل هذا الحجم”.

لقد تم تدمير المؤسسات في مختلف أنحاء الدولة منذ محاولة الانقلاب، وتم طرد الكثير من المسؤولين الإداريين وحلّ محلهم موالون للحكومة بموجب مراسيم رئاسية. خسر نحو 200,000 من موظفي الدولة والأكاديميين وظائفهم، ويواجه العديد منهم تهماً جنائية. هيئة الطيران التركية كانت من بين الهيئات المتضررة، وهي الهيئة التي تدير أسطول البلاد من طائرات مكافحة الحرائق، والتي تمتلك تاريخاً عريقاً يرجع إلى عهد كمال أتاتورك، مؤسس الدولة التركية، ومهندس نظامها العلماني. وعندما اندلعت الحرائق تبين أن أياً من الطائرات لم تكن صالحة للطيران.

اقرأ أيضاً: تركيا دولة إمبريالية.. لا تدَعوا أردوغان يدَّعي عكس ذلك

علاوة على ذلك، فإن الدستور التركي الجديد الذي تم التصويت عليه بفارق ضئيل عام 2017، والذي دخل حيز التنفيذ في عام 2018، يحصر جميع السلطات تقريباً بيد أردوغان، ويسمح له بأن يحكم البلاد من خلال المراسيم، وهذا ما أدى إلى إضعاف الوزارات، ومراكز السلطة التقليدية الأخرى في تركيا، كما يقول المحللون.

يقول سونير تشابتاي، مؤلف كتاب “خريف السلطان”، وهو واحد من ثلاثة كتب له حول أردوغان: “تركيا تعاني أزمات؛ ولكنها مرنة لأن فيها مؤسسات عريقة، وعدم انهيارها أمام هذه الأزمات هو أمر استثنائي”. ويتابع تشابتاي: “الجيش هو أحد المؤسسات التي أنقذت تركيا من الكوارث؛ ولكنه لم يعد يلعب ذلك الدور. هنالك توجه واسع من أردوغان إلى تدمير المؤسسات أو تهميشها. ولأن الكثير من كبار الموظفين يخافون من بطشه فهم يلتزمون الصمت، ويتجاهلون الأمر بدلاً من أخذ زمام المبادرة. وكل هذا الإهمال العام في المؤسسات، سواء في مكافحة الحرائق أو في مواجهة جائحة (كوفيد-19)، مرتبط بشكل مباشر بالتحول إلى النظام الرئاسي”.

إن إضعاف الجيش، وهو ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، يؤثر أيضاً على علاقة أنقرة مع دول الحلف. وعلى المستوى السياسي، دأب أردوغان على اختلاق المعارك مع دول أعضاء في الحلف. ومع أن التعاون العسكري لا يزال قائماً، فقد صرح أحد المسؤولين في حلف شمال الأطلسي بأن الحلف لم يتلقَّ أي طلب للمساعدة في مكافحة الحرائق على الرغم من جود عدة قواعد له مجهزة بالمعدات والقوات المدربة على ذلك في المنطقة.

إيران ترسل طائرات مكافحة الحرائق لمساعدة تركيا- وكالة “شفق” الإخبارية

بدلاً من ذلك، توجه أردوغان إلى الشرق لطلب المساعدة، وقبل طائرات مكافحة الحرائق من إيران وروسيا وأوكرانيا وأوزبكستان، وكذلك جنوداً من أوزبكستان. وبعد عدة أيام من اندلاع الحرائق، وافقت تركيا على تلقي المساعدة من ثلاث طائرات تابعة للاتحاد الأوروبي. ولكن ذلك جاء بعد فوات الأوان بالنسبة إلى حرائق شبه جزيرة مرمريس التي اجتاحتها الحرائق، إلى جانب العديد من مناطق الساحل الغربي.

اقرأ أيضاً: رئيس قبرص: تركيا تستفيد من توتر العلاقات بين الناتو وروسيا

وفي مقابلة مع شبكة “سي إن إن” التركية، زعم أردوغان أن هيئة الطيران التركية “ليست مؤسسة حكومية”، واتهم الحزب الرئيسي في المعارضة بالتسبب في انهيارها أثناء وجوده في السلطة قبل أكثر من عشرين عاماً. وزعم أيضاً أنه هنالك الكثير من المعلومات المضللة على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن الحرائق. وقال إنه سيشدد القوانين التي تحكم عمل الإنترنت في البلاد. ولم تستجب الحكومة التركية لطلب التعليق على هذا الأمر.

قال تشابتاي: “الشعار الرئيسي لأردوغان هو جعل تركيا دولة عظيمة من جديد من خلال قيادتها العالم الإسلامي؛ ولكنه فشل في ذلك على مستوى السياسة الخارجية”. وأضاف: “يكرر أردوغان قوله إنه نجح في تحقيق أهدافه على الرغم من جهود الغرب لتقويض مساعيه؛ ولذلك فإن طلبه المساعدة من الغرب سوف يجعله يبدو ضعيفاً”.

المصدر: صحيفة التايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة