الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

حد الطار.. قصة حب ضد الطبقية

كيوبوست- عبيد التميمي

الفيلم السعودي “حد الطار“، من إخراج عبدالعزيز الشلاحي، وكتابة مفرج المجفل، ومن بطولة فيصل الدوخي، وأضوى فهد، وعلي إبراهيم، وسامر الخال. يتحدث الفيلم عن علاقة حب غير معتادة بين دايل (فيصل الدوخي)، وشامة (أضوى فهد)؛ علاقة بين ابن السياف وابنة مغنية الأفراح، في أحد أحياء الرياض الشعبية، وفي زمن كان المجتمع السعودي فيه يعيش صراعاً بين الانفتاح والتحفظ.

اقرأ أيضًا: مسلسل “رشاش”.. تجربة جريئة لا تخلو من العيوب

تلقَّى الفيلم ردود فعل إيجابية للغاية في مهرجان القاهرة السينمائي؛ حيث حصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وحصل الممثل فيصل الدوخي على جائزة أحسن أداء تمثيلي، كما حصل المخرج عبدالعزيز الشلاحي، على جائزة أفضل مخرج في مهرجان مالمو السويدي للسينما العربية.

يناقش الفيلم فكرة الطبقية، والاختلافات المجتمعية، من خلال الشخصيتَين الرئيسيتَين دايل وشامة؛ ليس الاختلافات بين أصولهما العائلية فحسب، بل الاختلافات الواقعة بينهما وبين المجتمع المحيط بهما. دايل ابن السياف الذي يرفض أن يرث مهنة والده، ويحاول أن يشق طريقه الخاص بعيداً عن هذه المهنة.

مشهد من الفيلم

وفي نفس الوقت، يثور على فكرة الزواج التقليدي، ويحاول إقناعَ عمِّه بحبه لشامة وتزوجها؛ وهو ما يرفضه عمه تماماً، فكيف بابن السياف أن يتزوج ابنة الطقاقة؟ تعيش شامة نفس الصراعات؛ فهي ترفض مهنة والدتها مغنية الأفراح، وتحاول اكتساب لقمة عيشها عن طريق تصميم الأزياء، وهو ما يبدو كفكرة مجنونة بالنسبة إلى أهلها. ومن الناحية العاطفية، كونها امرأة، شامة لا تمتلك رفاهية إخبار أهلها بحقيقة مشاعرها تجاه دايل، والجميع يربط مصيرها بسرور ابن خالها، الذي يقضي محكوميته في السجن بسبب جريمة قتل قد تنتهي بقصاصه.

اقرأ أيضًا: “الرحلة”.. عودة “السباحين” من باب الأنيميشن!

استطاع المجفل، من خلال هذا النص، خلق بيئة حميمية وتفاعلية للحارة التي تسكنها هذه الشخصيات، والطبقية في هذه الحارة تتمثل في تقلص فرص ارتقاء السلم المجتمعي، وحتمية البقاء في نفس المكان. فمهما كان حجم مدينة الرياض، إلا أن شخصيات القصة عالمهم لا يتخطى حدود حارتهم وما يمكن إنجازه عن طريقها، وأقصى ما يمكن إنجازه أحياناً هو الحصول على فرصة العزف في عرس الشيوخ. ولكن حتى هذه الفرصة الذهبية لا تتعدى كونها مبلغاً مجزياً من المال، دون أي احتمال في الخروج من الحارة وتخطي حدود هذا العالم الضيق.

مشهد من الفيلم

التصوير ساعد بشكل واضح في رسم هذه البيئة وإدراك حدودها. والأهم من ذلك، استطاع الشلاحي وطاقم التصوير إيجاد التكامل بين النص والصورة؛ لأن العديد من زوايا التصوير كانت تعزز الفوارق الاجتماعية بين البطلَين، أو عزلتهما الحادة التي يعيشانها بسبب المحاولات المستمرة للتخلي عن الجذور. ولا تخلو الصورة من انتباه دقيق إلى التفاصيل يلتقط الحقبة الزمنية بكل تفاصيلها، إنجاز هذا الأمر ليس بالسهل على الإطلاق؛ خصوصاً حينما نشاهد أعمالاً عربية كثيرة تقع في أخطاء فادحة حينما تحاول التركيز على حقبة زمنية معينة.

وبشكلٍ عام، يمكن اعتبار التصوير أفضل العناصر، منذ الافتتاحية البديعة التي شهدت تقديم محيط الفيلم من حفلات زواج وحارة شعبية صغيرة الجميع فيها يعرف الآخر، وحتى تسلل دايل إلى سطح منزل شامة للحديث معها. وفي أشد لحظات الفيلم ضعفاً وتفككاً، كانت الصورة لا تعاني على الإطلاق، وتؤدي مهمتها بشكل كامل؛ وهو أمر رائع لأن السينما السعودية عانت كثيراً في الماضي الصورة البراقة الخالية من الهدف والروح، مجرد محاولات متكررة لخلق لقطات بديعة لا لشيء سوى خلق هذه اللقطات، دون أي إدراك لأهمية التكامل بين النص والصورة. لحسن الحظ، لا يحصل الأمر هنا إطلاقاً، بل هناك نضج حقيقي وفهم لأهمية ما تضيفه الصورة على النص المكتوب.

اقرأ أيضًا: ارتداد.. مفارقة الإنسان والبيئة!

المشكلة التي واجهها الفيلم هي ضعف الحوارات والأداءات التمثيلية، والتي حينما تجتمع ينتج عنها شخصيات بدائية ذات بُعد واحد، شخصيات غير مطورة بما فيه الكفاية ليرتبط معها المشاهد، ويهتم بها. وهنا تكمن أهم نقطة، وهي اهتمام المشاهد بالشخصيات.. وجدت نفسي في أوقاتٍ كثيرة من الفيلم غير مهتم إطلاقاً بما يحدث لبطلَي الفيلم ومصيرهما، رغم أن القصة فريدة ومثيرة للاهتمام بالشكل الكافي، إلا أن هذا الضعف في الشخصيات لم يحسسني إطلاقاً بحساسية الموقف وحتمية إيجاد حل. رتم الفيلم البطيء للغاية لم يساعد؛ لكن لم يكن هذا الرتم ليشكل مشكلة لو أن الشخصيات كانت معالجة ومطوَّرة بالقدر الكافي.

مشهد من الفيلم

لم تكن هناك شرارة حقيقية بين دايل وشامة، ولم يوضح الفيلم إطلاقاً لماذا هذان الشخصان واقعان في الحب، وكيف بدأت علاقتهما؛ بل حتى غيرة دايل على شامة من ابن خالها سرور لا تبدو حقيقية أو مبررة. يرمي الفيلم بشخصية سرور فجأة في الحوارات دون أي علم مسبق، ويفرض هذه الغيرة المصطنعة فرضاً على المشاهد. وقد يكون تركيز انتقادي هنا على مثلث الحب هذا أكثر من أي عنصر آخر؛ لكن لأن هذا هو المحرك الرئيسي للقصة، وجميع الأحداث والتطورات التي تحصل في الفيلم تنبع من دايل وشامة وطبيعة علاقتهما بسرور.

مشهد من الفيلم

ولا ألقي بكامل اللوم على النص هنا؛ فهناك مواجهات وصراعات كثيرة في الفيلم يجب أن تنبع منها أية ردة فعل من المشاهد؛ لكن إجمالياً كان الفيلم يعاني أداءات تمثيلية ضعيفة وباردة، ويتحول أي مشهد تتخلله مواجهة بين شخصيتَين إلى أشبه ما يكون بحوار عادي وروتيني.

اقرأ أيضًا: “مسامير”.. قضايا متعددة في أول فيلم “أنيميشن” سعودي

مع أواخر الفيلم وارتفاع المحك، لم يتغير شيء سوى ارتفاع سرعة النسق، وباستثناء مونتاجات منفصلة لدايل وهو يتدرب على السيف، وشامة وهي تتدرب على الأورغ، بقيت الأمور بين هذين الاثنين من ركود قاتل على ما هي عليه. يرتكز الفيلم على قصة حب كمحرك رئيسي؛ لكن هذا الحب غير محسوس إطلاقاً. وأحياناً تشعر أن هذا الحب موجود فقط لأن النص يحتم ذلك، دون أي مبررات أو أسباب مقنعة.

مشهد من الفيلم

رغم الانتقادات، يظل فيلم “حد الطار” خطوة رائعة في الاتجاه الصحيح، ومن الواضح للغاية أنه عمل أُنجز بشغف. خطوة أخرى جديدة بعيداً عن تليفزيون وسينما الإسكتشات أو الأفلام المفرطة في العمق دون أي خط سير أحداث حقيقي.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبيد التميمي

كاتب سعودي

مقالات ذات صلة