الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

حجر رشيد.. حلم مصري بعيد المنال فهل يتحقق؟

مبادرات عدة لاستعادة "كاشف الأسرار".. ومتخصصون: العقبات تحاصر تحقيق الهدف

كيوبوست- صفاء الشبلي

على الرغم من معرفتهم بصعوبة تحقيق الهدف؛ فإن أثريين مصريين يأملون في استعادة حجر رشيد القابع بالمتحف البريطاني منذ 200 عام بعد فك رموزه على يد العالم الفرنسي الشهير جان شامبليون، في 1822.

وبعد اتفاقية الجلاء عن مصر بين فرنسا وبريطانيا أو ما يُعرف بـ”اتفاقية العريش” عام 1801، صادرت القوات البريطانية حجر رشيد، وتم شحنه على متن إحدى السفن البريطانية إلى لندن؛ حيث وضع في مقر جمعية الآثار المصرية هناك.

ودخل الحجر إلى المتحف البريطاني في نهايات عام 1802 بعد أن أهداه ملك المملكة المتحدة جورج الثالث، للمتحف البريطاني.

يرى أثريون مصريون أن استعادة حجر رشيد هي البداية لاستعادة آثار أخرى نُهبت من مصر- الصورة: وكالات

عدد من الأثريين المصريين دشنوا مبادرات عدة لاستعادة الحجر، الذي كشف عن سر اللغة المصرية القديمة وأسَّس لعلم المصريات، الذي أصبح واحداً من أهم فروع العلوم التاريخية.

وفي حديث مع “كيوبوست”، قال مُطلقو تلك المبادرات إن استعادة حجر رشيد حق أصيل للدولة المصرية، بينما رأى آخرون أن “المهمة صعبة” وليست سهلة وستواجه عقبات كثيرة.

اقرأ أيضاً: عندما قررت مصر استعادة كنيس الإسكندرية الجميل

أهمية حجر رشيد

عن أهمية حجر رشيد، قال عالم الآثار المصرية، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، الدكتور حسين عبدالبصير، إن فضل اكتشاف مصر الفرعونية يرجع إلى حجر رشيد، الذي يُعتبر واحداً من أهم الاكتشافات الأثرية في تاريخ الإنسانية عبر عصورها، ومفتاحاً مهماً لكشف رموز وأسرار اللغة المصرية القديمة.

وأضاف عبدالبصير، لـ”كيوبوست”، أن الحجر صاحب الفضل أيضاً في اكتشاف علم المصريات، الذي أسس له العالم الفرنسي جان- فرانسوا شامبليون، الذي يعد أول علماء المصريات والمؤسس له عام 1822، ومنذ ذلك الحين بدأت مرحلة جديدة في التاريخ بناءً على الاكتشافات الأثرية والبرديات واللوحات والنقوش على جدران المعابد والمقابر.

حسين عبدالبصير

وأوضح عبدالبصير: “نُحت حجر رشيد من لوح حجري عالي الجودة وقوي الصلابة؛ هو الحجر الديوريتي الجرانيتي، ولهذا الحجر لونان هما الوردي والرمادي، ويبلغ طوله نحو 112 سم، وعرضه نحو 75 سم، وسمكه نحو 28 سم، ووزنه نحو 762 كيلوجراماً، ويوجد في قسم مصر القديمة والسودان، ويحمل رقم 24، ومعروض حالياً في قاعة 4 بالمتحف البريطاني”.

اقرأ أيضاً: قصر الحصن يكشف أسراراً مخبأة منذ أكثر من قرنين من الزمن!

وأشار مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية إلى أن “حجر رشيد لعب دوراً مهماً في فك رموز الكتابات المصرية القديمة؛ فالنص المنقوش عليه جاء في 3 نسخ تمثل عدداً من الكتابات التي كانت شائعة في مصر، وهي الهيروغليفية على قمة الحجر، والديموطيقية المصرية القديمة (الكتابة الشعبية) في منتصفه، واليونانية القديمة في أسفله؛ وهي لغة الوافد والمحتل اليوناني الباقية من تراث الإسكندر الأكبر”.

ولفت إلى أنه “تبقى من الحجر 24 سطراً من اللغة الهيروغليفية و32 سطراً من الكتابة الديموطيقية، بينما جاء نص الكتابة اليونانية القديمة في 54 سطراً”.

وحجر رشيد عبارة عن مرسوم كهنوتي يخص الملك البطلمي بطليموس الخامس المعروف بـ”إبيفانس”، وهو واحد من عدة مراسيم بنفس الغرض، أقره مجمع الكهنة في مدينة منف، العاصمة المصرية القديمة الأبدية في عام 196 قبل ميلاد المسيح، ويؤكد ذلك المرسوم العبادة الملكية الخاصة بالملك البطلمي في الذكرى الأولى لجلوسه على عرش مصر.

فك رموز حجر رشيد كان بداية لنشأة علم المصريات كأحد العلوم التاريخية الشهيرة- مصدر الصورة: سوشيال ميديا

ويوجه نص حجر رشيد الشكر إلى الملك البطلمي على أفضاله؛ التي منها منح المعابد المصرية كميات كافية من القمح، وإسقاط الديون والضرائب المُتراكمة عن كاهل الشعب المصري والمعابد المصرية، والعفو عن المساجين والهاربين من العدالة إلى خارج الأرض المصرية والسماح لهم بالعودة إلى بلادهم، وترميم وإصلاح حالة المعابد المصرية.

وقرر الكهنة رد أفضال الملك البطلمي بتزيين المعابد والمقاصير المصرية العريقة بتماثيله جنباً إلى جنب مع تماثيل الآلهة، واعتبار مناسبة ميلاده وتتويجه على عرش مصر بمثابة عيد رسمي وقومي للبلاد، وكان حجر رشيد أحد تلك المراسيم التي أقرها كهنة مصر في ذلك الوقت.

وأوضح عبدالبصير أن “حجر رشيد لم يصلنا كاملاً؛ فقد فُقدت أجزاؤه العليا والسفلى، ويبدو أن الجزء العلوي للحجر كان على شكل اللوحة الملكية المصرية المعروفة من زمن الفراعنة السابقين على شكل (قرص شمس مجنح) يحدد إطار اللوحة العلوي وأسفله يقف الملك بطليموس الخامس والآلهة المذكورة في نص الحجر”.

مبادرات لاستعادة الحجر

النص المنقوش على حجر رشيد يضم 3 كتابات هي الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية القديمة- الصورة وكالات

ولاقت المبادرات، التي دشنها الأثريون المصريون لاستعادة حجر رشيد، انتشاراً كبيراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية؛ ومن ضمنها ما أطلقه عالم الآثار زاهي حواس، من حملة تتضمن عريضة مُوقعة من جانب عدد من الأثريين وموجهة إلى المتحف البريطاني بلندن لاستعادة الحجر، وأيضاً مبادرة الأثري بسام الشماع، عبر حسابه على “فيسبوك”؛ إذ دعا المصريين إلى إرسال رسائل للمتحف البريطاني تحت عنوان “أعيدوا لنا حجر رشيد”.

وعلى صعيد مُتصل، أطلقت عميدة كلية الآثار والتراث الحضاري بأكاديمية النقل البحري والتكنولوجيا الدكتورة مونيكا حنا، مبادرة لذات الهدف والبحث عن الثغرات القانونية التي تؤكد حق مصر في استعادته.

طالب عدد من الأثريين المصريين المتحفَ البريطاني بإعادة حجر رشيد إلى مصر- الصورة: وكالات

وقالت حنا لـ”كيوبوست”: إن الحملة تستهدف تعريف المصريين بـ17 قطعة أثرية استولى عليها الإنجليز، وليس حجر رشيد فحسب، كما نسعى في السياق ذاته إلى أن تكون الحملة شعبية وليست حكومية فقط.

اقرأ أيضاً: عصابات تجارة الآثار تعبث بالتراث اليهودي في تونس

وأضافت أن “التاريخ والآثار ملك للشعوب؛ لذا لسنا بحاجة إلى إثبات أن تلك الآثار المنهوبة أو المٌهربة تخص مصر، وحجر رشيد من ضمن الآثار المنهوبة من مصر في فترة احتلالها من قِبل فرنسا، ثم التنازل عنه للإنجليز مع 16 قطعة أثرية أخرى؛ منها جزء من ذقن (أبو الهول)، وحصلت إنجلترا على تلك القطع الأثرية من دون تنازل مكتوب من الحاكم العثماني الذي حكم مصر في تلك الفترة”.

مونيكا حنا

وأكدت حنا أن معاهدة “ويستفاليا” عام 1648 تقرر حق الشعوب في ممتلكاتها وعدم الاستيلاء على آثارها كغنيمة حرب تُعتبر مُلزمة لفرنسا بعدم منح حجر رشيد وغيره من القطع الأثرية لإنجلترا، وبالتالي فبلده الأصلي أحق به.

ولفتت إلى أنها دشنت حملة شعبية لجمع توقيعات وتقديمها إلى مجلس الوزراء؛ لتأكيد أهمية التحرك بشكل رسمي لاستعادة “حجر رشيد” كبداية لاستعادة الآثار المصرية المنهوبة.

مفتش آثار معبد أبيدوس بقنا، عاطف مكاوي، قال لـ”كيوبوست”: إن أكثر مَن يمكنهم الحفاظ على الأثر هم ملاكه الأصليون، مضيفاً: “أطالب، كأثري ومصري غيور على آثار بلاده، بأن تستعيد مصر الحجر ليتم وضعه في المتحف المصري، ويكون هذا اليوم عيداً للمتحف المصري”.

عاطف مكاوي

التوعية أولاً

اكتشف حجر رشيد الضابط الفرنسي بيير- فرانسوا أكسافييه بوشار، في 15 يوليو 1799، أثناء قيام قواته بتوسعة قلعة جوليان (قلعة قايتباي الثانية من عصر المماليك الشراكسة) والواقعة داخل مدينة رشيد بدلتا النيل؛ وهي تختلف عن نظيرتها الموجودة بالإسكندرية، لذا أُطلق على الحجر اسم “حجر رشيد”.

وتوجد نسخ عدة طبق الأصل من الحجر؛ منها تلك المعروضة بمتحف الحضارة المصرية بالفسطاط، ونسخة أخرى بمتحف رشيد الوطني ويتم عرضه للجمهور.

وأشار مدير متحف رشيد الوطني سعيد رخا، لـ”كيوبوست”، إلى أن المتحف يضم نسخة مهداة من المتحف البريطاني منذ عام 2009.

اقرأ أيضاً: المقبرة اليوسفية.. هل من مساعٍ رامية لمحو الآثار العربية والإسلامية في القدس؟ 

وقال رخا: “إن النموذج المُقدم إلينا من المتحف البريطاني مُصمم باحترافية عالية، وأحقيتنا بحجر رشيد لا ينفيها بأية حال من الأحوال قيام المتحف البريطاني بإهدائنا نسخة منه، وهناك نسخة أخرى داخل متحف الحضارة بالفسطاط”، ويرى أنه قبل الجهود الشعبية لاستعادة الحجر لا بد وبشكل موازٍ تقديم التوعية الأثرية للناس عن أهمية ذلك الحجر.

من احتفال المتحف القومي للحضارة بمرور 200 عام على اكتشاف حجر رشيد

وأوضح أن “كل المبادرات الداعية لاستعادة حجر رشيد مبادرات تُحترم ويلزمها ظهير شعبي يعي جيداً أهميته، يجب أن تكون هناك مبادرات موازية لتعليم وتعريف الناس بحضارتهم وتراثهم؛ فليس حجر رشيد فقط هو ما نريد استعادته، لكن استعادة الهوية المصرية وتعريف الناس بها أمر مهم، فالمواطن العادي يجب أن يشعر أنه جزء أساسي في استعادة تراثه وهويته”.

ويقدم متحف رشيد الوطني، احتفالاً بمرور 200 عام على فك رموز حجر رشيد، مجموعة من الفعاليات الثقافية والفنية الداعية لتعريف المواطنين بالتراث الشعبي لمدينة رشيد، إضافة إلى تقديم نماذج بأشكال فنية مختلفة لحجر رشيد؛ منها ما نُقش على الحجارة أو تم رسمه أو بطريقة الحرق على الخشب.

سعيد رخا

وعن ذلك يقول مدير متحف رشيد الوطني، في حديثه إلى “كيوبوست”: “المجتمع لا بد أن يشعر أن هناك هوية وطنية نريد المُحافظة عليها؛ وهي بالمناسبة أهم من المحافظة على الحجر نفسه، وفي هذا السياق نقدم مجموعة من الأنشطة التوعوية المهتمة بتعريف الشباب مثلاً بأهمية حجر رشيد وما يُمثله للحضارة المصرية، بالإضافة إلى التوعية بأهمية التراث وضرورة تعريف الناس بأهمية الطعام الذي يأكلونه وزيهم الخاص؛ فكل ذلك تراث يجب الحفاظ عليه”.

أمل صعب تحقيقه

يرى مدير الوحدة الأثرية بمطار الأقصر الدولي مؤمن سعد محمد، أن المطالبة باستعادة حجر رشيد من المتحف البريطاني تعد إحراجاً للدولة المصرية؛ لذا يمكن الاستفادة من وجوده داخل المتحف البريطاني الذي يضم بداخله نحو 100 ألف قطعة أثرية مختلفة، فلماذا نسعى لاستعادة حجر رشيد فقط؟

نسخة طبق الأصل من حجر رشيد معروضة بالمتحف القومي للحضارة بالفسطاط- من صفحة المتحف على “فيسبوك”

وأوضح سعد، في حديثه إلى “كيوبوست”، أن المبادرة المطروحة لاستعادة “حجر رشيد” قد تكون مشروعة؛ لكن صعب تحقيقها، فلا أعتقد أن إنجلترا ستفرط فيه بأي شكل من الأشكال، ونصت على تسليمه معاهدة خروج الفرنسيين من مصر.

مؤمن سعد

وأضاف أن “الدول لا تُدار بالعواطف؛ لكن بالبروتوكولات والمعاهدات، ونحن ملتزمون باتفاقية اليونسكو عام 1972 التي تنص على استعادة أي آثار تخرج من أي بلد بعد هذا التاريخ وليس ما قبله، وللأسف لن نستطيع استرداد ما تم الاستيلاء عليه قبل ذلك”.

وأشار: “لدينا 3 نسخ تماثل حجر رشيد موجودة داخل المتحف المصري بوسط القاهرة، ولدينا عدد آخر من الأحجار التي تضم 3 أنواع من الخطوط، كما حجر رشيد تماماً؛ لكنها غير مستغلة للترويج للسياحة، ولا أعتقد أن الدولة ستتدخل لاستعادة الحجر؛ فهي فقط تنفذ ما يتفق مع قانون اليونسكو”.

ويرى سعد أن الأهم من استعادة حجر رشيد هو كيفية الاستفادة من وجوده بمكانه داخل المتحف البريطاني. ويضع مدير الوحدة الأثرية بمطار الأقصر الدولي مجموعة من الاقتراحات؛ منها مُطالبة المتحف البريطاني بزيادة عدد المتدربين لديه من دارسي الآثار على مدار السنة، أو المُطالبة بمنح دولية لطلبة الدكتوراه والماجستير داخل الدول التي تضم متاحفها آثاراً مصرية لا نستطيع استعادتها.

اقرأ أيضاً: الفرعون الذي قتل في ساحة المعركة

ومن ناحية أخرى، يرى سعد أنه يمكن أيضاً الحصول على نسبة من حقوق الملكية الفكرية من تلك الدول وتوجيهها لترميم ودعم الحضارة المصرية القديمة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

صفاء الشبلي

صحافية مصرية تهتم بالكتابة الإنسانية والاجتماعية