الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

جيوش موازية… الميليشيات تشكل خطراً على الدول الإفريقية

بسبب عدم وجود عقيدة عسكرية وطنية بين أفرادها بجانب قلة خبرتها ونزوعها نحو العنف

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

عندما خرج الاستعمار الغربي من معظم الدول الإفريقية، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي؛ ترك جيوشاً ضعيفة وحكومات قليلة الخبرة، ومع انقلاب الأولى على الثانية، واستبدادها بالسلطة تفشى الفساد وسادت المظالم، فبرزت الحركات المطلبية والسياسية المدنية ثم المسلحة (التمردات)، التي أدّت إلى إطالة أمد الحروب الأهلية (الداخلية) في العديد من دول القارة.

وبين عامي 1970 و2002، كانت 15 دولة إفريقية ميداناً كبيراً لـ 35 حرباً أهلية (داخلية) ألقت بظلالها السالبة على 20% من سكانها، فيما قُدِّر عدد اللاجئين بأكثر من 8 ملايين لاجئ، والنازحين بنحو 10 ملايين نازح.

رويداً توقفت الحروب في أنغولا وموزمبيق وليبيريا، بينما لا تزال قائمة في السودان وإثيوبيا وليبيا وإفريقيا الوسطى والصومال، إنها أزمات دائمة بدون حلولٍ واضحة.

اقرأ أيضاً: بوركينا فاسو في قفص المجاعة بسبب الإرهاب

ومنذ عام 1990، دارت 19 حرباً داخلية في 17 دولة إفريقية، بما في ذلك الاستثناء الوحيد، أو ما يعرف بـ”كلاسيكو” الحروب الإفريقية، متمثلاً في تلك التي دارت بين الجارتين، إثيوبيا وإريتريا (1998-2000).

وما يزال شبح الحروب الأهلية يهدد جمهورية الكونغو الديمقراطية، ساحل العاج، الصومال، إريتريا، إثيوبيا، السودان، وتشاد، خاصة مع التنامي المُطرد للحركات الجهادية الإرهابية والتمردات القبلية والجهوية، ما اضطر الكثير من حكومات الدول الإفريقية إلى تجنيد متطوعين، وتشكيل ميليشيات شعبية مسلحة، لخوض المعركة بجانب الجيوش الضعيفة.

عناصر من ميليشيا قبيلة النوير، بجنوب السودان2014- وكالات

ميليشيات متمددة

مع تصاعد واستمرار الحروب الأهلية، وبروز الحركات الجهادية المسلحة، عجزت الدول الإفريقية عن تمويل الحرب، وفقدت خاصية احتكارها للقوة، فيما توقف الإنتاج وتدهورت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وانتشرت البطالة بين الشباب، فانضم بعضهم للمتمردين، وآخرون فضلوا الجماعات الجهادية، فيما بقي السواد الأعظم مقاتلين في صفوف الميليشيات التابعة للحكومات.

“الجيش لا يُمكن أن يكون في كل مكان”، عبارة يرددها معظم رؤساء وقادة الجيوش الإفريقية، عندما يُسألون عن الميليشيات التي أصبحت تنافس الجيوش في العدد والعدة، كما في حالة قوات الدعم السريع في السودان التي تطورت من ميليشيا (الجنجويد) القبلية التي كانت داعمة لعمليات الجيش في حرب إقليم دافور غربي السودان، إلى ما هي عليه الآن حيث يتسنم قائدها منصب نائب رئيس مجلس السيادة، ويضع رتبة (فريق أول) رغم عدم التحاقه بكلية عسكرية.

اقرأ أيضاً: أعلام روسية في بوركينا فاسو.. واشنطن تحذر واغادوغو من جلب (فاغنر)

بالنسبة لعبد القادر حكيم، الكاتب المهتم بالشأن الإفريقي، أشار في حديثه لـ”كيوبوست”، إلى أن فكرة مشاركة المواطنين مع جيوش بلدانهم في حربها ضد المتمردين أو الجماعات الإرهابية شائعة في معظم دول القارة، وقد أعلنت بوركينا فاسو التي تعاني انقلاباتٍ عسكرية متكررة وضعفاً في الجيش، مؤخراً؛ عن تجنيد 50 ألف متطوع للدفاع عن الوطن، ودعم الجيش في محاربة الجهاديين.

خارج القانون

عبد القادر حكيم

ووصف حكيم ما يجري من عسكرة للمدنيين في بوركينا فاسو بالمثير حيث أًطلق على أفراد الميليشيات التي شٌكلت تحت عنوان (الدفاع عن النفس) لقب (السانكاريين) في إحالة إلى الرئيس الثوري الأسبق توماس سانكارا، فيما هي في الواقع غير ذلك، فبعضها غارق حتى أُذنيه في ذات ممارسات الحركات الجهادية في إساءة التعامل مع المدنيين وفرض (أتاوات) خارج القانون عليهم فضلاً عن التعامل معهم بقسوة بصفتهم إرهابيين مُحتملين أو داعمين للإرهاب.

ولعل -يواصل حكيم- حديثه لـ”كيوبوست”، ميليشيا كوغلويوغو (Koglweogo) التي تُعتبر الأكبر في البلاد، بنحو 40 ألف مقاتل، وتأسست من أجل القيام بدور الشرطة من أجل حماية المواطنين من قطاع الطرق والمجرمين ولصوص المتاجر والمواشي، أصبح المواطنون يشكون من تعسفها ووحشيتها.

اقرأ أيضاً: بعد انسحاب مالي.. الاستراتيجية الجديدة لمجموعة الخمس في مهب الريح

كما أسَّست الحكومة البوركينية، مؤخراً، ما يُسمى بفرقة “متطوعي الدفاع عن الوطن”، والتي ينضم إليها غالباً مواطنون مسلحون، ولكن دون تدريب، يشاركون الجنود في قتال الجهاديين لتحقيق سلطة ومكاسب شخصية.

هذا بجانب ميليشيا امباساقو (Ambassagou)، التي تنمو باطراد منافسة لنظريتها كوغلويوغو، الأمر الذي يهدد وجود الجيش الرسمي، ولو بعد حين.

دورية للجيش المالي بين بلدتّي موبتي وجيني، وسط البلاد- وكالات

أسوة سيئة

وفي مالي، بحسب المحلل السياسي عمر حسنين، تأتي مناشدة قائد الجيش لجماعات الطوارق بإبداء حسن النية، وتقديم المساعدة للقوات المسلحة في قتالها ضد الجهاديين، في سياق مخطط للحكومة الحالية لإنشاء ميليشيات قبلية محلية لمحاربة الحركات الجهادية وعصابات قطاع الطرق والمتمردين، أسوة بتجارب مماثلة في الجوار، خاصة في بوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى.

عمر حسنين

يواصل حسنين حديثه لـ”كيوبوست”، مشيراً إلى خطورة هذه الميليشيات على الأمن القومي للدول الإفريقية، فضلاً على انفلاتها وتعسفها بسبب عدم وجود عقيدة عسكرية وطنية بين أفرادها، بجانب قلة خبرتها، ونزوعها نحو العنف، وتجاوزها للقانون.

وهذا ما أشارت إليه تقارير متطابقة، صدرت مؤخراً، أهمها تقرير الأمم المتحدة يوليو 2022، الذي كشف بوضوح عن ارتكاب ميليشيات موالية لحكومة جمهورية إفريقيا الوسطى أعمال عنف جنسي متكررة وبطريقةٍ مُمَنهَجة وواسعة النطاق؛ حيث نفَّذت ميليشيا “أنتي بالاكا”، اعتداءً على قرية بويو في محافظة أواكا، في ديسمبر 2021، قُتل خلاله ما لا يقل عن 20 مدنياً، فيما تعرضت 5 نساء وفتيات للاغتصاب، وحرقت الميليشيات، ونهبت، حوالي 547 منزلاً، وأُجبر أكثر من ألف قروي على الفرار.

يختم حسنين حديثه واصفاً هذه الميليشيات بالفوضوية والعبثية، ومحذراً من خطورة التوسع في تشكيلها لئلا تجد الجيوش الإفريقية نفسها يوماً ما في مأزق مماثل للجيش السوداني مع قوات الدعم السريع التي تُعتبر الآن دولة داخل دولة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة