شؤون عربيةملفات مميزة

جيل سعد المجرد والأغنية المغربية: من الهامش إلى عرش الموسيقى العربية

ما هي عوامل نجاح الأغنية المغربية؟

كيو بوست – رشيد العزوزي

قبل حوالي عقد من الزمان، كان من الصعب أن تجد في المشرق العربي من يستمع للأغنية المغربية. لم يكن لها جمهور خارج الحدود باستثناء بعض الأغاني المحدودة، التي استطاعت التسرب للدول المجاورة كالجزائر وتونس وموريتانيا، بحكم تقارب اللهجات وتشابه الثقافات.

كما كان من النادر أن تغامر قناة فضائية عربية متخصصة، تحتكم لمنطق الربح المبني على قانون العرض والطلب، ببث عمل موسيقي محلي، وإن تم ذلك محاباة، فيعتبر في حد ذاته نجاحًا باهرًا للفنان وللأغنية، وقد تتحدث عنه الصحافة الوطنية أيامًا طويلة.

اقرأ أيضًا: “الشيلة” فن خليجي يجذب مسامع الملايين

وترجع غربة الأغنية المغربية في المشرق -حسب بعض المشارقة- إلى صعوبة اللهجة المغربية، وتعدد روافدها الثقافية، وعدم الاهتمام بالفيديو كليب -إلا مؤخرًا- ناهيك عن افتقادها لمسوقين ومنتجين، إضافة إلى استسلام الفنان المغربي لهذه التحديات، وبالتالي التنكر للهجته لغته الأم، والهجرة إلى القاهرة أو بيروت، على أمل إثبات الذات، كما فعلت جنات وليلى غفران وسميرة سعيد وعبد الفتاح الجريني وغيرهم العشرات.

 

أغنية واحدة ورافد متعددة

يعتبر المغرب تاريخيًا بلد هجرة بامتياز؛ فعلى أرضه التقت ثقافات وحضارات عدة، كان لها بالغ الأثر في غنى وتنوع فنونه العربية والأمازيغية، الإسلامية واليهودية، ذات الجذور الإفريقية والعمق الشرقي والامتدادات الأوروبية.

تنوع ثقافي نتج عنه مدارس فنية، وتعبيرات فلكلورية عديدة، نذكر منها: الملحون، والعيطة، والكناوي، والمرساوي، والعلاوي، والبلدي بالجنوب الشرقي، والدقة المراكشية، وأحيدوس، وأحواش، والموسيقى الأندلسية، التي اعتبرها الباحث عبد العزيز بن عبد الجليل في كتابه “مدخل إلى تاريخ الموسيقى المغربية” القنطرة التي عبر بها المغاربة لموسيقى عصرية حديثة.  

موسيقى يحفظ كل مغربي كلماتها، ومستعد للرقص على ألحانها بمناسبة أو بدون مثل: “كأس البلار”، و”قطار الحياة”، و”ياك اجرحي”، و”سولت عليك العود والناي”، و”كان يا ماكان”، و”مغيارة”… إبداعات لا تشيخ، عصية على النسيان، كلما ذكرت تذكر الجميع بأسماء صنعت المجد من قبيل فيتح، وعبد النبي الجيراري، وأحمد الطيب لعلج، والعربي باطما، وعبد الوهاب الدكالي، وعبد الهادي بلخياط، ونعيمة سميح، ولطيفة رأفت، وعبد العاطي أمنا، ومحمد الحياني، والقائمة طويلة.  

بهذه العناوين الموسيقية التي تعتبر عند المغاربة رمزًا للزمن الجميل، استطاع المغرب بلورة هويته الفنية المركبة، وكون مشروعًا موسيقيًا وسطًا وجامعًا، يمكنه تسويقه وتثمينه، ولو بشكل محدود في مرحلة أولى، خلفت نتائج إيجابية مع الموجة الثانية، المعروفة في الأوساط الفنية بـ”الأغنية الشبابية الخفيفة”، التي استطاعت الموسيقى المغربية بها التربع على عرش الأغنية العربية، ودخول موسوعة غنينس للأرقام القياسية بعد وصولها لعدد مشاهدات هو الأكبر من المحيط إلى الخليج.

خولة حسين

وعن المرحلة الأولى، قالت الفنانة المغربية “خولة حسين” في اتصال مع كيوبوست: “إن الأغنية المغربية الطربية كانت لها مكانة كبيرة في قلب كل مغربي ومغربية، ولا تزال كذلك، لكنها رغم تفردها، لم تستطع أن تصل إلى العالم العربي بتلك المواصفات، وهو ما تحقق مؤخرًا -والحمد لله- مع الموجة الأخيرة”.

وتضيف صاحبة أغنية “عاجبو حالو”: “اليوم تجاوز فننا الحدود ووصلت أغانينا إلى الشرق، وخلفت صدى طيبًا في نفوس الأشقة العرب، لأنها اعتمدت لهجة بيضاء، ومزجت إيقاعات من تراثنا الأصيل، مع إيقاعات خليجية ومصرية؛ لكن الثيمة دومًا ظلت مغربية، وهذه هي أغنيتنا الحديثة العصرية التي دفعت بنجوم عرب إلى الاتجاه نحوها، ويخوضون تجربة أدائها بوصفها موضة العصر”.

 

عوامل النجاح

أولت وزارة الثقافة المغربية في السنوات الأخيرة اهتمامًا بالغًا بمختلف الفاعلين في المجال الفني من شعراء وملحنين وموسيقيين، إذ اهتمت بحالتهم الاجتماعية، وأخرجت القوانين المهيكلة، ورعت قمة السلطة في البلاد مهرجانات هي الأضخم في المنطقة والعالم -مهرجان موازين مثلًا- للنهوض باللهجة الفنية المغربية، وجعلها في مستوى نظيراتها اللبنانية والمصرية والسورية… بعد تألق عشرات الشباب في مسابقات غنائية في بيروت ودبي والقاهرة، سحروا الجميع بأصوات عذبة ينقصها بعض الدعم فقط تداركته الدولة.

وفي هذا السياق، أرجع المخرج التلفزيوني اللبناني، الناقد السينمائي، ناذر حشاش، في اتصال مع كيوبوست عوامل نجاح الأغنية إلى أسباب متعددة وكثيرة، على رأسها “الإرادة السياسية”، وأمور أخرى؛ أبرزها الحضور المغربي القوي والدائم في المهرجانات، ومشاركة الفنانين في المسابقات الغنائية، فضلًا عن التطور الكمي والكيفي لإعلام المغرب، بعد تحرير المشهد السمعي البصري هناك، وإفساح المجال أمام الخواص للاستثمار.

وبفضل هذه المجهودات المتكاملة، لم تعد اللهجة المغربية غريبة، كما ارتفعت قيمة الفنان المغربي في بورصة الفن العربي بالمشرق، وآن الأوان لهدى سعد أن تبدع أول ألبوم مغربي من إنتاج شركة بحجم روتانا.

حقق ألبوم هدى سعد المغربي مائة في المائة نجاحا كبيرا، سواء من ناحية تحميله في مختلف المواقع الغنائية، التي كانت سباقة في…

Posted by ‎♫♪♫ Maghna Lemaghrib مغنى المغرب ♫♪♫‎ on Tuesday, 18 October 2011

وبعد هدى، تألقت أسماء المنور، وحاتم عمور، وابتسام تسكت، وزهير البهاوي، والدوزي، وفنانون آخرون، تصالحوا مع لهجتهم، لتتسع دائرة الإقبال على الغناء باللهجة المغربية من طرف ألمع الفنانين العرب، مثل النجمة ديانا حداد والمطربة أصالة نصري والملكة أحلام والفنانة بلقيس أحمد والنجم الكويتي مصعب العنزي الملقب بسفير الأغنية المغربية بالخليج، الذي ساهم بقوة في تقديم أعمال مغربية ناجحة مع هؤلاء النجوم وغيرهم.  

نجاح أرجعته المتحدثة ذاتها إلى التوزيع الموسيقى الجديد، الذي سهل أداء الأغنية المغربية على جميع الأنماط الموسيقية، خليجية كانت أو هندية تركية، وبمواضيع جريئة، وهذا ما جعلها تغزو جميع الدول العربية؛ عكس الفترات السابقة التي طغى عليها نوع من التقليد واللمسة الطربية والفرجة التراثية.

 

ثورة موسيقية وأرقام قياسية

لا يمكن الحديث عن ثورة الأغنية المغربية دون استحضار اسم الفنان سعد المجرد، النجم العربي الأول خلال السنوات الأخيرة، الذي حقق نجاحات منقطعة النظير بأغاني خفيفة، ونمط خاص، مثل “انتي باغية واحد”، و”المعلم” التي دخل بها موسوعة جينيس للأرقام القياسية في عدد المشاهدات الذي يقترب حاليًا من الوصول إلى 700 مليون مشاهدة، كما تحظى أخباره الفنية، وحياته الشخصية، بما فيها من مغامرات جنسية، بمتابعة الصحافة العربية والعالمية.

جيل شبابي ذهبي مكتمل على جميع المستويات -فيه كاتب الكلمات والملحن والموزع والمسجل والمصور والمسوق- استغل ما تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي من إمكانات غير محدودة، وتسلح بأساليب جديدة وتقنيات حديثة، استطاع بها إثبات الذات محليًا، واكتسح الساحة عربيًا، ويتوق للعالمية.

ناذر حشاش

وهنا، أكد الناقد اللبناني حشاش أن “سعد المجرد صار نجمًا عالميًا، وليس عربيًا فحسب، بعمله الأخير وأعمال جيله الرائعة، ووصل لدرجة من التفوق جعلت أعداء نجاح الأغنية المغربية يطلقون حوله الشائعات، ليخفت بريقه، وتتراجع نجوميته، ولكن العكس هو الذي حصل، إذ ازدادت شعبيته وتعاظمت محبة الناس له”.

عمومًا؛ يمكن القول بأن النجاح الجماهيري الذي تحققه الأغاني المغربية حاليًا، دون مساهمة تقنية من بيروت أو كلمات من القاهرة، لم يكن متوقعًا على الإطلاق، وتفوقت بعض تلك الأغاني على أغانٍ شهيرة لمطربين عرب. ولكن يبقى السؤال الذي ستجيب عليه الأيام القادمة في هذا الشأن هو: هل ستصمد الأغنية المغربية في سلم اهتمامات العرب؟

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة