الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

جيل الشباب… القوة الدافعة للاحتجاجات

من غير الواضح إلى أين تتجه إيران ولكن المؤكد هو أنها لم تعد كما كانت عليه من قبل.. وأن هذا الجيل سوف يغير وجه البلاد

كيوبوست- ترجمات

هولي داغريس♦

دفعت موجة الاحتجاجات التي تشهدها المدن الإيرانية بالمحللين والكتاب إلى دراسة هذه الظاهرة، والبحث في دوافعها وأسبابها وعوامل قوتها. وقد نشرت صحيفة “فورين بوليسي” مقالاً مطولاً بقلم زميلة برنامج الشرق الأوسط في مجلس الأطلسي، هولي داغريس، تلقي الضوء فيه على جيل الشباب الذي يشكل القوة الدافعة لموجة الاحتجاجات هذه.

تشيد داغريس -في مقالها- بخبرة أبناء الجيل الذي ولد بين عامي 1997 و2012 في وسائل التواصل الاجتماعي، وبشجاعتهم وإقدامهم على التعبير عن سخطهم من الوضع الراهن الذي يعيشونه في ظلِّ حكم المؤسسة الدينية المتصلبة.

وفي وقتٍ سابق، صاغ الأكاديميون الغربيون عبارة “أطفال الثورة” لوصف الشباب الذين بلغوا سن الرشد بعد الثورة الإيرانية، وأبناء هذا الجيل كانوا العمود الفقري للحركة الطلابية التي ساعدت المرشح الإصلاحي علي خامنئي على الفوز في الانتخابات الرئاسية عام 1997. ويصف الأكاديمي آصف بيات هذا الجيل بأنه شباب ما بعد الإسلاميين. ويقول إنهم كانوا براغماتيين، وغير أيديولوجيين، لا يثقون بالمسؤولين في بلادهم، ويحلمون بالعيش في الغرب. ووصفت المؤسسة الدينية سلوكهم بأنه “سلوك منحط” لا يختلف عن سلوك الشباب في الغرب.

اقرأ أيضاً: مهسا أميني.. أيقونة انتفاضة جديدة في إيران

مع مطلع القرن الحادي والعشرين، أصبح الإيرانيون منفتحين على الإنترنت، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي والمدونات، ولكن الحكومة الإيرانية لم تبدأ بالنظر إلى الإنترنت على أنها تهديد للأمن القومي إلا بعد موجة الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية عام 2009 والتي عرفت باسم الحركة الخضراء. عندما انتشرت على نطاقٍ واسع مقاطع الفيديو لمتظاهرين يرتدون ملابس خضراء لدعم المرشح الإصلاحي آنذاك مير حسين موسوي، وهم يتعرضون للضرب على أيدي قوات الأمن، وأصبح مقطع الفيديو الذي يوثِّق مقتل الشابة ندى آغا سلطان على أيدي قوات الأمن رمزاً للحراك الذي يطالب بإسقاط النظام.

ومنذ ذلك الحين بدأت الحكومة بفرض قيودٍ مشددة على أكثر مواقع الإنترنت انتشاراً، ولكن معظم الإيرانيين تمكنوا من التحايل على هذه القيود والوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي “المحظورة”، حيث أصبحت منصات تبادل الصور المكان المفضل للشباب الإيرانيين للتعبير عن أنفسهم.

فتيات إيرانيات في أحد مقاهي الإنترنت في بداية انتشارها في البلاد عام 2003- فورين بوليسي

وتشير داغريس في مقالها إلى أن أبناء هذا الجيل لم يعاصروا غالبا تهديدات صواريخ سكود التي أطلقها صدام حسين، ولا نقص الغذاء الذي ضرب البلاد معظم فترة الثمانينيات التي تزامنت مع الفترة المظلمة من تاريخ إيران التي شهدت إعدامات جماعية واعتقالات للمعارضين والمنافسين السياسيين.

فقد ولد أبناء هذا الجيل بعد أن تولى الرئيس الإصلاحي خاتمي سدة الرئاسة، وهم أصغر من أن يتذكروا موجة التغييرات الكبيرة في الملابس والحريات العامة التي تم القضاء عليها بعد انتفاضةٍ طلابية عام 1999 احتجاجاً على إقفال صحيفة “سلام” الإصلاحية.

ولن يتذكر أبناء هذا الجيل هجمات 11 سبتمبر، وغزو العراق وأفغانستان، والتساؤلات التي كانت تدور حول ما إذا كانت إيران هي الهدف التالي لإدارة جورج دبليو بوش.

اقرأ أيضاً: احتجاجات إيران.. بركان خامد يعاود الانفجار

تجاوز أبناء هذا الجيل جائحة كوفيد-19 العالمية، ورأى كيف حرَّم آية الله علي خامنئي في البداية تلقي اللقاحات الغربية، وجلسوا على الهامش يشاهدون المؤسسة الدينية تقوم بهندسة حكومة يقودها متشددون لتولي السلطة، سواء في الانتخابات البرلمانية أو الانتخابات الرئاسية التي تلتها. واتسمت سنوات حياتهم بالمعاناة من العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية التي تسبب بها البرنامج النووي الإيراني.

وبفضل الإنترنت، أصبح أبناء هذا الجيل “مواطنين رقميين” يتشاركون في اهتماماتهم وتفضيلاتهم مع نظرائهم الغربيين. وتمكنوا بفضل أدوات التحايل الإلكتروني من الوصول إلى منصات وشبكات تبث أحدث الأفلام ومواقع توفر أحدث أغاني الراب التي يستمعون إليها بشكلٍ غير قانوني، بينما يسيرون في شوارع طهران التي تحف بها الأشجار.

وانتشرت على مواقع التواصل التعليقات والمقاطع التي تسخر من المؤسسة الدينية وتنتقد شخصياتها المتشددة وتهزأ من سياسات الحكومة الإيرانية وممارساتها. وانتشرت التطبيقات الصوتية التي تضم مراهقين لم تتجاوز أعمارهم 17 أو 18 عاماً يهاجمون الجمهورية الإسلامية بتعليقاتٍ لاذعة جريئة.

والأهم من ذلك هو أن أبناء جيل الإنترنت تعلموا التشكيك في الأشياء، وإجراء بحوثهم الخاصة، وأصبحوا أكثر جرأة من الأجيال التي سبقتهم، ويمتلكون إحساساً عميقاً بالفردية والنفور من أي شيء يتطفل على خصوصياتهم أو حرياتهم الفردية. وقد منحتهم الإنترنت القدرة على مشاهدة محن بلادهم أثناء حدوثها، سواء أكان ذلك من خلال الاحتجاجات الشعبية أو حملات القمع العنيف التي يتم عرض مقاطع منها على منصات التواصل.

مراهق إيراني يمارس رياضة التزلج في أحد شوارع طهران

ويمكن القول إن هذا هو أحد العوامل التي دفعت الرئيس خامنئي إلى دفع البرلمان لمصادقة على قانون الإنترنت المثير للجدل المعروف باسم قانون الحماية، الذي يجرم استخدام أدوات التحايل على الحظر الذي تفرضه الحكومة، والذي قد يجبر المواطنين على استخدام شبكة الإنترنت المحلية المعزولة عن شبكة الإنترنت العالمية. وقد دخل هذا القانون حيز التنفيذ منذ تولي الرئيس رئيسي منصبه في أغسطس الماضي.

وعندما يرى الشباب الإيرانيون نظراءهم في دول الغرب وهم يستمتعون بحريتهم، فإنهم يدركون مدى الظلم والنفاق الذي تمارسه حكومتهم، ويدركون إمكانياتهم الضائعة، ولا يقبلون مستويات المعيشة التي ينبغي عليهم تحملها. ونتيجة لذلك يشعر الشباب الإيراني بالانفصال عن المؤسسة الدينية الهرمة. وهذا ما يجعل هؤلاء الشباب يشكلون خطراً على الجمهورية الإسلامية.

ومع إدراك المؤسسة الدينية لنفور الشباب الإيراني من النظام الديني بدأت منذ فترة بالسعي لاستخدام خطاب مختلف وأسلوب جديد من التواصل. ففي عام 2010، جندت الحكومة مغني الراب أمير تاتالو الذي كان يحظى بملايين المتابعين على منصة إنستغرام، لإنتاج أغانٍ موالية للنظام التي تحتفي بحق إيران بالحصول على الطاقة النووية.

وفي مايو الماضي اجتاحت البلاد أنشودة “تحية للقائد” التي تعلن الولاء للمرشد علي خامنئي، وتهدف لتلقين الأولاد الولاء المطلق للجمهورية الإسلامية، ثم انتشرت نسخ منها يؤديها شباب شيعة في لغاتٍ متعددة في مختلف أنحاء العالم.

وفي المقابل، انتشر الجانب الآخر من الأنشودة الذي يؤديه شباب يسخرون منها، ويرقصون استهزاءً بكلماتها.

اقرأ أيضاً: السوشيال ميديا في إيران.. الوسيلة الوحيدة لمساءلة السلطة!

وفي يونيو الماضي ظهر مقطع فيديو لمجموعة من الشباب والشابات يمارسون رياضة التزلج، وانتشر كالنار في الهشيم، ليس بسبب براعة المتزلجين، بل لأن المتزلجات كنَّ لا يرتدين الحجاب. وقد صدم هذا الفيديو السلطات إلى درجة أنها قامت باعتقال خمسة من منظمي النشاط. وفي غضون أيام خرج العشرات من المحافظين للصلاة في المكان الذي تجمع فيه المتزلجون المراهقون، واختاروا الصلاة التي يتم أداؤها عند وقوع مصيبة. لقد كان هؤلاء الأطفال بمثابة زلزال للنظام الديني المتشدد. وبعد أيام قليلة، ظهر فيديو آخر لصبي مراهق يرتدي الشادور، وهو لباس يشبه الخيمة ترتديه النساء الإيرانيات المحافظات، وهو يرقص على لوح التزلج الخاص به، للتعبير عن استهزائه بالمتشددين.

وفي أغسطس الماضي، ظهر فيديو لفتاة ترقص على أنغام موسيقى الراب الفارسية محاطة بمجموعةٍ من الفتيات المرهقات بملابس رياضية، ولا يرتدين الحجاب. وقد ظهر هذا الفيديو في الوقت الذي كانت تقوم فيه الحكومة بحملة واسعة النطاق ضد النساء اللاتي رفضن ارتداء الحجاب في أعقاب صدور قانون وقعه الرئيس “رئيسي” يفرض العديد من القيود على ملابس النساء في الأماكن العامة. ثم جاءت وفاة مهسا أميني التي كانت تزور العاصمة طهران عندما ألقت شرطة الآداب القبض عليها بتهمة انتهاك قواعد ارتداء الحجاب. وسرعان ما اشتعلت المدن الإيرانية بموجة مظاهرات غاضبة أحرقت خلالها الفتيات الحجاب، ورفعن شعارات تطالب بالحرية، وتندد بالقوانين التي تفرض الحجاب. وامتلأت مواقع التواصل بمقاطع لفتيات يخلعن الحجاب ويحرقنه، وانضم الشباب إلى هذه الحملة عن طريق حلق رؤوسهم على مقاطع في تطبيق تيك توك.

فتيات إيرانيات يحرقن حجاباتهن في شوارع طهران- فورين بوليسي

ومن خلال الهتافات التي تردد صداها في شوارع إيران مثل “الموت لخامنئي” و”سأقاتل، سأموت، وسأستعيد إيران” و”ولاية خامنئي باطلة” أصبح من الواضح أن المطالب تجاوزت قضية الحجاب، وأن المتظاهرين لا يريدون جمهورية إسلامية. وأطلقوا رسائل للأجيال التي سبقتهم للانضمام إليهم لإسقاط النظام القاتل الذي جلب اليأس لإيران على مدى 43 عاماً.

وقد اعترف العديد من الإيرانيين الأكبر سناً بدور جيل الشباب وبشجاعتهم، وعزوا إليهم الفضل في موجة الاحتجاجات التي تعم البلاد. وغرَّد أحدهم قائلاً: “أقسم بالله أن إيران لم تشهد جيلاً بهذه الشجاعة. من الآن فصاعداً سأصفع كل من يتكلم بسوء عن هذا الجيل”.

من غير الواضح إلى أين تتجه إيران، ولكن المؤكد هو أنها لم تعد كما كانت عليه من قبل، وأن هذا الجيل سوف يغير وجه البلاد. ويبدو أن المؤسسة الدينية تدرك ذلك، ففي مطلع هذا العام حذرت صحيفة “صبح صادق” التابعة للحرس الثوري من التهديد الذي يشكله أبناء هذا الجيل على الثورة الإيرانية.

اقرأ أيضًا: إيران تفتقد أعظم ثرواتها.. المرأة

لقد دمرت السنوات الماضية ما كان قد تبقى من الأمل لدى الإيرانيين في أي نوع من الإصلاح أو التغيير، وقد انعكس هذا الأمر في هتافات المتظاهرين الذين كانوا يأملون بأن يفوز الرئيس ترامب بولاية ثانية، وأن تؤدي سياسة الضغط الأقصى التي يتبعها إلى انهيار الجمهورية الإسلامية أو على الأقل إلى تغيير سلوكها.

وقد كانت السيدة فايزة هاشمي، ابنة الرئيس السابق على أكبر هاشمي رفسنجاني قد فاجأت الجميع بقولها في لقاء مع محطة إنصاف الإخبارية الإيرانية: “لو استمر ضغط ترامب لربما كنا سنضطر إلى تغيير بعض السياسات، ولكان من شأن هذا التغيير أن يفيد الناس بالتأكيد”. وقد تم القبض على السيدة هاشمي في 27 سبتمبر بتهمة تحريض المشاغبين في طهران.

ومع تصاعد القمع وتشديد الضوابط ووصول حكومة متشددة والاقتصاد الفاسد الذي لا يستفيد منه سوى النخبة الحاكمة ومحيطها، فإن المؤسسة الدينية ترسل للشباب الإيراني رسالة مفادها أن حياتهم لا قيمة لها. وهذا يترك شباب إيران أمام خيارين: الهجرة أو النهوض في وجه النظام.

♦زميلة برنامج الشرق الأوسط في مجلس الأطلسي، ومؤلفة كتاب «الإيرانيون ووسائل التواصل الاجتماعي».

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة