الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

“جولة في أعماق الزمن” تبعث بالراحة في الأوقات الصعبة!

رحلة جيولوجية عاصفة يلتقي فيها الماضي بالحاضر والمستقبل

كيوبوست- ترجمات

أليكساندرا ويتز♦

إذا كان هنالك من وقتٍ ملائم للتفكير في أعماق الزمن فهو الآن. فقد حررنا “كوفيد-19” من إيقاع الحياة ما قبل الجائحة، وتركنا نتدافع للحصول على منظور زمني بينما تخبو الأيام. وفي أوقاتٍ كهذه توفر الجيولوجيا ملاذاً للعقل.. معرفة أن الصخور تمثل عصوراً غامضة نشأت خلالها الحيوانات والنباتات وحتى الفيروسات، وتطورت وماتت.

بينما أنا محجور بمنزلي في كولورادو أستطيع أن أرى فوهات المناجم تخترق سفوح الجبال، وتتغلغل في ترسبات الذهب والمعادن الأخرى التي بدأت بالتشكل قبل 75 مليون سنة. بدأت القصة عندما انزلقت صفيحة عملاقة من قشرة الأرض تحت صفيحة أخرى، في ما يعرف الآن غرب أمريكا الشمالية، فانصهرت الصخور، وتحولت إلى حمم حملت معها هذه المواد نحو سطح الأرض. وتلقي أهوال هذه الصخور -الحرارة والضغط والعنف- الضوءَ على منظور أوسع لأحداث العام الماضي.

 وكذلك تفعل مواقع أخرى عُرفت بمساهمتها في المعرفة الجيولوجية. فعلى سبيل المثال، وفي جرف “سيكار بوينت” في جنوب شرق إسكتلندا، لاحظ عالم الجيولوجيا من القرن الثامن عشر جايمس هوتون، نوعَين من الصخور، وقد انحشر أحدهما بالآخر، ولاحظ أنهما يمثلان حقبتَين زمنيتَين متباعدتَين إلى حدٍّ كبير، وأن عمليات طويلة متماثلة قد شكلت الأرض. مثال آخر هو جرف “لايم ريدجز” الغني بالمستحاثات على ساحل إنجلترا الجنوبي؛ حيث نجد أنفسنا مجبرين على النظر بعيداً أمام مشهد أحافير الأمونيت المتحجرة وغيرها من الكائنات التي انقرضت منذ زمنٍ بعيد، والتي جمعها صائدو الأحافير؛ مثل ماري أنينغ في القرن التاسع عشر.

موقع سيكار بوينت الجيولوجي الذي يظهر تداخل طبقات الصخور المختلفة مع بعضها- “فوياج إن ديب تايمز”

في كتابها «ملاحظات من أزمنة غابرة» تستكشف الكاتبة هيلين غوردون عدداً من هذه المواقع الشهيرة، وفي رحلة غيرت حياتها الشخصية بشكلٍ كبير، شرعت تتجول في قصة المناطق الطبيعية في أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية، فكانت النتيجة رحلة عاصفة في أعماق زمن كوكبنا، وفي مستقبله البعيد.

وقد أظهرت أن الجيولوجيا تقدم رحلة في الأزمان السحيقة التي لا يمكن الخوض فيها. فإذا لمست قطعة من نيزك قديم فإنك ستشعر بمعدن تشكل حول الشمس الوليدة قبل أكثر من 4.5 مليار عام. وإذا ذهبت إلى مناطق شمال غرب كندا، فسيمكنك التنزه على قطعة من القشرة الأرضية القديمة التي ترجع لأكثر من أربعة مليارات عام.

اقرأ أيضاً: اكتشاف أدوات حجرية عمرها 8000 عام في جنوب اليمن

نوعان مختلفان من الصخور وقد انحشر أحدهما في الآخر- “نيتشر”

كبسولات الزمن

وقد جمعت غوردون في كتابها الكثير من النوافذ على الأزمنة السحيقة التي لطالما تاقت إليها، فزارت في كوبنهاغن ثلاجات أعمدة الجليد القيمة التي تم حفرها بعناية من طبقات الجليد في غرينلاند، وأماكن أخرى. وأعمدة الجليد هذه تعتبر بمثابة كبسولات زمنية تحتوي على فقاعات من هواء ما قبل التاريخ وطبقات من الملوثات؛ مثل الرصاص، التي تتيح الفرصة للعلماء أن يعرفوا من خلالها كميات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي في تلك الأزمنة، وكشف تاريخ صهر المعادن الذي يرجع إلى الإغريق القدماء.

وفي فصولٍ أخرى من كتابها، تستعرض غوردون الجيولوجيا الحضرية للعاصمة البريطانية لندن ونابولي الإيطالية؛ حيث يشكل الرخام والحجر الجيري والغرانيت المستخدمة في مبانيها بوابة إلى العديد من عوالم الماضي (وكذلك إلى ماضينا الحالي؛ حيث يقبع تمثال رئيس جنوب إفريقيا السابق نلسون مانديلا، على صخرة بركانية عمرها مليارا عام، وقد عثر على تلك الصخرة السوداء المتلألئة في وقتٍ سابق بالقرب من بريتوريا).

اقرأ أيضاً: غير مألوف.. هذا ما يبحثه العلماء لتبريد وجه الأرض

ويحتوي كتاب غوردون على موضوعاتٍ شيقة؛ كالبراكين والديناصورات والزلازل. وتمثل زيارتها إلى بركان كامبي فليجري، بالقرب من نابولي، فرصة للتأمل في الأزمنة السحيقة وتحليلاً معمقاً لكيفية مراقبة العلماء للبراكين النشطة وعملهم مع السلطات المحلية لمنع جبل النار هذا من إزهاق الأرواح في محيطه. وتصف رحلتها إلى ولاية يوتاه الأمريكية، زيارة إلى سرير أحفوري شهير، وتأملات في بيع المستحاثات واستثمار جاذبية الديناصورات عند الأطفال. وفي جولتها في جنوبي ولاية كاليفورنيا، تستكشف مع علماء الزلازل كم من الوقت تستغرق دراسة فالق جيولوجي؛ مثل سان أندرياس، قبل أن نتمكن من توقع سلوكه.           

ولا يمكن إلا أن نقارن مجموعة رحلاتها المطولة مع كتاب «الزمن السحيق» للكاتبة مارسيا بجورنورد، الذي صدر عام 2018، والذي يدرس الأزمنة السحيقة ويصنفها بطريقة أكثر شمولية. كما أن كتاب غوردون لا يقدم رؤى من ثقافات غير غربية -باستثناء إشارة سريعة أو اثنتين- مثل منظور سكان أستراليا الأصليين للأزمة الغابرة والكثير من الكشوفات الجيولوجية والأحفورية القادمة من الصين والهند، وأماكن أخرى من آسيا.

اقرأ أيضاً: العالم تحت الخطر.. بماذا تنبئ درجات الحرارة في قادم السنين؟

مستحاثات عملاقة على شاطئ لايم ريدج على ساحل إنجلترا الجنوبي- أرشيف

ولكنها في نهاية المطاف، نجحت في ربط وجودنا بقوة في سياق الزمن الجيولوجي. ويتضح هذا بشكل خاص في الجدل الدائر حول ما إذا كانت البشرية قد دخلت في عصرٍ جيولوجي جديد، عصر الأنثروبوسين. (الأنثروبوسين: عصر جيولوجي بدأ مع بداية التأثير البشري على جيولوجيا الأرض، والنظم البيئية فيها- المترجم).

من المعروف أن الإنسان العاقل قد غيَّر الكوكب؛ ولكن متى وكيف أصبح هذا الأمر واضحاً بشكلٍ صارخ؟ هل كان ذلك عند التحول التدريجي البطيء نحو الزراعة قبل نحو عشرة آلاف سنة؟ أم مع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر؟ أم مع الزيادة السريعة في استهلاك الوقود الأحفوري التي حدثت في القرن الماضي؟ أم عقب آثار القنبلة النووية ونتائجها على العالم ابتداءً من فجر يوم اختبار الثالوث عام 1945؟ (اختبار الثالوث هو الاسم الرمزي لأول اختبار لتفجيرٍ نووي في العالم، قام به الجيش الأمريكي في فجر السادس عشر من يوليو 1945- المترجم) ناقش العلماء هذه الأسئلة بأدق تفاصيلها، وكأن تفاصيل كيفية تأثيرنا على الكوكب أهم من حقيقة أننا نؤثر فيه فعلاً.

اقرأ أيضاً: العالم على الطريق لتغيرات كبرى

وبالنظر إلى المستقبل، تتخطى غوردون المخاطر المناخية الوشيكة على الكوكب، وبدلاً من البحث فيها فقد زارت موقع مشروع مطمر النفايات النووية المزمع إنشاؤه في أولكيلوتو- فنلندا الذي من المفترض أن يحتفظ بالنفايات المشعة الناتجة من مفاعلات الطاقة النووية بشكلٍ آمن لمدة مئة ألف عام. في النهاية، فإن صخور الأزمنة السحيقة يمكنها على الأقل أن تسهم في عزل أسوأ النفايات البشرية.

المصدر: نيتشر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات