الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

جورج سيدهم.. الكوميديان الذي هزمه المرض

شارك بدور وطني بعد نكسة 1967.. وقدَّم عروضه المسرحية للمرة الأولى في السجون

 كيوبوست

برحيل الفنان المصري القدير جورج سيدهم، تودِّع فرقة ثلاثي أضواء المسرح (ضمت سمير غانم وجورج سيدهم والضيف أحمد) ثاني نجومها الذي عانى المرض الشديد على مدى نحو 20 عامًا، وتسبب المرض في فقدانه النطق والحركة خلال سنوات عمره الأخيرة التي قضاها في منزله برفقة زوجته الدكتورة ليندا مكرم.

رحل جورج سيدهم عن عمر يناهز 82 عامًا؛ قضى أكثر من نصفها في مجال الفن الذي بدأ العمل فيه في أثناء دراسته الجامعية في كلية الزراعة جامعة عين شمس أواخر الخمسينيات، وحتى آخر مشاركاته في السينما المصرية بفيلم “الجراج” في منتصف التسعينيات.

اقرأ أيضًا: رحيل عزت أبو عوف.. “ميموزا” الطبيب الذي فضَّل الموسيقى على الطب

اكتشاف الثلاثي

يرجع الفضل لاكتشاف فرقة ثلاثي أضواء المسرح إلى المخرج محمد سالم؛ فهو أول مَن قدَّم أعضاءها (الثلاثي) إلى التليفزيون ووضع لهم أنجح برامجه التليفزيونية؛ وهو “فوازير رمضان” التي كان الثلاثي واضعًا أفكارها وكاتبًا حوارها، ثم يقوم بتمثيلها على الشاشة، حسب ما ذكره الكاتب طاهر البهي، في الكتاب الاحتفالي عن الفنان الراحل والصادر بمناسبة تكريمه في الدورة الماضية من مهرجان شرم الشيخ للمسرح.

من أحد أعماله ضمن فرقة ثلاثي أضواء المسرح

بدأت تلوح في ذهن محمد سالم فكرة تكوين فرقة مسرحية تعتمد على مواهب هؤلاء الشبان الثلاثة، ووضع لهم اسم “فرقة ثلاثي أضواء المسرح” الذي اقترحه جورج سيدهم؛ لتنطلق الفرقة على مسرح الشاطبي بالإسكندرية، ثم انتقلت إلى القاهرة، لتواصل نجاحها وتألقها، إلى أن وقع الخلاف واشتد بين الثلاثي والمخرج محمد سالم، وكان الخلاف حول أسلوب إدارة الفرقة ومنهجها؛ فقد كان سالم يريد لهذه الفرقة الواعدة أن تكون فرقة استعراضية غنائية، في حين كان يرى الثلاثي في المقابل أن هذا النوع من الفرق يحتاج إلى إمكانات فنية ومادية ضخمة لا تقوى الفرقة على تحملها.

انسحب محمد سالم من إدارة الفرقة؛ بينما استمر الثلاثي بنفس اسم فرقتهم يقدمون الأعمال المسرحية والفنية بأسلوبهم وطريقتهم المرحة الداعية إلى حب الحياة، ليستمروا في تقديم عشرات التجارب المسرحية والسينمائية المميزة.

 اقرأ أيضًا: رحيل فاروق الفيشاوي.. جزء آخر من الزمن الجميل يرحل

طريق ممهد

في الوقت الذي ظهرت فيه فرقة الثلاثي، كان عدد الفرق المسرحية يتضاءل وفي تناقص مستمر؛ كان ذلك في الفترة الزمنية التي أعقبت النكسة مباشرةً، ولم يكن هناك سوى عدد قليل من المسرحيات الكوميدية المعروفة في ذلك الوقت؛ فقد أُغلقت فرقة إسماعيل ياسين وكذلك فرقة تحية كاريوكا، في حين أن نجم فرقة المتحدين كان في تصاعد.

خلال احتفاله بعيد ميلاده قبل عدة سنوات بمشاركة الفنانة الراحلة نادية لطفي

وكان الثلاثي (سمير وجورج والضيف) قد بدؤوا يطلون على الناس من خلال شاشة التليفزيون في استكشاف أحبَّه منهم المشاهدون، واستطاعوا أن يرسموا البسمة على الشفاه التَّعِسَة عقب النكسة. ونجح الثلاثي في التليفزيون وأحبهم الناس؛ ولكنه كان حبًّا يظهر ليختفي.. يظهر مع ظهروهم على الشاشة؛ خصوصًا عند إطلالتهم في شهر رمضان المبارك، ثم سرعان ما ينساهم الناس بعد ذلك؛ فلم يكن لهم مسرح يعرضون من خلاله فنونهم ومواهبهم وإبداعاتهم، إذ كان ظهورهم موسميًّا.

كانت الظروف السياسية والاجتماعية في مصر في ذلك الوقت عصيبة، وجعلت الناس يبحثون عن بسمة، أما الضحكة فقد كانت شيئًا أشبه بالمستحيلات بعدما تكسَّرت الأحلام على صخرة النكسة المدببة.. كانت فكرة موفقة ومخاطرة غير محسوبة عندما قرر الثلاثي أن يواجهوا الجمهور وجهًا لوجه متحملين المسؤولية كاملةً عن تلك المواجهة المباشرة من خلال مسرح “الهوسابير”.

واعتمد الشبان الثلاثة (سمير وجورج والضيف) على أنفسهم في التمثيل والإعداد والإخراج؛ لقد كانوا فرقة كاملة مكونة من ثلاثة أشخاص فقط، عملت معهم أحيانًا الممثلة الكوميدية هالة فاخر؛ فكانوا أشبه بالثلاثي ونصف.

جورج سيدهم

عرض في السجن!

كانت لفرقة الثلاثي، بمبادرة من جورج سيدهم، تجربة فنية وإنسانية عندما عرضت الفرقة مسرحيتها “فندق الأشغال الشاقة” في السجون، وبدأت الفكرة عندما دعت الفرقة عددًا كبيرًا من ضباط الشرطة إلى مشاهدة العرض، متقدمةً باقتراح إلى وزارة الداخلية ووزيرها في ذلك الوقت شعراوي جمعة؛ لتقديم عرضها إلى النزلاء في السجون، وبالفعل وافقت الوزارة وتم العرض أمام ثلاثة آلاف من مساجين سجن طرة، وكان ذلك في شهر مايو 1971.

لاقى العرض ردود فعل قوية وأصداءً واسعة في الصحف التي كتبت تحيي الفرقة على هذه المبادرة، وكانت هذه الفترة تحديدًا تشهد اهتمامًا واضحًا وملموسًا بالسجون والمساجين، وتقدَّمت الفرقة باقتراح آخر لتعميم الفكرة؛ خصوصًا أن المسرحية نفسها تدور فكرتها حول القوانين الصارمة للسجون، ووافقت وزارة الداخلية على الفكرة التي وجدتها تتماشى مع خطتها الجديدة لتحسين التعامل مع المساجين؛ بهدف إصلاحهم وتقويمهم.

وبالفعل قدمت الفرقة في الشهر التالي مباشرةً، في يونيو 1971، نفس العرض في سجن القناطر، وتابعت الصحف هذا الحدث الفريد ونشرت في عناوين مثيرة أن فناني “الثلاثي” في السجن، ووصفت كيف سهر المساجين في سجن القناطر إلى الساعة الحادية عشرة مساءً لأول مرة في تاريخ السجن الذي لم يكن يسمح بالوجود خارج الزنازين بعد غروب الشمس.

  اقرأ أيضًا: مواقف وذكريات من حياة ماجدة الصباحي

معاناة مرضية

نجح جورج سيدهم في إضحاك الجمهور بأدواره المختلفة والمتنوعة؛ لكن بعد وفاة الضيف أحمد ومحاولته استمرار العمل المسرحي، سواء مع سمير غانم أو بمفرده، ورغبته في الحفاظ على بقاء مسرحه “الهوسابير” الذي تعرَّض إلى الاحتراق، خسر الراحل مدخراته؛ خصوصًا بعدما طلب الفنان سمير غانم إنهاء شراكتهما، حيث خضع لجراحة في القلب، ثم تراكمت عليه الديون التي حاول تسديدها؛ لكن الأزمات الصحية لاحقته، وجعلته يختفي من الوسط الفني بشكل كامل بسبب هذه المشكلات.

خلال الاحتفال بعيد ميلاده قبل عدة سنوات

وعلى الرغم من غيابه؛ فإن أصدقاء الراحل كانوا يحرصون على زيارته والتواصل معه. بينما كان آخر ظهور فني له في أثناء مشاركته في إعلان قبل عدة سنوات مع مجموعة من الفنانين.

مواقف في حياة جورج سيدهم  

  • دور وطني

كان جورج عضوًا في لجنة “الفن والمعركة” سنة 1967؛ حيث اشترك في زيارة الجبهة بسيناء، للتخفيف عن الجنود المصابين، وكانت هذه الزيارة تتم في “قصر العيني” للجنود المصابين؛ لدرجة أن جورج أُصيب بحالة نفسية سببها ما رآه من مآسي الجنود المصابين، بينما تبرع في أثناء حرب الاستنزاف بدخل يوم من المسرح للمجهود الحربي.

  • طلب من عبدالناصر

طلب جورج سيدهم من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، إضاءة شارع الكورنيش بالإسكندرية؛ حيث كان يعرض مسرحياته هناك والشوارع كانت تعاني الظلام، فطلب إضاءة الشوارع حتى يخفف على المواطنين من حالة الحزن التي عاشوها بعد نكسة 1967.

مع زوجته الدكتورة ليندا
  • شهر عسل في مصر

بعد زواجه من الدكتورة ليندا مكرم، حرص جورج سيدهم على قضاء شهر العسل في مدينتَي الأقصر وأسوان بمصر، واصطحب مرشدًا خاصًّا؛ لكي يتعرف على الحضارة المصرية القديمة، صحيح أنه من عشاق السفر؛ لكنه فضَّل قضاء شهر العسل في مصر، فكان دائمًا ما يعبِّر عن فخره بالانتماء للحضارة المصرية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة