الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

جودت سعيد.. غاندي سوريا الذي انتصر لإسلام بلا عنف

المفكر السوري البارز توفي في منفاه بإسطنبول، عن عمر ناهز 91 عاماً، بعد أكثر من 6 عقود من العمل على نشر نظرية "اللاعنف" في العالم الإسلامي.

كيوبوست

يلقبه مَن حوله بـ”غاندي السوري”؛ لكنه حتماً أقل شهرة من سلفه الهندي، الرجل البالغ من العمر تسعين عاماً شكَّل مصدر إلهام لبعض اللجان المحلية للثورة السورية في عام 2011. عندما نطالع على الإنترنت، لا توجد مقالات كثيرة حوله، بينما نعثر على عدد قليل من مقاطع الفيديو التي شوهد فيها وهو يعظ على المنصات أو في الفصول الدراسية المتواضعة مرتدياً  قبعة الفراء الخاصة به، أو وهو يقود جراراً زراعياً قديماً في شوارع مسقط رأسه في الجولان السوري.

ولد سعيد ذو الأصول الشركسية في قرية بئر عجم التابعة للجولان السوري عام 1931م. وهو مفكر إسلامي معاصر، ويعتبر في خطه امتداداً لمدرسة المفكرَين الإسلاميَّين الكبيرَين، مالك بن نبي، ومن قبله محمد إقبال.

اقرأ أيضًا: وحيد حامد.. رحيل مبدع ترك بصمة في مواجهة الإرهاب والتطرف

يعرف جودت سعيد نفسه بأنه داعية اللا عنف في العالم الإسلامي، منذ أن نشر في منتصف الستينيات كتابه الأول «مذهب ابن آدم الأول، أو مشكلة العنف في العمل الإسلامي»، والذي يناقش مبدأ اللا عنف وعلاقته الجذرية بالإسلام. جاء ذلك بعد دراسته في الأزهر في القاهرة وعودته إلى سوريا لأداء خدمته العسكرية؛ حيث اضطر أحياناً إلى مواجهة رؤسائه، الأمر الذي اقتاده إلى السجن في مرات عدة، وعلى عكس الإسلامي المصري ومنظر الجهاد سيد قطب، والذي كان اسمه رائجاً في ذلك الوقت، دافع سعيد في كتاباته عن مبدأ اللا عنف ووقف سفك الدماء باسم الدين.

جودت سعيد رفقة مالك بن نبي- أرشيف

دروس التاريخ

بعد أن أصبح عاطلاً عن العمل، اتجه سعيد للعمل مزارعاً ومربياً للنحل في قريته؛ لكنه سيواصل بالتوازي إلقاء المحاضرات وتقديم العظات، في داخل سوريا وخارجها، وصولاً إلى أوروبا أو الولايات المتحدة عند دعوته لذلك؛ حيث كان شغوفاً بالسعي للحوار مع العلماء الأكثر كلاسيكية وتشدداً، وفي عام 1972 زار المفكر الجزائري مالك بن نبي، دمشق، ووقع على مقدمة الكتاب الثاني لسعيد، والذي استوحى عنوانه من الآية الكريمة (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

اكتسب التاريخ بالنسبة إلى المفكر الإسلامي جودت سعيد، أهمية خاصة؛ بل اعتبره كمصدر وحي لا يقل أهمية عن القرآن، لذلك كان يصر دائماً على تفسير الآيات القرآنية؛ ليس فقط في سياقها الديني، ولكن أيضاً في سياقها التاريخي.

اقرأ أيضاً: هل يحتاج الناس إلى الدين والفلسفة؟

شبهه الكثير من الباحثين بالأب الإيطالي باولو داليلو (المختفي منذ عام 2013 بعد أن اختطفته جماعة مسلحة تنضوي تحت لواء تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا).. عرف الرجلان بعضهما البعض؛ لأن جودت سعيد، مثل الكثير من المثقفين السوريين، كان يتردد على دير مار موسى الذي أنشأه الأب باولو؛ ليكون مقراً لانطلاق الحوار المسيحي- الإسلامي؛ ليس في سوريا فحسب بل في المنطقة برمتها.

من إحدى مقابلاته التليفزيونية الأخيرة إبان الثورة السورية- وكالات

تكمن قوة فكر سعيد في اعتماده على روح الدين الإسلامي في التفسير ، فهو لا يستند إلى كتابات غاندي أو إلى علوم الإسلام التي نشأت في الغرب. ورغم أن العديد من الباحثين المسلمين قد تطرقوا إلى موضوع اللا عنف؛ فإنه أكثر مَن تمكن من إضفاء الشرعية العقائدية على تلك الأفكار.

لم يتخلَّ سعيد عن أفكاره اللا عنفية حتى عندما اندلعت الثورة السورية عام 2011، وظل الرجل العجوز مخلصاً لمبادئه، مقتنعاً أن “عنف التظاهرات سيمنح النظام ذريعة لممارسة عنف مضاد، وفي النهاية خلق حالة من الفوضى بين الضحايا والجلادين؛ وهذا ما حدث”.

في النهاية، تم استدعاؤه من قِبل المخابرات السورية، وأُجبر على “مراجعة آرائه”؛ لكنه رفض ذلك مفضلاً السفر مع عائلته إلى تركيا، حيث لا يزال يعيش حتى اليوم، في ضواحي إسطنبول. يقول عنه الأب الماروني فادي ضو، عندما التقاه في عام 2016: وجدتُ شيخاً مسالماً ومبتسماً، عنيداً؛ لكن لديه ثقة لا تُقهر في مستقبل بلاده، هو بلا شك “قديس”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة