الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمقالات

جودة الحياة والاستراتيجية العمرانية في المملكة

فؤاد عسيري♦

لعلنا في هذا اليوم الوطني التسعين، أن نستعرض الإنجازات الوطنية خلال السنوات القليلة الماضية في ما يتعلق بالتخطيط الحضري؛ سواء على المستوى الهيكلي للجهات المسؤولة عن تخطيط المدن، أو على المستوى التشريعي، أو حتى مستوى المبادرات والمشروعات الكبيرة.

قد تكون البداية الأهم هي المنجز الكبير الذي يقر بضرورة وأهمية التخطيط المحلي لكل منطقة أو مدينة؛ والذي يحقق الاحتياجات المحلية باقتدار أكثر.

تشهد السعودية نهضة في التخطيط

نرى ذلك في القرار السامي لمجلس الوزراء الصادر بتاريخ 21- 5- 2018، بالموافقة على تنظيم هيئات تطوير المناطق والمدن، ويشمل ذلك اللائحة المالية واللائحة الإدارية، كما أن القرار يمنح كل هيئة الاستقلالية المالية والإدارية والشخصية الاعتبارية؛ لتمارس مهامها من تخطيط وتطوير شامل للمنطقة في المجالات العمرانية والسكانية والاقتصادية والتنموية والثقافية والبيئية والنقل والبنية التحتية، ورسم السياسات العامة لتطوير المنطقة، والعديد من المهام الأخرى؛ مما يعطي تلك الهيئات المرونة والاستجابة السريعة لتلبية الاحتياجات والمتغيرات المتسارعة، مما يشكل لبنة قوية صلبة في هيكل الجهات المنوط بها تطوير المناطق.

ننتقل إلى برنامج جودة الحياة كإحدى الوسائل المهمة لتفعيل أهداف رؤية 2030؛ حيث يركز البرنامج على رفع جودة الحياة بمفهومها الشامل في مدن وبلدات السعودية، سواء من حيث تطوير نمط حياة الفرد أو تحسين جودة الحياة، والذي يحدد مؤشرات قابلة للقياس؛ حتى تتم مراقبة الإنجاز في كل بند من بنود برنامج جودة الحياة، أو حتى مشروعات الجهات الأخرى.

 اقرأ أيضًا: 90 عاماً.. السعودية ملحمة التأسيس ورؤية 2030 المستقبلية

مفاهيم قابلية العيش مضمَّنة أيضاً في البرنامج، ولها مؤشرات أيضاً قابلة للقياس.

الاستراتيجية العمرانية الوطنية أيضاً استراتيجية مهمة لتوجيه التنمية المكانية على كامل السعودية، والتي أعدتها وزارة الشؤون البلدية والقروية بمشاركة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “UN-HABITAT”؛ والتي تم تحديثها مؤخراً. والاستراتيجة تمثل المستوى الأعلى الوطني في التخطيط العمراني الذي يعتمد على تكامل المستويات كافة؛ سواء أكان مستوى وطنياً أم إقليمياً أم محلياً، من أجل معرفة وترسيخ السبل لكيفية استيعاب الزيادات السكانية المتوقعة على الامتداد الجغرافي.

تستوعب خطط التوسعة الزيادة السكانية المحتملة

وتركز الاستراتيجية على تحقيق التوزيع وتوازن السكان وتجنب النتائج السلبية للهجرة المتزايدة للمدن الكبرى، والاستغلال الأمثل للتجهيزات الأساسية والمرافق العامة القائمة، وكذلك العمل على تنويع القاعدة الاقتصادية لمختلف المناطق وفقاً للإمكانات والموارد والمميزات التنافسية لكل منها.

وفي شق آخر مكمل للاستراتيجية العمرانية الوطنية، يجري حالياً عمل دراسات لمشروع الجسر البري الذي يربط قطار الدمام- الرياض مع المنقطة الغربية، ليكون معبراً رئيسياً للمسافرين والتجارة بين الشرق والغرب، وليربط بين 70% من سكان السعودية.

اقرأ أيضًا: القيادة القوية ضرورية الآن أكثر من أي وقت مضى

قطار الشمال يعد مفخرة أخرى؛ فهو يربط “وعد الشمال” بما فيها من ثروات بموانئ التصدير على الخليج العربي.

مركز لتطوير التصميم والتخطيط ‏الحضري للمدن السعودية في وزارة البلدية والقروية أيضاً يعد خطوة مهمة؛ إذ إنه يهتم برفع مستوى أدلة التصميم الحضري للمدن السعودية، لتتفق مع المعايير العالمية والمهنية؛ مثل مواصفات الشوارع وممرات المشاة والساحات العامة والمواقع السليمة للتشجير وزيادة عوامل الوصولية الشاملة.. وغيرها من المهام.

امتد التخطيط العمراني لمختلف أنحاء المملكة

أمانات عديدة وبلديات فرعية تقدم مبادرات ومسابقات لتطوير بعض المواقع بناء على المتطلبات الحديثة للأنسنة؛ وهذه خطوات تبشر بتغيُّر كبير مستقبلاً وتدل على نية وتوجه للخروج من التوجهات التقليدية لإدارة المدن.

في المدينة المنورة، هناك مشروعات عديدة في المنطقة المركزية؛ ومهما يكن فيها من أوجه نقص في بعض جوانبها، إلا أن العمل على تعديلها ما زال مستمراً.

كذلك في مدن أخرى؛ مثل أبها، ما زال مشروع وسط أبها في طور الإعداد والتخطيط، والذي من المتوقع أن يحول المنطقة المركزية إلى منطقة مؤنسنة جاذبة للسياحة والاستثمارات.

 اقرأ أيضًا: الأمل والتفاؤل

أمانة الدمام أيضاً لديها مشروعات مشابهة لبعض الأحياء في وسط المدينة؛ لإعادة النشاط التجاري والاجتماعي بصورة حديثة. هناك مشروعات أخرى في بعض المناطق الريفية السياحية تهدف إلى تحقيق نوع من التنمية الريفية وبالأخص تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة عن طريق محفزات وصلاحيات واسعة في التخطيط. مشروع قطار الرياض يعد نقلة كبيرة نحو تقليل تبعات الاعتماد الكلي على السيارات في مدينة مليونية، ومن المؤمل أن تكتمل العناصر الأخرى العمرانية التي تجعله يعمل بكفاءة ويحقق الأهداف المتوقعة منه، كما أنه من المؤمل أن تتوسع الفكرة إلى مناطق أخرى؛ فهي حاجة ملحة هي الأخرى لمشروعات مماثلة، لأن النقل العام عامل حاسم لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وبيئية.

اهتمام وزارة الثقافة أيضاً بمجال التخطيط والتصميم الحضري أمر بالغ الأهمية؛ فقد أدرجت في برنامجها الحديث للابتعاث تخصصات متعلقة بالتخطيط والتصميم الحضري، وخصصت لذلك أرقى الجامعات في أوروبا وأمريكا للطلبة المرشحين للبرنامج.

تشهد الطرق أعمال انشائية مكثفة

نستطيع القول إن الهياكل المحفزة للتخطيط الحديث للمدن تشكلت وما زالت في طور التحديث؛ لتأخذ بعداً محلياً أكثر، وكذلك تطوير التشريعات الرئيسية العامة في طور الاكتمال، بالإضافة إلى برامج تهيئة الكوادر البشرية لذلك.

وذلك أول الطريق فقط، وما زال طويلاً؛ ولكن فترة الإعداد الهيكلي والتشريعي تعد خطوة رئيسية مهمة قبل مواصلة العمل في المراحل اللاحقة، ومن المهم ذكر أن حتى مراحل الإعداد الهيكلي والتشريعي تتطلب هي الأخرى مراجعة وتحديثاً مستمراً لتواكب المتغيرات المستجدة وتعديل ما لا يتناسب مع الواقع أثناء مراحل التخطيط المحلي والتصميم والتنفيذ.

♦كاتب سعودي ومخطط حضري

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة