الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

جمال الأنوثة وذكريات الحروب والموت وراء زهرة “الساكورا” في اليابان

كيوبوست

مع بداية فصل الربيع من كل سنة، تتفتح زهرة الساكورا أو زهرة أشجار الكرز، في عدة دول آسيوية؛ كاليابان والصين والكوريتَين، لكنها تحتل مكانة خاصة في الثقافة اليابانية، على وجه التحديد؛ إذ تعتبر رمزاً وطنياً يحتفل به اليابانيون ضمن احتفال يُسمى “هانامي”.

والساكورا هي زهرة أشجار الكرز الموسمية، ذات لون وردي فاتح جداً وبتلات رقيقة للغاية؛ ما يوحي بنعومة فائقة، وتتعدى أنواعها الـ600 نوع، حسب شجرة الكرز التي تنمو عليها؛ لكن أكثرها شيوعاً زهرة سومي يوشينو. وبالنظر إلى رقتها ترمز الساكورا إلى الجمال والأنوثة؛ ففي اليابان يستخدم اسمها للمواليد الإناث، لكن رمزيتها تتجاوز الجمال، وتحاول طرح تفسير فلسفي للحياة.

اقرأ أيضاً: لكل زهرة حكاية.. تعرَّفوا عليها.. صباح الورد

دلالات رمزية

تختفي زهرة ساكورا سريعاً؛ فبعد أسبوع من تفتحها تتساقط، لكن حتى عند تساقطها تخلِّف أثراً جميلاً؛ إذ تفترش بتلاتها الأرض، صانعة من نفسها سجادة وردية، ونتيجة لقصر عمرها ترتبط بفكرة فناء الحياة والزوال السريع للجمال، وتعبر عن الاستعداد للقدر المحتوم المتمثل في الموت، وتشجع تلك الرمزية المرتبطة بالدرجة الأولى بقناعات بوذية، على اليقظة للحاضر والاستمتاع بالحياة والنعم كالعائلة والأصدقاء والصحة؛ لكونها قابلة للانتهاء في أية لحظة.

شجرة زهرة الساكورا- Leung Chopan/Shutterstock نقلا عن daily hive

في المقابل تشير زهرة الساكورا أيضاً إلى البعث؛ لأنها تتفتح مع بداية الربيع، وهو فصل التجدد والتفاؤل، وخلاله كانت تبدأ السنة اليابانية، ومعها يزهر الأمل والأحلام والبدايات الجديدة. كما كان اليابانيون يعتقدون أنها تمثل النمو الزراعي، عندما كانوا يعبدون آلهة حقول الأرز، ويسافرون إلى الجبال لعبادة الأشجار في كل ربيع، ثم يزرعونها في المناطق المأهولة.

ذكريات الحرب

كثيراً ما يتم استخدام زهرة الساكورا في الأفلام اليابانية والأنمي والأغاني؛ لكنها أيضاً تذكر بالحرب، ففي الماضي استخدمت كأداة لتحفيز الشعب الياباني خلال الحرب العالمية الثانية؛ فقد جرى تشبيه المقاتلين الشباب بأزهار الساكورا، لدفعهم للتضحية بحياتهم كما زهرة الساكورا التي تواجه مصيرها وتبدأ بالتساقط.

زهرة الساكورا مرسومة على طائرة حربية يابانية- davidtitterington.medium

ولم تكن تلك الرمزية وليدة الحرب العالمية الثانية؛ بل استخدمت سابقاً للإشارة إلى المقاتلين الساموراي، وهم محاربو اليابان القدامى، الذين عاشوا حياتهم بناء على قانون يد بوشيدو (أو طريق المحارب) الذي يتضمن فضائل كالاحترام والشرف والانضباط، وكان من واجبهم إلى جانب التمسك بتلك الفضائل، تقدير حتمية الموت دون خوف في المعركة؛ إذ كان يُعتقد أن سقوط زهرة الساكورا هو تمثيل لنهاية حياة الساموراي القصيرة.

وخلال الحرب العالمية الثانية، رافقت أزهار الساكورا الطيارين اليابانيين في عملياتهم العسكرية، فقد رسموها على جوانب طائراتهم الحربية، وقاذفات القنابل، وكانوا يأخذون معهم أغصان أشجار الكرز، بينما روجت الإمبراطورية اليابانية للاعتقاد بأن المحاربين الذين قتلوا في المعارك دفاعاً عن الوطن، تتجسد أرواحهم في أزهار الكرز.

اقرأ أيضاً: كيف نظرت الثقافات القديمة إلى الموت؟

الاحتفال بالساكورا

نظراً للمكانة التي تحظى بها زهرة الساكورا في الذاكرة اليابانية، يحتفل بها اليابانيون سنوياً ضمن مهرجان يسمى “هانامي” الذي يعني “مشاهدة الأزهار”، والمقصود هنا مشاهدة أزهار الساكورا تحديداً؛ وهو تقليد بدأ منذ عام 710م.

ويشبه الهانامي نزهة في حديقة؛ إذ يذهب اليابانيون مع عائلتهم أو الأصدقاء إلى أماكن وجود أشجار الكرز، ويفترشون الأرض تحت واحدة من تلك الأشجار؛ لمشاهدة غيوم زهر وردية، ويتناولون الطعام والشراب.

جانب من احتفال هانامي في اليابان- modernreston

ويكون الاحتفال مثالياً إذا وجدت كل مجموعة مكاناً مميزاً للجلوس فيه، كموقع أثري أو ديني، علماً بأن أيام الاحتفال تتسم بالازدحام؛ فعليهم (المحتفلون) أن يكافحوا ليجدوا مكاناً فارغاً، لذلك يقوم البعض بحجز مكان مسبقاً في إحدى الحدائق.

وللهانامي شروط ومعايير يجب الالتزام بها، تشمل العناية بالأشجار والأغصان والأزهار وعدم قطفها والتسلّق عليها، وترك المكان نظيفاً، لدرجة أن بعض الحدائق لا تحتوي على سلّات قمامة؛ ما يعني أنه على المحتفلين أخذ قمامتهم إلى منازلهم.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة