الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

جزيرة سقطرى اليمنية.. شح الإنتاج الزراعي يهدد السكان

تحاول جهات دولية عدة وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة دعم جهود الجهات القائمة على قطاع الزراعة في الجزيرة عبر الاستثمار في البنية التحتية

كيوبوست – منير بن وبر

لأربعة أشهر على الأقل من كل عام، تنغلق جزيرة سقطرى عن العالم وتعود إلى عزلتها؛ الأمر الذي يتسبب في حرمان السكان من الكثير من المنتجات الزراعية والغذاء المستورد من البر اليمني. حتى صيد الأسماك، الذي يشكل أهمية كبرى في تحقيق الأمن الغذائي، يصبح مستحيلاً خلال تلك الفترة، والتي تمتد من شهر يونيو إلى أواخر أغسطس.

تضرب الرياح الموسمية أرخبيل محافظة سقطرى، جنوب اليمن، سنوياً؛ جاعلةً السفر بحراً إلى الجزيرة في غاية الصعوبة والخطورة. يعتمد الأرخبيل على الغذاء المستورد لتلبية احتياجات السكان، وهناك حاجة مُلحة لتشجيع الإنتاج في قطاع الزراعة لتغطية جانب معقول من تلك الاحتياجات، وذلك حسب ما أفاد مدير مكتب الزراعة والري بمديرية حديبو، عاصمة محافظة سقطرى، عبدالباسط غانم، في مقابلة خاصة أجراها معه “كيوبوست”.

اقرأ أيضاً: سقطرى.. جزيرة ساحرة ولغة فريدة في اليمن

على الرغم من شهرة جزيرة سقطرى بتفردها، ووجود الكثير من النباتات التي لا توجد في أية بقعة سواها؛ فإن الأرخبيل، المكون من أربع جُزر، لا يعد من المناطق المنتجة زراعياً في اليمن، كالحديدة أو مأرب أو حضرموت مثلاً. ومع ذلك، هناك توجه مدفوع بالحاجة الشديدة إلى تنمية قطاع الزراعة بالمحافظة، وهو توجه تقود جانباً منه دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي قدمت ما لا يقل عن 110 ملايين دولار من المساعدات المتنوعة للمحافظة؛ بما في ذلك قطاع الزراعة.

يُعد القطاع الزراعي حيوياً لتنمية البلدان الأقل نمواً، كاليمن. من خلال الاستثمار والدعم المناسبَين، يمكن للقطاع الزراعي أن يخلق فرص عمل ويحد من الفقر ويحسن الأمن الغذائي؛ الأمر الذي ينعكس إيجاباً على تعزيز فرص السلام في البلدان التي تشهد صراعاً أو عدم استقرار سياسي.

ومع ذلك، فإن القطاع الزراعي في العديد من البلدان الأقل نمواً يواجه عدداً من التحديات، وغالباً ما يُوصف بأنه متخلف. وتشمل هذه التحديات: عدم القدرة على الوصول إلى الأراضي والمياه والموارد الأخرى، وضعف البنية التحتية، والوصول المحدود إلى الأسواق، ونقص المساعدة الفنية والمالية.

 للتغلب على مثل تلك التحديات، تحتاج جزيرة سقطرى، كغيرها من البلدان الأقل نمواً، إلى دعم المجتمع الدولي. ويشمل ذلك الاستثمار في البنية التحتية والمساعدة الفنية وبناء القدرات.

رعي الأغنام على مرتفعات سقطرى- منير بن وبر

قطاع صغير لكنه مهم

في تصريح لـ”كيوبوست”، أشار مدير مكتب الزراعة والري بمديرية حديبو، عبدالباسط غانم، إلى أن قطاع الزراعة ليس كبيراً، إلا أنه مع ذلك مهم جداً في توفير احتياجات السكان في موسم إغلاق الجزيرة السنوي، أو ما يُعرف بموسم الخريف. وحسب غانم، فإن الزراعة في سقطرى غالباً ما تُمارس كهواية من قِبل السيدات في أفنية المنازل.

عبدالباسط غانم

خلال موسم الخريف هذا العام، على سبيل المثال، شهدت السوق المحلية في سقطرى شحاً شديداً لبعض أنواع المنتجات الزراعية. يقول عبدالباسط غانم: “قبل نحو شهر، لم نحصل على البصل أو البطاطس في السوق المحلية لأكثر من نحو أسبوعَين؛ لذلك هناك حاجة إلى تدخل مدروس لتنمية قطاع الزراعة”.

وعلى الرغم من صِغر قطاع الزراعة في سقطرى؛ فإن كثيراً من الأفراد والأُسر بدؤوا يدركون بشكل متزايد أهمية الاعتناء بالزراعة. يقول عبدالباسط غانم: “في الوقت الحالي، يمارس أغلب السكان الزراعة كهواية؛ لكن يوجد آخرون أدركوا أهمية هذا القطاع وأهمية الاستفادة منه، سواء للإنتاج من أجل الاستهلاك العائلي أو الإنتاج بغرض الحصول على الدخل، وهو توجه استفادت منه العديد من الأُسر”.

مساعدات إماراتية

ضمن جهودها لتطبيع الحياة في اليمن، وتنمية ما أمكن من القطاعات الحيوية، قدمت دولة الإمارات مساعدات بلغت قيمتها 110 ملايين دولار لمحافظة سقطرى خلال الفترة من 2015 إلى 2021. غطت المساعدات قطاعات مختلفة منها الزراعة؛ حيث تم إنشاء مزارع بإجمالي 31 هكتاراً، وتدريب المزارعين، وإنشاء مشتل لإنتاج أشتال الخضار ومشتل للفاكهة؛ لتوزيعها على المهتمين من المزارعين.

شاهد أيضاً: فيديوغراف.. 110 ملايين دولار أمريكي دعماً إماراتياً لجزيرة سقطرى

تعتبر زراعة النخيل من أهم مصادر الدخل لسكان جزيرة سقطرى، وتُشتهر مناطق في سقطرى دون غيرها بزراعة النخيل؛ مثل مديرية قلنسية. كان لزراعة النخيل اهتمام خاص؛ حيث أسهمت مؤسسة خليفة للأعمال الإنسانية في دعم المزارعين باللقاح، وافتتحت أول مصنع للتمور في الأرخبيل، ويتم شراء المنتجات من قِبل المؤسسة وتوزيعها في الجانب الإغاثي.

ووفقاً لعبدالباسط غانم، يُعد الدخن والطماطم والفجل والبصل والبطاطا الحلوة من بين المحاصيل الشائعة في سقطرى. يُعد الدخن، مثلاً، من المنتجات الزراعية التي تدخل في تكوين بعض الأكلات الشعبية في الجزيرة؛ الأمر الذي يعطي هذا المنتج قيمة ثقافية إضافة إلى قيمته كمنتج، حيث يُصدر الدخن أيضاً إلى دولة الإمارات من قِبل بعض العائلات السقطرية.

تحديات وصعوبات

وفقاً لعبدالباسط غانم، هناك صعوبات تواجه قطاع الزراعة في سقطرى؛ مثل شحة المياه وتكلفة الري العالية نتيجة غلاء الوقود. من جانب آخر، فإن استخدام المبيدات الكيماوية في الزراعة في سقطرى ممنوع؛ كون الأرخبيل يعد محمية طبيعية. لذلك، من المهم الحرص على استخدام المبيدات والأسمدة الملائمة التي لا تضر البيئة الفريدة في الأرخبيل.   

وحسب غانم، هناك حاجة إلى إجراء دراسة لمعرفة القدرات الإنتاجية الزراعية الحالية في المحافظة، ومعرفة احتياجات السوق المحلية؛ وذلك لتحديد حجم الاستثمارات أو المساعدات اللازمة في قطاع الزراعة، واقتراح الخطط الملائمة.

طفلان في مرتفعات جزيرة سقطرى.. وتظهر في الخلفية أشجار “دم الأخوين”- تصوير أحمد باعيسى

يدعو غانم أيضاً إلى إشراك السلطات المحلية، وفي مقدمتها مكتب الزراعة والري، في جهود المنظمات الداعمة لتقديم أفضل الدراسات واقتراح أنجح الطرق الممكنة لدعم قطاع الزراعة وتوجيه الموارد. وعلى الرغم من تثمين المكتب جهود دولة الإمارات في هذا الجانب؛ فإن تفعيل وتعاون ودعم مكتب الزراعة والري سيضيف المزيد من المنافع للقطاع. 

بالإضافة إلى كل ذلك، هناك حاجة إلى إجراء دراسات لإنشاء سدود للاستفادة من مياه الأمطار الموسمية. وكما يؤكد غانم “إذا وجدت السدود فستُحل مشكلة شحة المياه في بعض الأماكن”.

يشدد غانم أيضاً على ضرورة دعم القطاع بالبيوت البلاستيكية، التي تُسهم بشكل فعال في ترشيد مياه الري، والحصول على منتجات زراعية حتى في غير موسمها، إضافة إلى جودة المحصول.

استراتيجيات مهمة

يواجه القطاع الزراعي في سقطرى، واليمن عموماً، العديد من التحديات. ولكن مع وضع الاستراتيجيات الصحيحة، يمكن أن يكون قطاع الزراعة محركاً رئيساً للنمو الاقتصادي والتنمية.

اقرأ أيضاً: فشل تمديد الهدنة في اليمن: الأسباب والنتائج المحتملة

هناك بعض الاستراتيجيات الرئيسة التي يمكن أن تساعد في تحفيز التنمية الزراعية، بمساعدة السلطات المحلية والدول والجهات الداعمة. من بين الاستراتيجيات التي أُثبت نجاحها عموماً في العديد من البلدان الأقل نمواً: الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا، وهذا يشمل كل شيء؛ من الطرق ومرافق التخزين إلى أنظمة الري والآلات الزراعية. يُعد التركيز على زيادة الإنتاجية الزراعية مهماً أيضاً، وذلك من خلال القيام بمبادرات تشمل برامج التدريب للمزارعين، والخدمات الإرشادية، والبحث والتطوير. كما يجب توفير بيئة مواتية لازدهار القطاع الخاص في مجال الزراعة.

ولا ينبغي أن يكون الاستثمار في القطاع الزراعي ضخماً دائماً؛ فكما ينصح خبراء التنمية، تشمل أفضل الاستراتيجيات لتطوير القطاع الزراعي في أقل البلدان نمواً الاستثمار في صغار المزارعين، ودعم النساء المزارعات، وتحسين الوصول إلى التمويل، وزيادة الوصول إلى الأسواق، وتحسين إدارة المياه.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة