الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

جدل يتجدد حول النفايات النووية الفرنسية في صحراء الجزائر

دعوات لفرنسا للكشف سريعاً عن خرائط النفايات النووية المدفونة في الصحراء الجزائرية.. ووضع حد لخطر يتهدد الأجيال الحالية والمستقبلية في جنوب الجزائر

الجزائر- علي ياحي

أعاد نداء أطلقته “الحملة الدولية لحظر الأسلحة النووية” ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا إلى نقطة الصفر، بعد أن دعا إلى “ممارسة ضغوط على فرنسا؛ بهدف دفعها لاستخراج النفايات الناتجة عن التفجيرات النووية التي تمت في الصحراء الجزائرية؛ ضماناً للسلامة الصحية للأجيال الحالية والمستقبلية والحفاظ على البيئة”.

وقالت منظمة “أيكان”، التي تضم نحو 570 منظمة غير حكومية من 105 دول: “إن الماضي النووي لفرنسا لا ينبغي أن يظل مدفوناً تحت الرمال؛ فقد حان الوقت للكشف عن النفايات الناجمة عن التجارب النووية التي أجرتها فرنسا بين عامي 1960 و1966 في الصحراء؛ وذلك من أجل ضمان الأمن والسلامة الصحية للأجيال الحالية والمستقبلية”، مضيفةً، في طلب حمل عنوان “تحت الرمال نشاط إشعاعي.. نفايات التجارب النووية الفرنسية في الجزائر”، أن الكشف عن هذه النفايات “سيسمح بالحفاظ على البيئة؛ ولكن أيضاً بفتح عهد جديد من العلاقات بين الجزائر وفرنسا”.

أحد مواقع التفجيرات النووية الفرنسية في صحراء الجزائر

وحسب مدير مرصد التسلح، باتريس بوفيري، والمتحدث باسم منظمة “أيكان” فرنسا، جون ماري كولين، فإنه بالنظر إلى عدد التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الجزائر من 1960 إلى 1966، وكذلك الحوادث الرئيسية التي وقعت؛ “فإننا لا نعلم أن الأجيال الحالية والمستقبلية وبيئة الجنوب الجزائري لا تزال عرضة للنفايات؛ خصوصاً المشعة منها، والموجودة في تلك المواقع”.

اقرأ أيضاً: بين فرنسا وتركيا.. أيهما تدعم الجزائر في ليبيا؟

نداءات مستمرة

وفي هذا السياق، يرى أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة تندوف- جنوب الجزائر؛ حبيب بريك الله، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية تصر، وبكل حزم، على أن تقدِّم فرنسا للسلطات الجزائرية قائمة كاملة بالمواقع التي دفنت فيها النفايات الملوثة؛ من أجل تسريع عملية التنظيف والإزالة لجميع الآثار المتبقية والمعدات المدفونة في الصحراء، قائلاً: هذه المطالب لم تكن حديثة النشأة مع ظهور هذه المنظمة التي تطالب بإلغاء الأسلحة النووية؛ بل سبقها الكثير من النداءات على المستويين الفردي والجماعي بضرورة تسوية هذا الملف ضمن ما يُعرف بملف الذاكرة الذي سعَت إليه أطرافٌ كثيرة، مشيراً إلى أن الحملة أحصت ما يفوق 52 تفجيراً وتجربة نووية متفاوتة الخطورة ضد الإنسان والبيئة بالجزائر؛ الأمر الذي جعلها تطالب الجهات الرسمية الفرنسية بتسريع عملية الكشف وتنظيف المواقع التي عرفت هذا الإشعاع النووي.

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة تندوف جنوب الجزائر- حبيب بريك الله

ويتابع بريك الله بأن التفاصيل التاريخية والسياسية للقضية يعملها الجميع؛ لكن تداعياتها تبرز ذلك الإصرار من الجانب الجزائري والمطالب الشعبية، نظراً لضخامة الخطر الذي ما زال مستمراً حتى الساعة؛ بدليل التشوهات الخلقية التي باتت سمة المواليد الجدد في المناطق التي عرفت التفجيرات النووية الفرنسية، إضافة إلى المعدلات الكبيرة من الأورام الخبيثة والتعقيدات الجينية المختلفة، موضحاً أن المواد التي استخدمتها فرنسا في تجاربها النووية كان أغلبها من مادتَي “البلوتونيوم” الذي يوصف بأنه شديد الإشعاع، وكذا “اليورانيوم” التي يقر الخبراء أن إشعاعه يستمر إلى أكثر من 24 ألف سنة، موضحاً أن هناك أطرافاً فرنسية تسعى إلى زعزعة التقارب الفرنسي- الجزائري بخصوص ملف الذاكرة؛ ومنها مسألة التفجيرات النووية، بحجة أنها تجارب نظيفة، وأنها مسألة احتكم فيها عامل الزمن وأصبحت قضية تاريخية من الماضي، غير أن الجزائر قطعت شوطاً كبيراً ومهماً في إقناع الطرف الآخر بضرورة تحمل المسؤولية والواجب الأخلاقي.

اقرأ أيضاً: إخوان الجزائر يناقضون سياسة بلدهم ويتدخلون في الشأن المصري

ونفَّذت فرنسا، خلال الفترة الممتدة بين 1960 و1966، سبعاً وخمسين تجربة نووية وانفجاراً، وهي 4 تفجيرات جوية، و13 تفجيراً تحت الأرض، و35 تجربة إضافية، و5 تجارب على “البلوتونيوم”، وكانت تجربتها النووية الأولى يوم 13 فبراير 1960، في منطقة “رقان” بالصحراء الجزائرية، وأطلقت عليها اسم “اليربوع الأزرق”؛ حيث تم تفجير قنبلة “بلوتونيوم” بقوة 70 كيلو طن؛ أي أقوى بثلاث إلى أربع مرات من قنبلة هيروشيما باليابان. قالت وثائق رُفعت عنها السرية في 2013: “إن أضرارها طالت غربَ إفريقيا بأسره وجنوب أوروبا”.

اقرأ أيضاً: خبير جزائري: علاقات مريبة جمعت “أوريدو” القطرية بسفارات دول على خلاف مع الجزائر

إخفاء الحقيقة

وفي حين تحاول جهات فرنسية إخفاء الحقائق وتجاوز الانتهاكات والجرائم، دعا النائب الفرنسي جون بول لوكوك، سلطات بلاده إلى الكشف سريعاً عن خرائط النفايات النووية التي دفنتها عمداً في الصحراء الجزائرية الناجمة عن 17 تجربة بين 1960 و1966، ووضع حد لخطر يتهدد الأجيال الحالية والمستقبلية في جنوب الجزائر، موضحاً في مساءلة برلمانية، أوائل الشهر الحالي، أن وزارة الجيوش يجب أن تنتبه إلى مسألة دفن النفايات الناجمة عن تجارب نووية جوية وتحت أرضية في صحراء الجزائر.

ولفت لوكوك إلى غياب معلومات دقيقة بشأن الكميات الكبيرة من النفايات النووية وغير النووية التي تركتها فرنسا، موضحاً أن معظم هذه النفايات تم دفنها عمداً في رمال المنطقة.

مساجين جزائريون اتخذتهم فرنسا “فئران تجارب”

وأكد وزير المجاهدين الجزائريين؛ الطيب زيتوني، في وقت سابق، أن مطلب تعويض ضحايا التفجيرات النووية مطلب رسمي ثابت للدولة الجزائرية، إلى جانب كونه مطلباً شعبياً لكل الجزائريين، واصفاً هذه التجارب بـ”الجريمة الاستدمارية ضد الإنسانية”، مشدداً على أن خطة عمل الحكومة تتناول بصراحة ملف التفجيرات النووية الفرنسية بالجزائر، وهو من ضمن أربعة ملفات كبرى عالقة.

من جانبه، يعتقد الضابط السابق بالجيش الجزائري أحمد كروش، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن طلب الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية من فرنسا تنظيف الأماكن التي أجرت فيها التفجيرات النووية في ستينيات القرن الماضي، ليس تشويشاً على التقارب الجزائري- الفرنسي في ملف الذاكرة؛ لأن هذا الطلب هو من صلب المطالب الجزائرية، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، قائلاً: إن فرنسا لما قامت بالتفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية إنما ارتكبت “جرائم ضد الإنسانية وضد البيئة”، مشيراً إلى أن فرنسا وضعت عتاداً حربياً من كل الأنواع؛ من هياكل بوارج وطائرات وشاحنات، حتى تتمكن من متابعة تأثير التفجيرات.

أحمد كروش

ولفت كروش إلى أن تنظيف فرنسا أماكن التفجيرات هو واجبٌ أخلاقي وقانوني، وعليها تسليم الجزائر خرائط تأثير الإشعاعات النووية حسب المناطق، وكذلك الأماكن التي دفنت فيها النفايات النووية والعتاد المشع، موضحاً أن التقارب الجزائري- الفرنسي في مسألة الذاكرة يكون باعتراف فرنسا بجرائمها في الجزائر، وأن تسلِّم الأرشيفَ وكلَّ الخرائط للجزائر؛ “لذا أعتقد أن مطالبة الحملة فرنسا بالقيام بواجبها الأخلاقي والقانوني، لا يشوِّش على العلاقة الفرنسية- الجزائرية في مسائل الذاكرة”، ختم كروش.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة