الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمجتمع

جدل في تونس بعد صدور منشور حكومي يحظر “النقاب” في الأماكن الرسمية

كيوبوست-تونس

 على خلفية التفجيرات التي هزَّت وسط العاصمة التونسية نهاية الشهر الماضي، وقَّع أخيرًا رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد على منشور حكومي “يمنع كل شخص غير مكشوف الوجه من دخول مقرات الإدارات والمؤسسات والمنشآت العمومية، وذلك لدواعٍ أمنية”. ويأتي صدور المنشور الذي أشار إلى حُسن تطبيق إجراءات السلامة بمقرات الهياكل العمومية قبل حوالي ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات، وجاء فيه أنه “في إطار الحفاظ على الأمن العام وحُسن سير المرافق العمومية وضمان التطبيق الأمثل لمتطلبات السلامة، يتعيَّن اتخاذ الإجراءات الضرورية لمنع أي شخص غير مكشوف الوجه من دخول مقرات الهياكل العمومية”.

تعقيب على القرار بصوت “م. ش”، شابة تونسية منتقبة منذ 11 سنة

وعلى الرغم من عدم تقديم رئاسة الحكومة تفاصيل عن أسباب صدور المنشور؛ فإن أغلب المتابعين ربطوا بينه وبين التفجيرَين الإرهابيين اللذين شهدتهما العاصمة التونسية الأسبوع الماضي، وتواتر معطيات حول تعمُّد الإرهابي أيمن السميري، منفذ عملية حي الانطلاقة، التنقُّل بالنقاب؛ لإبعاد الشبهات عنه.

أثار القرار ردود فعل متباينة داخل المجتمع التونسي، وإن كان أغلبها مؤيدًا للقرار بشكل أو بآخر، حيث تعتبر تونس ثاني دولة عربية تطبق القرار في المؤسسات الرسمية بعدما طبقته الجزائر في أكتوبر الماضي.

وعنونت صحيفة “المغرب” اليومية المستقلة التونسية، بصفحتها الأولى، تعليقًا على القرار بعدد الأحد، قائلة: “ألم يحن بعد وقت منع النقاب نهائيًّا من الفضاء العام؟!”، وفي افتتاحية العدد التي كتبها زياد كريشان، بالصفحة الثالثة، وصف الكاتب تبرير حرية ارتداء النقاب بأنه نفاق فكري، مشيرًا إلى أنه على الرغم من كون تغطية الوجه عادة اجتماعية؛ فإنه في الوقت الحالي أصبح علامة انتماء أيديولوجي.

اقرأ أيضًا: مشروع قانون لمنع النقاب يجدد موجة الغضب في الجزائر

خطر الإرهاب

وترى المحامية ورئيسة لجنة الحريات والمساواة بالبرلمان التونسي بشرى بلحاج حميدة، أن هذا المنشور جاء ليؤكد أن النقاب لطالما مثَّل خطرًا على أمن تونس منذ سنوات، وهو ليس بالأمر المستجد.

وأضافت حميدة، في تصريح أدلت به إلى “كيوبوست”، أن هذا القرار مؤقت وظرفي، وهو أساسًا مرتبط بالوضع الأمني، وبالتالي فقد فرض نفسه، مشيرة إلى أنه من المؤكد أن الوحدات الأمنية تمتلك كل التفاصيل والمعلومات التي تؤكد أن النقاب أصبح وسيلة للإرهابيين من أجل التخفي والتمويه.

ودعا عدد من نواب البرلمان عقب صدور القرار إلى توسيع مجال هذا المنشور؛ ليشمل الفضاء العام، وتغيير صبغته من منشور إلى قانون يضبط العقوبات في صورة الإخلال به، مع ضرورة إصداره في شكل قانون يصادق عليه مجلس نواب الشعب.

وهنا تقول رئيسة لجنة الحريات والمساواة في البرلمان التونسي: “إن تثبيت هذا المنشور بقانون أو مدونة واضحة يعود إلى إرادة المشرِّع؛ فالبلاد تحتكم إلى دستور”، مضيفةً أن هذا الأمر مرتبط بالحريات الشخصية، وهو ما من شأنه أن يخلق كثيرًا من الجدل.

اقرأ أيضًا: كيف سبب حظر النقاب مشاكل عميقة في الدنمارك؟

دعوات سابقة

ألغت الحكومة الانتقالية مباشرةً بعد الثورة “المنشور 108” الذي يمنع ارتداء الحجاب داخل المؤسسات التابعة للدولة؛ من مدارس وجامعات ومستشفيات وإدارات، والذي كان قد أصدره الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة سنة 1981، وتواصل العمل به في عهد خلفه زين العابدين بن علي. وجاء إلغاء المنشور بعد تظاهر مئات من الإسلاميين أمام مقر وزارة الداخلية وسط العاصمة تونس؛ للمطالبة بإباحة الحجاب باعتباره “شرع الله”، وهو ما سهَّل الأمر إلى اختيار عدد مهم من التونسيات الحجاب الشرعي والنقاب؛ ما خلق جدلًا كبيرًا داخل المجتمع التونسي.

وعرفت الجامعة التونسية بعد ذلك حالة من الاحتقان والعنف توقفت إثرها الدروس فترة طويلة؛ لامتناع منتقبات عن كشف وجوههن للتعرُّف عليهن داخل الحرم الجامعي. وحاول حينها وزير التعليم العالي والقيادي في حركة النهضة الإسلامية المنصف بن سالم، تمرير مشروعات ثلاثة قوانين؛ يمنع أولها ارتداء النقاب بالجامعات منعًا تامًّا، ويسمح ثانيها بارتدائه من دون شروط، بينما يسمح المشروع الثالث بارتدائه بطريقة مقيدة؛ ككشف الوجه عند اجتياز الامتحانات وبقاعات الدرس. ولكن المجلس العلمي للجامعات التونسية رفض إصدار أي قانون يتعلق بـ”ارتداء النقاب داخل المؤسسات الجامعية”، مشددًا على أن “ارتداء النقاب ظاهرة لا تليق بصورة تونس وجامعتها”.

كما سبق أن أصدرت وزارة شؤون المرأة والأسرة التونسية في شهر مايو عام 2015، حظرًا على ارتداء النقاب في مدارس الأطفال والنوادي الثقافية التابعة لها؛ حيث انتشرت ظاهرة ارتداء النقاب في المؤسسات التعليمية في تونس بعد أن امتدت التيارات السلفية، ليشمل عددًا من مدارس الأطفال أين لوحظ ارتداء فتيات لا تتجاوز سنهن الأعوام العشرة للنقاب؛ ما أثار جدلًا  في تونس حول مدى احترام الدولة حقوق الطفل.

الأمن أم الحرية الشخصية

وأخيرًا، انطلق الجدل حول المسألة مع إصدار المنشور الحكومي المتزامن أيضًا مع تصاعد المخاطر أكثر من مرة، واختلطت فيها الدواعي الأمنية بالحريات الشخصية التي يكفلها الدستور التونسي.

تقول “م. ش”، شابة تونسية منتقبة منذ 11 سنة: “إن قرار منع لبس النقاب الصادر عن رئاسة الحكومة لم يفاجئها بالمرة، وكانت تتوقعه بحكم الوضع الأمني الذي تعيش على وقعه البلاد التونسية في الآونة الأخيرة”. وتضيف في حديث خاص أدلت به إلى “كيوبوست”، أن لباس النقاب يبقى ضمن الحرية الشخصية للأفراد وكل منّا يختار اللباس الخاص به عن اقتناع أو بشروط من الزوج أو العائلة، لكنها لم تخفِ استعدادها للتخلي عن “النقاب” إذا اقتضى الأمر وأصبح يمثل مصدر إزعاج لها أو عائلتها.

وفي تعليق لها على القرار الحكومي الذي يقضي بالكشف عن الوجه عند ارتياد المؤسسات العمومية، قالت المتحدثة إن هذا الموقف ليس بالجديد فقد “سبق أن تعرضت لذلك في أكثر من مناسبة، وكنت أرفع النقاب وأكشف عن وجهي آليًّا؛ تجنبًا لتعطيل المصالح وتفاديًا للمشكلات”.

وفي المقابل، لم تتقبل مجموعة من الإسلاميين هذا المنشور؛ فقد هدَّد عادل العلمي، المحسوب على التيار السلفي، بأنه سيخوض جملة من التحركات الاعتراضية ضد القرار الحكومي القاضي بمنع النقاب في المؤسسات العمومية، مشددًا على أن “هذا القانون سيسقط كما سقطت قوانين سبقته، كلفنا ذلك ما كلف.. صبر ساعة وشتنقشع هذه الغمامة ولا يصح إلا الصحيح”.

وعدّ العلمي في مقطع فيديو نشره على حسابه الرسمي عبر موقع “فيسبوك”، أنه لا وجود لعلاقة بين الأمن القومي والنقاب، وأن هذا قانون ظالم، مشيرًا الى أن “منع النقاب بداية وسيمرون إلى منع الحجاب وربما الصلاة”، وَفق تعبيره.

اقرأ أيضًا: مشروع قرار مصري لحظر النقاب في الأماكن العامة.. ما رأي الشرع؟

كما عبَّر العلمي المحسوب على التيار السلفي عن رفضه تفسير ربط قرار منع النقاب في المقرات العامة بالأمن؛ واصفًا إياه بالقرار الباطل، ومحذرًا: “لو سكتنا عن منع النقاب سيمرون إلى منع الحجاب، فالثبات الثبات يرحمكن الله”.

الخبير القانوني التونسي والمستشار الدولي في الشؤون القانونية، محمد مزاح ، قال في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”: “إن القرار الحكومي جاء متأخرًا كثيرًا؛ خصوصًا في ظل العمليات الإرهابية التي تواجهها تونس خلال الفترة الحالية”، مشيرًا إلى أن التنظيمات الإرهابية تستخدم النقاب من أجل ضمان عدم ملاحقتها، وهو ما يظهر في استخدامه بالعمليات الانتحارية التي تُنفذ.

وأضاف مزاح أنه على الرغم من كون القرار يحظر ارتداء النقاب في المؤسسات الحكومية فقط؛ فإنه يجب تعميمه ليكون في جميع المواقع داخل الدولة التونسية، بما فيها الطائرات والشوارع؛ لأنه ليس من المقبول أن يكون هناك إنسان يسير في الأماكن العامة من دون أن يكشف عن هويته، موضحًا أن المجتمع التونسي لم يكن متزمتًا على مدى تاريخه، وهو من أكثر المجتمعات العربية التي دعمت حقوق المرأة.

ولفت الخبير القانوني التونسي إلى أن القرار لن يكون له تأثير على الواقع السياسي في تونس مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؛ خصوصًا في ظل تراجع تأييد التيار الإسلامي بشكل كبير، بالإضافة إلى المكانة المتميزة التي تحظى بها المرأة التونسية، والتي تشغل نحو 60% من “القضاة” بالدولة، وغيرها من المهن المهمة.

وشدد مزاح على أن وضعية الإسلام السياسي في تونس مختلفة بشكل كامل عن أية دولة عربية أخرى، والمجتمع التونسي في كل استحقاق انتخابي يزيد وعيه بضرورة عدم خلط الدين بالسياسة، موضحًا أن توقيت صدور القرار في الفترة الحالية بالقرب من الاستحقاقات الانتخابية لن يجعل هناك مناقشات مطولة بشأنه في البرلمان في ظل الاستعداد للانتخابات الجديدة.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة