الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون خليجية

جدل بعد إعلان تفاصيل تدشين أول مجلة للدراسات الفلسفية في السعودية

كيوبوست

أثار الإعلان عن تدشين “المجلة السعودية للدراسات الفلسفية”؛ باعتبارها أول مجلة سعودية محكمة مختصة بالفلسفة، حالة من الجدل في الأوساط السعودية مع غياب التمثيل السعودي في الهيئة الاستشارية للمجلة السعودية بشكل كبير؛ حيث وجد فيها من المملكة فقط الدكتور نادر الصمعاني، أستاذ الفلسفة في جامعة القصيم؛ ليكون السعودي الوحيد من أصل 11 شخصية تم اختيارها من عدة دول.

وبدأت المجلة في استقبال الأعمال اعتباراً من 21 مايو، وحتى الأول من أكتوبر؛ تمهيداً لإصدار العدد الأول من المجلة في فبراير- مارس 2021، على أن تستغرق عملية التحكيم من 30 إلى 60 يوماً من تاريخ استلام البحث.

اقرأ أيضًا: كيف نظر الفلاسفة القدماء إلى معنى الحياة، والهدف منها؟

المجلة منفصلة عن السياق الفلسفي السعودي المحلي؛ فهي ليست امتداداً لجامعة سعودية، ولا لجمعية فلسفية سعودية، ولا جماعة فلسفية أهلية، إنما استثمار مالي لمستثمر سعودي، حسب الأستاذ في الأصول الفلسفية للتربية بجامعة الملك سعود د.عبدالله المطيري، الذي يرى أن الحضور السعودي في المجلس الاستشاري يكاد يكون معدوماً.

د.عبدالله المطيري

يتحدث المطيري إلى “كيوبوست”، قائلاً: “البعض يعتقد أن هذا بسبب المعايير الأكاديمية، وبسبب عدم وجود تخصص الفلسفة في الجامعات السعودية، ولكن هذا غير صحيح لعدة أسباب؛ منها أن المجلة اختارت ضمن هيئتها الاستشارية أستاذاً غير سعودي متخصصاً في علوم اللغة، والجامعات السعودية مليئة بعلماء اللغة الكبار المتصلين بشكل كبير بالفلسفة. أذكر هنا، على سبيل المثال لا الحصر، الأكاديميين ميجان الرويلي وسعد البازعي وحمزة المزيني ومعجب الزهراني”.

وأضاف المطيري: “هناك سعوديون متخصصون في فروع فلسفية أساسية؛ مثل فلسفة الدين وفلسفة التربية والأنثروبولوجيا وفلسفة اللغة، لم تستفد منهم المجلة لا في هيئتها الاستشارية ولا التحريرية إلا في حدود اسم واحد، وأذكر في هذا السياق عالم الأنثروبولوجيا السعودي الدكتور سعد الصويان، والمفكر السعودي شايع الوقيان، صاحب ثلاثة كتب فلسفية”.

واعتبر المطيري أن المجلة في حلتها الحالية متخففة أصلاً من المعايير الأكاديمية؛ بدليل أنها تضم ضمن هيئتها الاستشارية دكتوراً بدرجة أستاذ مساعد، وكذلك فإن رئيسة تحرير المجلة لا تحمل شهادة الدكتوراه، وليست لديها شهادة علمية في الفلسفة، والأمر ذاته ينطبق على المشرف العام على المجلة، ومن ثمَّ يكون الشاهد هنا أن المعايير العلمية ليست حاجزاً حقيقياً دون تمثيل سعودي في المجلة، وبالتالي فلا يصح الاحتجاج بها على غياب التمثيل السعودي، بما يتوازى مع الوصف السعودي الذي تحمله المجلة.

اقرأ أيضًا: كيف نظر الفلاسفة القدماء إلى معنى الحياة، والهدف منها؟

واختتم الأستاذ في الأصول الفلسفية للتربية بجامعة الملك سعود، حديثه بالتأكيد أن المجلة في شكلها الحالي -وهذا لا يعبر بالضرورة عن نيَّات المستثمر السعودي فيها- تُبقي على الدور السعودي في المجال الفلسفي في حدود التلقي والاستقبال والقدرة السوقية، وتعزز الصورة النمطية القديمة بأن السعودية ليست إلا حقول نفط.

د.محمد شوقي الزين

أستاذ الفلسفة بجامعة تلمسان الدكتور الجزائري محمد شوقي الزين، عضو الهيئة الاستشارية، قال، في تعليقٍ لـ”كيوبوست”: “إنه ليست لديه خبرة كبيرة في كيفية إدارة المجلات، وغالباً ما يشغل دور عضو الهيئة العلمية في بعض المجلات؛ لكن لا يعرف بدقة سياسة المجلة، وما يعرفه فقط هو أن مدير المجلة أو رئيس التحرير يكون من دولة الإصدار، والهيئة الاستشارية والعلمية تكون من جنسيات متنوعة؛ بما في ذلك الأساتذة السعوديون”.

وفي ما يخص الموضوعات، قال الزين إنه من المفضل أن تكون لها علاقة بالمعطيات الراهنة؛ مثل مسائل الصحة والبيئة والاقتصاد والعولمة والمدينة والتواصل والإنسان والمجتمع والتراث والهوية والغيرية، دون الحجر بطبيعة الحال على الموضوعات النظرية الأخرى التي قد تكون أكثر أكاديمية وتجريداً، والتي تتناول آراء الفلاسفة عبر العصور.

وفي ما يخص الباحثين الذين يريدون النشر فيها، أكد الزين أن المجلة ستتبع نفس النظام المعمول به في المجلات المماثلة؛ بحيث ينبغي وضع إعلان للكتابة حول موضوع تختاره المجلة، وإعطاء مهلة للكتابة (مثلاً شهرين أو أكثر). ومع بداية الحصول على مقالات الباحثين، يتم توزيعها على الهيئة الاستشارية أو العلمية لتحكيمها. لذا، ينبغي تنويع أعضاء الهيئة بالمقارنة مع تخصصاتهم؛ ليتسنى لهم تحكيم دراسات الباحثين من تخصصات متنوعة، مشيراً إلى أن عدد أعضاء الهيئة يتراوح بين 10 و15 عضواً، ولا مانع في أن يكون العدد أكبر من ذلك.

اقرأ أيضًا: ماسينيون الفرنسي.. قرينُ الحلاج الصوفي والمعرفي!

وتصدر المجلة عن منصة “معنى” الثقافية المهتمة بالمعرفة والفنون، والتي انطلقت في مارس 2019؛ بهدف إثراء المحتوى العربي عبر الإنتاج الأصيل للمنصة وعبر الترجمة ونقل المعارف، ويديرها بدر الحمود، الذي حاولنا التواصل معه للتعقيب على سبب تدنِّي التمثيل السعودي بالمجلة الجديدة؛ لكنه لم يرد.

شايع الوقيان

وجود مجلة فلسفية سعودية خطوة عظيمة ولا شك؛ فالفكر الفلسفي غائب عن نظام التعليم السعودي، وشبه غائب عن المشهد الثقافي، حسب الفيلسوف السعودي شايع الوقيان، الذي يؤكد أنه خلال العقدين الأخيرين بدأ القارئ السعودي ينكب على الكتب الفلسفية، وتمخض هذا عن تأسيس أنشطة فكرية تعنى بالفلسفة، وأبرزها حلقة الرياض الفلسفية التي تأسست عام 2008.

وأضاف الوقيان: “سعدنا جداً بإنجازات منصة “معنى”؛ ولا سيما عنايتها بالترجمة، لكن صُدمنا من إصدار مجلة الدراسات الفلسفية السعودية؛ بسبب افتقارها شبه التام إلى أي مثقف وأكاديمي سعودي. وأقول إن هذه المجلة السعودية غير سعودية، ومما يؤسف له أن الأموال والجهود ستذهب لغير السعوديين. والسعوديون عانوا كثيراً غياب الفلسفة في التعليم، وكان ثمة أمل أن تنشط الفلسفة في الإعلام؛ لكن يبدو أن الوضع لا يزال مهيناً للمثقف والقارئ السعودي”.

واستطرد الوقيان قائلاً: “تجاهل المثقفين السعوديين يضع ألف علامة استفهام، كما أن بعض أعضاء لجنة التحكيم في المجلة ليسوا متخصصين في الفلسفة؛ بل في مجالات أخرى، والسعودي الوحيد الذي تم اختياره ليس له إنتاج يُذكر في الفكر الفلسفي، وهو غير معروف، ويبدو أن اختياره جاء بناء على علاقات شخصية”.

واختتم الفيلسوف السعودي حديثه، قائلاً: “عانينا في السعودية طويلاً من التعامل مع السعودي وكأنه فقط آلة صرافة، وليست له علاقة لا بفكر ولا أدب ولا إعلام! منذ الصحف اللندنية حتى القنوات الفضائية المملوكة لسعوديين ونحن نلاحظ غياباً للسعودي وحضوراً قوياً للخواجة؛ سواء العربي أو الغربي، لكن أن تأتي منصة سعودية وتتلقى دعماً مادياً من الحكومة، ثم تمارس نفس التجاهل والاحتقار؛ فهذه من النكبات التي تعودنا عليها، لكننا صدمنا بها؛ خصوصاً أن مشروع رؤية 2030 يراهن على السعودي وقدراته، وليس على الأجنبي فقط”.

تعزيز للحراك الفلسفي

ينظر الباحث السعودي المهتم بالفلسفة سليمان السلطان، إلى منصة “معنى” المصدرة للمجلة باعتبارها مفخرة من مفاخر الحراك الثقافي الفكري السعودي. ورغم حداثتها؛ فإنها استطاعت تقديم محتوى قيم وأطلقت مبادرة ترجمة مجلة “الفيلسوف الجديد” التي تقدم مقالات فلسفية مبسطة تناسب غير المتخصصين، لتعلن بعد ذلك عن أول دورية محكمة والتي تضم هيئة استشارية عالمية تحمل أسماء لامعة من فلاسفة الغرب، وهو إنجاز آخر للمنصة نتمنى أن يسهم في تعزيز الفلسفة.

وأضاف السلطان أن من مدعاة الفخر أن رئيسة التحرير هي سيدة سعودية؛ وهي الأستاذة سارة الراجحي، وكذلك أن الدكتور نادر الصمعاني من أحد أعضاء الهيئة الاستشارية، كشخص مهتم بالحراك الفلسفي؛ خصوصاً بالسعودية، وهو ما يسهم في تعزيز الحراك الفلسفي في السعودية، ويعكس هوية المجلة الوطنية إلى حد متقدم قياساً بالحالة الراهنة، ومن المأمول أن تتميز عن دونها من المجلات المحكمة الكثيرة العربية والعالمية في إحداث فرق كبير في شأن الثقافة السعودية بالتحديد.

ويرى السلطان أنه يمكن تحقيق ذلك بطريقة أمثل بأمرَين اثنين أساسيَّين؛ هما إشراك الكوادر السعودية الأكاديمية بشكل أوسع في هيئتيها الاستشارية والتحريرية، وتشجيع الباحثين السعوديين على الكتابة بها، والمساهمة في نشر أبحاثهم الفلسفية؛ بما في ذلك التي تتقاطع مع الشأن الفلسفي بصورة أو بأخرى، مثل الأبحاث التي تُنشر في أقسام العقائد أو الاجتماعيات واللسانيات في الجامعات المحلية؛ لأنها تنطوي على جوانب فلسفية مهمة، خصوصاً أن الفضاء الثقافي السعودي يعاني شحاً في دعم الحراك الفلسفي على الصعيد المؤسساتي.

اقرأ أيضًا: ترجمات: الرأسمالية والماركسية وجهًا لوجه

غضب مفهوم

د.فتحي المسكيني

أستاذ الفلسفة بجامعة تونس د.فتحي المسكيني، عضو الهيئة الاستشارية للمجلة، قال، في تعليق لـ”كيوبوست”، إن انضمامه إلى الهيئة جاء تشجيعاً للشباب؛ خصوصاً أنه من المهم أن يكون هناك مجلات فلسفية في الدول العربية التي ليس لديها إصدارات معنية بالفلسفة، مشيراً إلى أن مهمته الاستشارية لم تبدأ بعد، كما أنه لم يجتمع مع باقي الأسماء من أعضاء اللجنة حتى الآن.

وأضاف المسكيني أنه يتفهم استغراب الفلاسفة السعوديين عدم وجود تمثيل عادل لهم في المجلة؛ لكنه أمر لا يعرف تفاصيله، مشيراً إلى أنه يتحمس للمشاركة في الأعمال التي تضم مراجعات فكرية وفلسفية؛ نظراً للحاجة الكبيرة إلى دعم مثل هذه الإصدارات في الوقت الحالي.

وأشار عضو الهيئة الاستشارية للمجلة إلى أن الفلاسفة وجدوا في كل الحضارات ومارسوا عملهم؛ فالفلسفة يمكن أن تكون مفيدة دون أن تسبب إزعاجاً سياسياً أو أخلاقياً، لافتاً إلى أن المجتمعات الغربية لا تزال تنزعج من بعض الموضوعات التي تتطرق إليها الفلسفة، بينما في العالم العربي والإسلامي يتم التعامل مع الفلاسفة باعتبارهم معارضين، ويتم تصويرهم بهذا الأمر على الرغم من أنهم يدافعون عن مهنتهم؛ فالمشتغل بالفلسفة مثله مثل المشتغل بالسياسة.

 اقرأ أيضًا: ما الذي يجعل الأشياء مضحكة؟ علم النفس والفلسفة يجيبان

فرصة للإصدارات السعودية

د.بسام بركة

عضو الهيئة الاستشارية الدكتور بسام بركة، أستاذ علوم اللغة في الجامعة اللبنانية، ورئيس مجلس الأمناء في المنظمة العربية للترجمة (بيروت)، قال في تعليق لـ”كيوبوست”: إن انضمامه جاء بعد تواصل المشرف على المجلة الدكتور بدر الحمود معه، لافتاً إلى أنه شارك خلال السنوات الماضية في أكثر من فاعلية في عدة مدن في السعودية، ووجد فيها انفتاحاً علمياً كبيراً.

وأضاف بركة أن إصدار المجلة مبادرة طيبة تحتاج إليها المكتبة العربية، كما يحتاج إليها الباحثون والطلاب الجامعيون في العالم العربي، لذلك رأى أن المجلة ضرورة علمية وثقافية، وأنها ستكون فرصة حال توزيعها، وتمنى أن يكون انتشارها واسعاً يشمل كل العالم العربي، ولا يقتصر فقط على المملكة ودول الخليج العربي.

وقال بركة إن ما لاحظه من خلال زياراته المتكررة إلى الجامعات والمراكز الثقافية في المملكة هو نوعية الإصدارات الممتازة التي تنشرها؛ ولكنه أَسِف لانخفاض وتيرة توزيعها في الأسواق العربية، إن لم يكن غيابها عنها، مشيراً إلى أهمية أن توجد المجلة عند صدورها في كل الجامعات والمراكز الثقافية الموجودة في العالم العربي.

وأكد بركة أهمية أن يكون هناك مجال لمشاركة الباحثين والعلماء من سائر الدول العربية، مضيفاً أن في الجامعات السعودية الكثير من العلماء والمفكرين والباحثين الذين يجب على هذه المجلة أن تتضمن مشاركاتهم المباشرة فيها؛ بحيث يكون تمثيلهم في أعلى مستوى ممكن، وهذا أمر طبيعي؛ فالمجلة تصدر في رحاب المملكة وبتمويل سعودي.

اقرأ أيضًا: المغرب يلغي تدريس مادة الفلسفة: هل هي ضرورية حقًا؟

 ترجيحات بمشروع مفيد

الفيلسوف تيموثي ويليامسون

وطرح “كيوبوست” عدة أسئلة على الفيلسوف وأستاذ المنطق بجامعة أكسفورد؛ تيموثي ويليامسون، حول المحاذير الرقابية وآلية العمل بالهيئة، حيث أكد أنه طرح هذه الأمور على نفسه قبل الموافقة على المجلس الاستشاري للمجلة، وقام بالحديث مع منخرطين بالفلسفة في العالم العربي، ورجحوا أن يكون المشروع مفيداً للفلسفة في العالم العربي.

وأضاف ويليامسون أن انضمامه إلى المجلس الاستشاري حدث مؤخراً، وليست لديه خلفية عن ماذا سيحدث، معتبراً أنه من السابق لأوانه الحكم على المجلة بشكل صحيح.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة