الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

جدار برلين.. سقوط حصن قسَّم ألمانيا!

كيوبوست- مدى شلبك

لم تكن المفارقة الوحيدة في قصة ألمانيا الشرقية، التي كانت تقع تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي اسمها؛ “ألمانيا الديمقراطية”، وهي التي كانت تمنع سكانها قسرًا من مغادرتها عبر بناء جدار خرساني كان يفصل الجزء الشرقي من العاصمة الألمانية برلين عن جزئها الغربي، إنما أيضاً تصريح رئيسها “إريك هونيكر” بتاريخ 19 يناير 1989م، بأن جدار برلين “سيظل قائمًا مئة عام أخرى”، إلّا أن الجدار خذله وسقط في نفس العام في يوم 9 نوفمبر.

تقسيم ألمانيا

خرجت ألمانيا، الخصم الأبرز لدول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، مهزومة، ومع نهاية الحرب عام 1945م، جرى تقسيمها وعاصمتها برلين إلى أربعة أقسام بموجب اتفاقيات “يالطا” و”بوتسدام”، بين السوفييت والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا.

اقرأ أيضًا: سانت بطرسبرغ.. مدينة الثورات والحروب ودرة السياحة الروسية

وكانت العلاقات بين الاتحاد السوفييتي وباقي الحلفاء متوترة ابتداءً من عام 1942م؛ مع ظهور التباين الأيديولوجي بين الطرفين. وبلغ الصراع ذروته، عندما سعى الاتحاد السوفيتي لاقتلاع الوجود الغربي في برلين عام 1948م، عبر محاصرة الحلفاء هناك بغاية تجويعهم، لكن الولايات المتحدة زودت رعاياها بالمؤن والوقود جوًا، ضمن ما عرف بـ”جسر برلين الجوي”.

جدار برلين- NORBERT ENKER/LAIF/REDUX

وعندما ألغى الاتحاد السوفيتي الحصارَ عام 1949م، أصبح الصراع جليًا، وانقسمت ألمانيا بشكلٍ رسمي إلى دولتين: شرقية (جمهورية ألمانيا الديمقراطية) تابعة للاتحاد السوفييتي، وغربية (جمهورية ألمانيا الاتحادية) تابعة للغرب، وكان التقسيم بمثابة انعكاس للحرب الباردة بين المعسكرين؛ الاشتراكي بقياد السوفيت، والرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة.

بناء جدار برلين

شهدت ألمانيا الشرقية التي كانت تعاني من نظام حكم استبدادي وفقر واضطرابات حركة لجوء منها باتجاه ألمانيا الغربية بدءًا من عام 1949م، وعليه قررت ألمانيا الشرقية إغلاق حدودها مع ألمانيا الغربية عام 1952م، بعد أن كان بإمكان سكان برلين بشطريها التنقل عبر القطارات وخطوط مترو الأنفاق.

سكان ألمانيا الغربية يصعدون السلالم ليلقوا نظرة على ألمانيا الشرقية- Council of Europe

وبحلول عام 1961م، كان قد فرَّ حوالي 2.5 مليون شخص من ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية، ولوقف حركة اللجوء التي هدّدتْ اقتصاد ألمانيا الشرقية، أعلن رئيس الاتحاد السوفيتي “نيكيتا خروتشوف”، قرار بناء جدار برلين في ليلة 12-13 أغسطس، لمنع الألمان الشرقيين من اللجوء باتجاه الشطر الآخر من العاصمة، وانطلقت عملية بناء الجدار الخرساني في نفس الليلة، فيما حاول سكان قريبون من الجدار الفرار.

ألمان شرقيون يحاولون الهرب إلى ألمانيا الغربية في يوم 13 أغسطس 1961م- DPA/Picture Alliance/Getty Images

وكان جدار برلين الخرساني الذي بلغ طوله 155 كيلومتراً وارتفاعه أكثر من ثلاثة أمتار، شديد التحصين، فقد تكون من جداريين متوازيين، تتخللهما أبراج حراسة، وشريط ملغوم أطلق عليه “شريط الموت”، المجهز بألغام أرضية وأسلاك شائكة، فيما أوكل للجنود مراقبة الجدار على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وإطلاق النار على كل من يحاول الهرب.

كان جدار برلين شديد التحصين وتكون من جداريين متوازيين

وضم الجدار ثلاث نقاط تفتيش للمتنقلين القانونيين: نقطة تفتيش “هيلمستيدت” (أو نقطة ألفا)، ونقطة تفتيش “دريليندين” (أو نقطة برافو) في وسط برلين، ونقطة تفتيش “تشارلي”، ولاحقًا بلغ عدد نقاط التفتيش 12 نقطة.

سقوط جدار برلين

وخلال وجوده لمدة 28 عامًا، حاول ألمان شرقيون الهرب عبر حفر الأنفاق أو تسلّق الجدار أو باستخدام المناطيد، ومنهم من نجح، وبلغ عددهم حوالي 5 آلاف شخص، في حين لقي أكثر من مئة شخص حتفهم، واعتقل نحو 5 آلاف آخرين.

وفي نوفمبر من عام 1989م، كانت نهاية الجدار قد اقتربت، فقد شهدت برلين تظاهرات

تمكن 16 شخصاً من ألمانيا الشرقية الوصول إلى ألمانيا الغربية عبر نفقٍ حفره أقاربهم- أرشيف

شارك فيها ما يقارب نصف المليون شخص، نددوا بالظروف الاقتصادية والسياسية وطالبوا بالديمقراطية، وفي محاولة لامتصاص غضب الجماهير، قرر قادة ألمانيا تخفيف قيود السفر المفروضة على الألمان الشرقيين.

اقرأ أيضًا: حارس سابق في الجيش النازي عمره 100 عام سيمثل أمام المحكمة في ألمانيا

وبناء على القرار، خرج المتحدث باسم الحزب الشيوعي في برلين الشرقية “جونتير شابوسكي” في مؤتمرٍ صحفي في يوم 9 نوفمبر 1989م، وأعلن عن تخفيف قيود السفر، لكن الصيغة التي تحدث بها كانت غير دقيقة وأحدثت لبسًا، وبدلًا من ذكر قواعد التخفيف المقرر، قال إنه السفر خارج البلاد أصبح ممكنًا بدون شروط مسبقة.

وعندما طالب الصحفيون المذهولون بتفاصيل حول موعد سريان القرار، أوضح شابوسكي، إن القرار ساري المفعول على الفور على حدِّ علمه، بالرغم من أنه كان من المخطط أن يدخل القرار حيز التنفيذ في اليوم التالي لإعلانه.

أشخاص يرقصون احتفالا بسقوط جدار برلين- European Commission

كانت تصريحات شابوسكي مثار دهشة، وتناقلتها الصحافة الغربية سريعًا، في حين انطلقت حشود باتجاه الجدار، ولم يتلقَ الجنود أوامر بفتح البوابات أو بإطلاق النار، تحديداً وأن عددهم كان قليلاً مقارنة بأعداد الجماهير التي بدأت بهدم الجدار بالمطارق الثقيلة والأزاميل حتى انهار، والتقوا بسكان ألمانيا الغربية بالدموع والموسيقى والاحتفالات بعد 28 عاماً من الفصل.

رجل يساعد في هدم جدار برلين وهو يحمل طفله 1989م- المفوضية الأوروبية

وبعد سقوط جدار برلين بـ11 شهرًا، توحدت ألمانيا في 3 أكتوبر 1990م. كما عكس انهيار الجدار حالة الضعف التي كان يمر بها الاتحاد السوفيتي، الذي انهار هو الآخر بعد سنتين، وانحسرت الحرب الباردة التي امتدت لعقود بعد الحرب العالمية الثانية؛ لصالح المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، ليدخل العالم بعدها في مرحلة القطب الواحد تحت الهيمنة الأمريكية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة