الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

“جايانتي غاندي”.. اليوم الذي تحتفل به الهند بأبي الأمة الروحي

كيوبوست- مدى شلبك

أثناء رحلة بالقطار إلى “بريتوريا” عاصمة دولة جنوب إفريقيا، تعرض السياسي والزعيم الروحي الهندي المهاتما “غاندي”، إلى موقف عنصري كان بمثابة اللحظة الحاسمة التي دفعته لمحاربة ما أَطلق عليه “المرض العميق المتمثل في التحيز اللوني”، وذلك عندما رفض رجل أبيض وجود غاندي -لأنه هندي- في مقصورة السكك الحديدية من الدرجة الأولى بين الأوروبيين البيض!

رفض غاندي الانتقال إلى الجزء الخلفي من القطار، فألقاه السائق بقوة. حدثت تلك الواقعة في 7 يونيو 1893م، ومنذ ذلك الوقت حتى وفاته، لعب غاندي دوراً حيوياً في استقلال الهند من الاستعمار البريطاني عبر المقاومة السلمية والعصيان المدني، ولذلك تحتفل الهند ضمن عطلة وطنية بأبي الأمة، خلال ذكرى ميلاده الذي يصادف 2 أكتوبر من كل عام، في ما يُعرف بـ”جايانتي غاندي”.

اقرأ أيضاً: إحياء يوم “فيساك”.. يوم ولادة بوذا وبلوغه التنوير ووفاته

ويتم الاحتفال بيوم أبي الأمة الروحي عبر تنظيم اجتماعات الصلاة وترنيم الأغنية التعبدية المفضَّلة لدى غاندي “راغوباتي راغافا”، والاحتفالات التذكارية في مدن مختلفة، للاحتفاء بجهود غاندي في حركة الاستقلال، إضافة إلى مسابقات الرسم والكتابة، ويقوم المحتفلون بتزيين تماثيل المهاتما في جميع أنحاء البلاد بالزهور والأكاليل، ويتجنب بعض الناس شرب الكحول أو أكل اللحوم في ذلك اليوم.

ما قبل المقاومة

في طفولته ومراهقته اتسم “موهانداس كارمشاند غاندي”، المولود عام 1869م في ولاية “غوجارات” حالياً، بالخجل وعدم حبه للأضواء، وعلى عكس رغبته بدراسة الطب، درس غاندي المحاماة نزولاً عند رغبة والده الذي كان رئيس وزراء ولاية “بوربندر”، وكان يطمح لأن يتولى ابنه منصب وزير، لذلك توجه في سن التاسعة عشرة إلى لندن لدراسة القانون.

عاد غاندي إلى الهند في منتصف عام 1891م، وافتتح مكتب محاماة؛ لكنه لم يوفَّق في حياته المهنية، فقَبِلَ منصباً في شركة هندية أرسلته إلى مكتبها في جنوب إفريقيا.

المهاتما غاندي- ويكيميديا ​​كومنز

تطوير مفهوم “ساتياغراها”

مكث غاندي في جنوب إفريقيا، التي كانت محتلة من قِبل بريطانيا، نحو 20 عاماً برفقة زوجته -ارتبط بها وهو بعمر الثالثة عشرة- وأطفاله، وعايش التمييز العنصري كمهاجر هندي في جنوب إفريقيا من قِبل المستعمرين البريطانيين.

وكانت حادثة طرده من القطار بداية تطويره لمفهوم “ساتياغراها” أو الاحتجاج السلمي، كما قرر إنشاء حزب المؤتمر الهندي في منطقة ناتال بجنوب إفريقيا؛ للتصدي للإجراءات العنصرية ضد المهاجرين الهنود، كقانون فرض ضريبة اقتراع عليهم!

اقرأ أيضاً: “الكارما”.. التحرر من عواقب الخطايا للانعتاق من الحياة

بينما نظَّم غاندي أول عصيان مدني استمر لمدة ثماني سنوات في عام 1906م، بعد أن أصدرت حكومة الاستعمار مرسوماً يضيف قيوداً جديدة على حقوق الهنود في جنوب إفريقيا؛ بما في ذلك رفض الاعتراف بزواج الهندوس. وردت حكومة الاستعمار على العصيان المدني في عام 1913م بأن اعتقلت مئات الهنود الذين يعيشون في جنوب إفريقيا؛ بمَن فيهم غاندي، ثم تعرَّض المعتقلون إلى الجلد وبعضهم قُتل.

أثمرت جهود العصيان المدني؛ إذ تمكن غاندي عبر مفاوضات من انتزاع تنازلات من حكومة الاستعمار، مثل الاعتراف بالزواج الهندوسي، وإلغاء ضريبة الاقتراع التي كانت مفروضة على الهنود.

الدعوة لمقاطعة الاستعمار

عاد غاندي إلى الهند عام 1914م، وكان يتبع نظام حياة زاهدة، ترتكز على الصلاة والصوم والتأمل وعدم تناول اللحوم والتقشف؛ فقد كان يرتدي شالاً أبيض وصندلاً يدوي الصنع، متأثراً بالديانة “الجاينية” على الرغم من كونه هندوسياً؛ ما مكنه من نيل تقديس وثقة أتباعه الذين أطلقوا عليه “المهاتما” (وتعني باللغة السنسكريتية: “ذا الروح العظيمة”)، كما أسس في عام 1915م معبد الأشرم في مدينة أحمد آباد.

تمثال للمهاتما غاندي.. معبد “الأشرم”

ظل غاندي معترضاً على سياسات الاستعمار، وأطلق عام 1919م حملة مقاومة سلمية رداً على إقرار البرلمان قوانين أعطت السلطات الاستعمارية الحق في قمع الأنشطة “التخريبية” وسجن مَن يشتبه به في التحريض، بينما ردت حكومة الاستعمار على الحملة بعنف؛ فقد قام الجنود البريطانيون بمذبحة “أمريتسار”، التي راح ضحيتها 400 هندي كانوا يحضرون اجتماعاً.

أصبح غاندي معارضاً بارزاً ضد الاستعمار البريطاني، والشخصية الأهم في حركة الحكم الذاتي الهندية، وتخلى عن ميدالياته التي حصل عليها مقابل خدمته في جنوب إفريقيا، وعارض التجنيد العسكري الإلزامي البريطاني للهنود، كما دعا إلى مقاطعة جماعية للاستعمار ومؤسساته.

كما طالب المواطنين، مستنداً إلى سلطة المؤتمر الوطني الهندي، بالتوقف عن دفع الضرائب وشراء البضائع البريطانية، حتى إنه استخدم عجلة الغزل لإنتاج القماش الذي كان يرتديه، لكي لا يضطر إلى شراء الملابس بريطانية الصنع؛ لذلك أصبحت عجلة الغزل رمزاً لاستقلال الهند والاكتفاء الذاتي.

شاهد أيضاً: فيديوغراف.. غاندي ومانديلا والمرأة.. الوجه المظلم

مسيرة الملح

في مارس 1922 اعتقلت السلطات البريطانية غاندي بتهمة التحريض على الفتنة، وحُكم عليه بالسجن ست سنوات؛ ولكن أُطلق سراحه بعد عامَين إثر إجرائه عملية استئصال الزائدة الدودية. بعد خروجه من السجن توقف نشاطه السياسي حتى عام 1930م، عندما دشَّن حملة ساتياغراها جديدة؛ احتجاجاً على قرارات تمنع الهنود من جمع وبيع أهم العناصر الغذائية في الهند؛ الملح، كما فرضت ضريبة عليه، مما أضر بالدرجة الأولى بالطبقة الأفقر في الهند.

وتمثلت حملة غاندي هذه المرة بمسيرة بلغت مسافتها 386 كيلومتراً، تقدَّم فيها بعض أتباعه، وكان يجمع خلالها الملح متحدياً بذلك سلطات الاستعمار، ومع الوقت ازدادت أعداد المنضمين إلى المسيرة، وعمّ العصيان المدني في جميع أنحاء الهند.

ردَّ الاستعمار بسجن غاندي ونحو 60 ألف هندي؛ لخرقهم قوانين الملح عام 1930م، بينما أُطلق سراحه في يناير 1931م، وتمكَّن من الوصول إلى اتفاق يفضي بإنهاء حملة العصيان المدني والمقاومة مقابل الإفراج عن آلاف السجناء السياسيين، وإعطاء هنود السواحل الحق في جمع الملح.

موكب جثمان المهاتما غاندي- Getty Images

اعتزاله السياسة

في عام 1932 اعتُقل المهاتما غاندي مرة أخرى، بعد عودته من لندن؛ حيث كان يشارك في مؤتمر الطاولة المستديرة. وفي المعتقل، شرع بالصيام لمدة ستة أيام اعتراضاً على قوانين تمييزية سنتها حكومة الاستعمار ضد طبقة “المنبوذين” أو “أبناء الله” في الهند؛ لكنها عدلت عن قراراتها بعد احتجاجات شعبية، بينما أُطلق سراح غاندي الذي قرر الخروج من المؤتمر الوطني الهندي في عام 1934م، واعتزال السياسة، والتركيز على معاناة الفقراء والمناطق الريفية.

استقلال الهند واغتيال غاندي

منحت بريطانيا الهند استقلالها في 15 أغسطس عام 1947م، بعد أن تولى حزب العمال السلطة في بريطانيا؛ لكنها قسَّمت الهند إلى بلدَين؛ الهند ذات الأغلبية الهندوسية وباكستان المسلمة.

لم يكن غاندي راضياً عن التقسيم؛ لأنه كان يطمح بالهند موحدة، لذلك دعا الفريقَين للعيش بسلام، وسط أعمال عنف أعقبت التقسيم، أضرب على إثرها عن الطعام حتى انتهت.

شاهد أيضاً: فيديوغراف.. 7 احتجاجات غيَّرت مجرى التاريخ إلى الأبد

بينما لم يشهد غاندي الهند مستقلة سوى عدة شهور، فخلال مساعيه لتحقيق الوحدة بين الهندوس ومسلمي الهند، تفاوض غاندي مع ممثلي المسلمين؛ على رأسهم “محمد علي جناح”، الأمر الذي أثار غضب متعصبين هندوس، ومنهم المتطرف الهندوسي “ناثورام جودسي”، الذي اغتال غاندي في 30 يناير 1948م في ولاية دلهي الهندية، رمياً بالرصاص.

في موكب وداع المهاتما غاندي في اليوم التالي من اغتياله، سار نحو مليون شخص، بينما تم نقل جثمانه إلى ضفاف نهر جمنا المقدس وحرقه هناك.

أسس غاندي لثقافة المقاومة السلمية، التي تأثر بها رواد حركات التحرر الوطني ومحاربة العنصرية؛ مثل نيلسون مانديلا ومارتن لوثر كينغ، وما زال تأثيره قائماً؛ إذ تُدَرَّس تجربته في المدارس والجامعات، بينما يحظى باحترام واسع في الهند، كما تنتشر تماثيل المهاتما غاندي في أنحاء العالم.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة