الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

جامع عقبة بن نافع.. روعة العمارة الإسلامية وإلهام فني

في القيروان أكتشف الشمس العربية التي تتغلغل في جسد الإنسان وروحه بحيث لا يمكن تفاديها.. فهي بريق ساطع ووهج مشع

تونس- فاطمة بدري

ما زال الكثير من المساجد يحضر كشاهدٍ على حقبات تاريخية فارقة ومهمة في تاريخ عدة دول عربية وإسلامية؛ لعل أبرزها جامع عقبة بن نافع، الواقع بمحافظة القيروان التونسية، وسط البلاد وعلى بُعد 156 كم من العاصمة تونس. فهذا الجامع العريق يعد إرثاً حضارياً عريقاً لحقبة مفصلية في تاريخ تونس وشمال إفريقيا، يروي المرور الإسلامي الأول في هذه المنطقة من العالم؛ لا سيما أنه الجامع الأول الذي بناه المسلمون في شمال إفريقيا، ولهذا يسميه بعض المؤرخين “أبو الجوامع”.

يجمع المؤرخون على أن إنشاء القائد العربي عقبة بن نافع، مدينة القيروان، كان في الحقيقة تأسيساً لمرحلة تاريخية جديدة في منطقة الحوض الغربي من البحر الأبيض المتوسط؛ فقد قام عبر هذه الخطوة بتحويل إفريقية (الاسم السابق لتونس)، ومعها الجزائر والمغرب، من أراضٍ مسيحية، لغتها اللاتينية، إلى أراضٍ لغتها العربية ودينها الإسلام. ولهذا يعتبر جامع عقبة بن نافع أو جامع القيروان أقدم مساجد المغرب الإسلامي، والمصدر الأول الذي اقتبست منه العمارة المغربية والأندلسية عناصرها الزخرفية والمعمارية.

أصالة وجمال- (صورة خاصة)

وتأسس هذا المسجد العريق على يد القائد عقبة بن نافع، في أواخر القرن الثامن الميلادي، وفي سنة 50 للهجرة. وأحيطت مسألة بناء محراب القيروان بأسطورة مفادها أن مكان بناء الجامع تم بوحي إلهي نزل في شكل رؤيا على عقبة بن نافع. ولم يكن حينها المسجد بهذه السعة التي هو عليها الآن؛ إذ خضع للعديد من حملات التهيئة والتجديد والتوسعة على مر التاريخ، كان أبرزها في عهد دولة الأغالبة؛ ولعل هذا يبرر تسميته من بعض المؤرخين بمسجد الأغالبة.

اقرأ أيضاً: المسجد والسد وحرب أردوغان الثقافية الآخذة في الاتساع

ففي عام 248 هجرياً قام أحمد بن محمد الأغلبي، بتزيين المنبر وجدار المحراب بلوحات رخامية وقرميد خزفي، وفي عام 261 هجرياً قام بتوسعة الجامع وشيد قبة باب البهو، وأقام مجنبات تدور حول الصحن؛ ليكون الجامع بذلك قد بلغ جمالية عالية في تلك الفترة. ويعتبر جامع عقبة بن نافع من أضخم المساجد في الغرب الإسلامي وتبلغ مساحته الإجمالية ما يناهر 9700 متر مربع.

وكان بيت الصلاة هو أول ما بُني في الجامع، وألحق في ما بعد الصحن وخزانات المياه. يتميز بيت الصلاة بشكل مستطيل منحرف يصل عرضه إلى 70 متراً، بينما يتجاوز عمقه 30 متراً؛ وهو أكبر بيوت الصلاة في إفريقيا في العصر الإسلامي المبكر.

كبير المساحة- (صورة خاصة)

ويذهب المؤرخون للقول إن مئذنة جامع عقبة بن نافع من أجمل المآذن التي بناها المسلمون في إفريقيا؛ إذ تتكون من ثلاث طبقات مربعة الشكل، وفوقها قبة مفصصة، ويصل ارتفاع المئذنة إلى 31.5 متر، وتقع في الحائط المواجه لجدار القبلة في أقصى الصحن المكشوف، ويدور بداخلها درج ضيق يرتفع كلما ارتفع المبنى متناسباً مع حجمه، ويضيق كلما ارتفعنا إلى أعلى. وتوجد في المسجد ست قباب؛ هي: قبة المحراب، وباب البهو، وقبتان تعلوان مدخل بيت الصلاة، وواحدة تعلو المجنبة الغربية للمسجد، ثم أعلى المئذنة. وبنيت أغلب المآذن في المغرب العربي بعد ذلك على شاكلتها على غرار مئذنة جامع صفاقس (الجنوب التونسي) ومآذن مساجد كل من تلمسان (الجزائر) والرباط وأغادير (المغرب).

أما المنبر فيعتبر تحفة فنية رائعة؛ فهو مصنوع من خشب الساج المنقوش، وهو أقدم منبر في العالم الإسلامي ما زال محتفظاً به في مكانه الأصلي منذ القرن الثالث للهجرة؛ وهو يتكون من 360 لوحة مختلفة النقش، ويعد أقدم منبر في العالم الإسلامي بعد إحراق منبر المسجد الأقصى أواخر التسعينيات. بينما يوحي الشكل الخارجي للجامع أنه حصن ضخم أو قلعة عسكرية محصنة تكتنفها الجدران السميكة والمرتفعة والأبراج والعضائد.

وكان للجامع دور كبير في نشر الدين وتعاليمه؛ حيث كان يطلق عليه اسم “بيت الحكمة”، وفيه كانت تُعقد مجالس العلم التي تستقطب العلماء البارزين من فقهاء المالكية والحنفية وغيرهم.

أعمدة متينة رغم قدمها- (صورة خاصة)

ويقبل التونسيون على زيارته في المناسبات الدينية؛ خصوصاً ليلة 27 رمضان، لحضور ختم القرآن، وخلال المولد النبوي الشريف؛ حيث يصبح قبلة الجميع.

اقرأ أيضاً: تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد.. سابقة تاريخية تنتهك التراث الإنساني

وأثَّر جامع عقبة بن نافع والقيروان عموماً في العديد من المستشرقين والمبدعين في العالم؛ حتى إنه مثَّل نقلة فارقة لبعضهم، لا سيما الفنان التشكيلي السويسري بول كلي، وصديقَيه أوغست ماكي ولويس مواييه، الذين غيرت زيارتهم الخاطفة، التي لم تتجاوز بضعة أيام قليلة للمدينة والمسجد، مسار حياتهم التشكيلية.

كتب كلي في مذكراته “أَسَرَني اللون، لا أحتاج إلى البحث عنه؛ لقد تملكني إلى الأبد، أعرف ذلك المعنى السعيد لهذه اللحظة، أنا واللون بتنا شيئاً واحداً، أنا رسام”.

وأضاف: “في القيروان أكتشفُ الشمس العربية التي تتغلغل في جسد الإنسان وروحه؛ بحيث لا يمكن تفاديها، فهي بريق ساطع ووهج مشع”.

أحد صور بول كلي عن القيروان

وأنجز بول كلي، خلال هذه الزيارة وأثناء وجوده في مدينة القيروان وحدها، قرابة 35 لوحة مائية و11 رسماً آخر، فضلاً عن عدة أعمال رائعة أنجزها لدى عودته إلى بلاده. ومباشرة بعد هذه الرحلة أقام بول كلي معرضه بمدينة ميونخ، بعنوان “الطراز القيرواني”. وما زالت مسيرة بول الفنية العظيمة مرتبطة برحلته إلى القيروان ومسجدها، والتي تسمى لدى البعض بـ”رحلة الضوء”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة