الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

جامع الزيتونة.. منارة معرفة صمدت رغم تقلبات الحضارات

حقبات تاريخية مختلفة تركت بصمتها على الجامع وجعلته الجامعة الأولى عربياً وإسلامياً

كيوبوست

أكثر من 1300 سنة مرت على قيام بناء جامع الزيتونة؛ حافظ خلالها على رونقه ومكانته وأثره الكبير رغم الهزات والتقلبات التاريخية العديدة التي مرت عليه. قرون مضت ظل خلالها صامداً متوسطاً قلب المدينة العتيقة النابضة دوماً بالحياة، وليشهد على كل الأحداث والمحطات والمراحل التاريخية المختلفة التي عاشت على وقعها تونس، وليكون القلب النابض لشمال إفريقيا، وإحدى مناراتها العلمية وأيقوناتها التاريخية.

يختلف المؤرخون حول سنة بناء جامع الزيتونة والشخصية التي قامت بتشييده؛ لكن هناك شبه إجماع على أن حسان بن النعمان هو مَن أقامه سنة 76 هجرية، ولكن الشكل الحالي للجامع يعود إلى سنة 250 هجرية؛ إذ توجد كتابة بالخط الكوفي في قبة المحراب تشير إلى أن الخليفة العباسي المستعين بالله، هو الذي أمر ببناء الجامع، رغم الكثير من التعديلات والتغييرات والترميمات التي أُدخلت عليه من حقبة إلى أخرى؛ إذ وضعت كل دولة حكمَتْ تونس بصمتها، ولعل هذا ما يفسر كل الأنماط الهندسية والزخرفية التي تميزه.

اقرأ أيضاً: جامع عقبة بن نافع.. روعة العمارة الإسلامية وإلهام فني

ويؤكد المؤرخون أن هذا الجامع قد شيد بمواصفات خاصة، وأنه كان على مدار قرون محور اهتمام الحكام الذين تعاقبوا على تونس؛ إذ تبلغ مساحة الجامع نحو 5000 متر مربع، منها 1344 متراً مربعاً مساحة مغطاة، ويوجد به 184 عموداً بتيجان أثرية. ويتميز ببيت صلاة على شكل مربع غير منتظم يحتوي على 15 مسبكة و7 بلاطات عريضة، ويوجد أمام بيت الصلاة صحن دون أروقة؛ وهو مسيج بجدران مدعمة في الركنَين ببرجَين. أما قبة محرابه فتتميز بزخارف بالغة الدقة لكامل المساحة الظاهرة في الطوابق الثلاثة تعود إلى القرن الرابع الهجري، وبُنيت حينها وَفق نمط جديد بالنسبة إلى تونس في العهد الفاطمي. أما في الفترة من أواسط القرن 11 الميلادي إلى أواسط القرن 12 الميلادي، وتحديداً في عهد بني خراسان، فتمت إضافة بوابات كبيرة تفتح على الخارج، فضلاً عن مقصورة الإمام. وخلال الدولة الحفصية أُدخلت إضافات أخرى على غرار الرواق الخارجي. وهذه المميزات والإضافات التي وضعها كل حاكم جديد للبلاد التونسية جعلته يكوِّن أنموذجاً فريداً من نوعه في العمارة الإسلامية في عصورها الأولى.

بيت الصلاة- (صورة خاصة)

وتوجد بالجامع أيضاً ساعة لضبط أوقات الصلاة حسب الفصول، وكانت في أزمنة سابقة إحدى أثمن الصناعات وأكثرها دقة في ضبط الوقت وقد تم الاستغناء عنها بعد ظهور الساعات الحديثة.

اقرأ أيضاً: كيف تظهر مكة المكرمة والمسجد الحرام من الفضاء؟

جمال التفاصيل

ويقول الباحث التونسي عبدالعزيز الدولاتلي، في حديثه عن هذا المعلم التاريخي والديني العريق، لـ”كيوبوست”: “إن أبرز العناصر المعمارية لجامع الزيتونة التي استمدت جماليتها من الهندسة الإسلامية، هو بيت الصلاة الشاسع الذي يتوسطه محراب يعود إلى القرن الـ17 الميلادي؛ إذ يجد الزائر خلفه المحراب الأغلبي الأصلي (نسبة إلى دولة الأغالبة) بحجمه الكبير، وقد كان مزخرفاً على نمط محراب جامع عقبة بن نافع بمدينة القيروان، والأمر نفسه بالنسبة إلى المنبر الذي وقعت عليه بعض التحويرات”.

ويضيف: “ومن أهم المواد التي شيد بها جامع الزيتونة هي الحجارة؛ حيث كانت أكثر العناصر المستعملة سواء في تشييد التيجان أو الأقواس والأعمدة، فضلاً عن الصحن الذي كان مغطى بألواح مرمرية كبيرة مأخوذة من معابد رومانية تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وأيضاً الأعمدة رومانية الأصل، في حين تعود التيجان إلى الحقبتَين الأندلسية والحفصية، بينما بُنيت الأقواس حدوية الشكل، أي مشابهة لحدوة الفرس”.

عبدالعزير الدولاتلي

وبالعودة إلى تسمية جامع الزيتونة، فإن الروايات تختلف؛ حيث تذهب الرواية الأولى إلى القول إن الفاتحين وجدوا في مكان الجامع شجرة زيتون منفردة فأطلقوا على الجامع الذي بنوه هناك اسم جامع الزيتونة، نظراً للرمزية الدينية لشجرة الزيتون التي وردت في عدة مناسبات في القرآن الكريم ووصفها بالمباركة. في حين تذهب الرواية الثانية إلى القول إن تسمية الجامع استُمدت من قديسة مسيحية اسمها الزيتونة كانت مدفونة في المكان.

واهتم العديد من المؤرخين بجامع الزيتونة وجعلوه محور كتبهم؛ على غرار ابن خلدون في كتاب “العبر”، وأحمد بن أبي الضياف في “إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان”، وعبدالله بن عبدالعزيز بن محمد البكري الأندلسي في كتابه “المسالك والممالك”، ومحمد بن محمد الأندلسي الوزير السراج في كتابه “الحلل السندسية في تاريخ البلاد التونسية”، وحسن حسني عبدالوهاب في كتابه “خلاصة تاريخ تونس”، وابن أبي دينار في كتابه “المؤنس في تاريخ إفريقية وتونس”.. وغيرهم.

بيت الصلاة- (صورة خاصة)

منارة علمية

هناك إقرار من عدة مؤرخين بأن جامع الزيتونة شُيد كصورة مصغرة لجامع عقبة بن نافع في مدينة القيروان (أقدم جوامع تونس) من ناحية التخطيط المعماري والزخارف الرخامية والحائطية المتميزة؛ لكن الزيتونة تفوق على مستوى سعة التأثير وطبيعة المعارف التي قدمها ليتحول إلى منارة علمية بلغ إشعاعها كامل المنطقة العربية والإسلامية؛ إذ يعد جامع الزيتونة أول جامعة علمية إسلامية وإحدى أقدم الجامعات في العالم؛ فتحت أبوابها أمام طلبة العلم والمعرفة ونجحت في استقطاب الآلاف من طالبي المعرفة، وانبثقت عنها جامعة الأزهر بالمشرق وجامعة القرويين بالمغرب.

جامع الزيتونة من الخارج- (صورة خاصة)

ولعقود طويلة ظلت الجامعة الزيتونية رائدة على المستوى العلمي في المنطقة المغاربية وحتى عربياً؛ إذ بلغ عدد المراجع العلمية في أوج نشاطها ونجاحها أكثر من 200 ألف مجلد، لكن قدوم الإسبان تسبب في إتلاف عدد كبير من تلك المراجع العلمية سنة 970 للهجرة، وضاع العديد من نفائس الكتب، بينما استولى الغزاة الإسبان أيضاً على جملة من المراجع ونقلوها إلى بلادهم؛ وهي موجودة إلى اليوم تشهد أنها قادمة من جامعة الزيتونة.

اقرأ أيضاً: تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد.. سابقة تاريخية تنتهك التراث الإنساني

كما كان جامع الزيتونة إحدى أبرز المدارس التي أسهمت في النهضة الاجتماعية والثقافية التي شهدتها تونس؛ عبر إنجابه عدداً من المفكرين كانوا من رواد الإصلاح والتغيير في تونس على غرار المصلح الاجتماعي الطاهر الحداد صاحب كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”، الذي كان منطلق تحرير المرأة في تونس.

أول جامعة عربياً وإسلامياً- (صورة خاصة)

وتخرج العديد من العلماء التونسيين والعرب الكبار الذين كان لهم أثرهم الكبير في أكثر من اختصاص وعلى أكثر من صعيد؛ مثل المؤرخ ومبتكر علم الاجتماع ابن خلدون وعلي بن زياد وأسد بن الفرات والإمام سحنون صاحب المدونة التي رتبت المذهب المالكي وقننته، والمفسر والمحدث محمد بن عرفة التونسي. إلى جانب أيضاً إبراهيم الرياحي وسالم بوحاجب ومحمد النخلي ومحمد الطاهر بن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير، ومحمد الخضر حسين الذي أصبح في ما بعد شيخ الأزهر، ومحمد العزيز جعيط، والمصلح الزعيم عبدالعزيز الثعالبي وشاعر تونس الخالد أبو القاسم الشابي صاحب قصيدة “إرادة الحياة”.. وغيرهم.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة