الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

جامعة مرموقة في إسطنبول تقاوم نفوذ أردوغان

طلاب وأساتذة جامعة بوغازيتشي -إحدى أشهر جامعات تركيا- يحتجون على تعيين أردوغان رئيساً جديداً للجامعة

كيوبوست – ترجمات

كارلوتا غال♦

على مدى أسابيع عدة -ماطرة ومشمسة وحتى مثلجة- اندلع تمرد في أكثر المؤسسات العلمية احتراماً في القطاع الأكاديمي التركي، حرم جامعة بوغازيتشي في إسطنبول. واستمر أعضاء الهيئة التدريسية في الوقوف بصمت في حديقة الجامعة، مديرين ظهورهم إلى مكتب رئيس الجامعة الذي يعارضون تعيينه من قِبل الرئيس رجب طيب أردوغان.

عادة ما يقوم أعضاء الهيئة التدريسية بانتخاب رئيس جامعتهم، الذي يسيطر على جزء كبير من الحياة في الجامعة، من بين صفوفهم. وبتسميته رئيس جامعة من اختياره من خارج هذه الصفوف، فقد أطلق أردوغان معركة للسيطرة على جوهرة من جواهر المؤسسة الأكاديمية التركية.

تعتبر جامعة بوغازيتشي من أفضل الجامعات في تركيا، وتتميز بحرمها الرائع الذي يتربع على منحدر تلة على شواطئ البوسفور. كانت الجامعة جزءاً من كلية روبرت الأمريكية التي تأسست عام 1863، واشتهرت بثقافتها الفنية الليبرالية ذات الميول الغربية. لذلك لطالما كانت الجامعة هدفاً لأردوغان وداعميه المحافظين الذين أزعجتهم هيبتها ومواقفها الليبرالية أيضاً.

اقرأ أيضاً: قانون الجمعيات الأهلية في تركيا.. مصيدة جديدة لقمع الحريات

جاء تعيين مليح بولو، رجل الأعمال المعروف بصلاته الوثيقة مع حزب أردوغان، حزب العدالة والتنمية، ليكون خطوة أخرى لأردوغان باتجاه توسيع نفوذه على كل جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية التركية. استحوذ أردوغان على سلطات واسعة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وأمر في ظل حالة الطوارئ التي أعلنها بحملة قمع واسعة النطاق ضد خصومه شملت حتى أولئك الذين لا علاقة لهم بمحاولة الانقلاب؛ مثل الصحفيين والسياسيين ونشطاء حقوق الإنسان.

الشرطة التركية تغلق مدخل جامعة بوغازيتشي- “رويترز”

وفي الأشهر التي سبقت محاولة الانقلاب استهدف أردوغان القطاع الأكاديمي، وطرد الآلاف من الأكاديميين؛ لتوقيعهم على عريضة تدعو إلى السلام مع المسلحين الأكراد في مطلع عام 2016. وفي وقتٍ لاحق أصدر أردوغان مرسوماً رئاسياً يعطيه صلاحية تعيين رؤساء الجامعات. نجت جامعة بوغازيتشي من أسوأ أعمال تطهير؛ ولكن طلابها وهيئتها التدريسية قالوا إنهم كانوا يعرفون أن المعركة تلوح في الأفق. وكانوا قد أُجبروا قبل أربع سنوات على قبول مرشح توافقي لمنصب رئيس الجامعة، كما اعتقل العديد من الطلاب الذين كانوا يحتجون على تدخل تركيا في سوريا.

عين أردوغان السيد بولو في الأول من يناير، وخلال أيام خرج المئات من الطلاب للاحتجاج، واشتبكت الشرطة مع بعضهم، وأقفلت المدخل الرئيسي لحرم الجامعة ونشب العديد من المشاحنات مع عناصر أمنية بلباس مدني دخلت إلى حرم الجامعة. كما تم اعتقال ما لا يقل عن ثلاثين طالباً خلال غارات قامت بها الشرطة على منازلهم بعد الاحتجاجات الأولى، وفي مظاهرات في مدن أخرى خرجت دعماً لهم. واشتكى العديد من الطلاب من تعرضهم إلى تفتيش جسدي بعد تعريتهم من ثيابهم. ورداً على ذلك، تحول الطلاب إلى أشكال أخرى من الاحتجاج، مثل المعارض الفنية، والرسوم المتحركة، والأغاني السياسية في الحرم الجامعي.

وازداد التوتر بعد إدانة أعضاء في الحكومة لعمل فني لطلاب مثليين، واعتقال الشرطة أربعة طلاب منهم ومصادرة أعلامهم.

وعندما طالب المتظاهرون النقابات والأحزاب السياسية بالانضمام إلى مظاهرة حاشدة، ردّت الشرطة بالقوة، وأقفلت المدخل الرئيسي لحرم الجامعة، وأمرت الطلاب بالعودة إلى بيوتهم، واعتقلت العشرات منهم ممن اقتحموا الحرم. يصر طلاب بوغازيتشي على أنهم سيواصلون احتجاجاتهم إلى أن يتم إلغاء تعيين السيد بولو أو تقديمه استقالته.

يقول إدريس كانتورك؛ طالب الهندسة ذو الثلاثة والعشرين عاماً، الذي يشارك في الاحتجاجات اليومية: “لا نريد رئيساً معيناً، نريد رئيساً من جامعتنا ننتخبه بأنفسنا”. ويقول إن الاحتجاجات لا تستهدف السيد بولو شخصياً؛ ولكن الطريقة التي تولى بها منصبه. وقارن المحتجون تعيينه بأكثر من مئة رئيس بلدية منتخب تمت إقالتهم وتعيين بدلاء لهم من قِبل الحكومة.

اقرأ أيضاً: تركيا.. حرية التجمع تنتهك بينما تتظاهر النساء من أجل حقوقهن

حاول السيد بولو في بداية الأمر التواصل مع الطلاب، وتحدث إليهم في حرم الجامعة، وعبر لهم عن إعجابه بالموسيقى الغربية وفرقة “ميتاليكا”؛ ولكن مع استمرار الاحتجاجات رفض إجراء المقابلات وعزز الإجراءات الأمنية حول مكتبه.

طرح الأكاديميون تساؤلات حول مؤهلات السيد بولو، واتهموه بالسرقة الفكرية في مقالاته وأطروحاته الأكاديمية. وقد نفى السيد بولو هذه الاتهامات في مقابلة تليفزيونية، وقال إنه نسي أن يضع علامات الاقتباس في بعض الأماكن في كتاباته! ولكن أكثر ما يثير قلق الأساتذة والطلاب بشأن تعيينه هو مستقبل الجامعة وحرمها الذي اشتهر بالتفكير الحر، كما عبر الطلاب عن خشيتهم من أن يتم إغلاق الأندية والأنشطة اللا منهجية وخوفهم من أن تتغير الجامعة.

بموجب مرسوم جمهوري.. الرئيس التركي أعطى لنفسه الحق في تعيين رؤساء الجامعات- “فرانس برس”

قال كان كاندان؛ أستاذ دراسات الأفلام الوثائقية في جامعة بوغازيتشي، الذي يشارك في الاحتجاجات اليومية: “لدينا مبادئ معينة أقرها رسمياً مجلس شيوخ الجامعة عام 2012 حول الحريات الأكاديمية والاستقلالية الأكاديمية والعلمية، فضلاً عن القيم الديمقراطية لجامعتنا. وهذا التعيين ينتهك هذه المبادئ بشكل صارخ؛ لذلك قررنا أن نرفع الصوت لنقول إننا لا نقبل بذلك”.

خليل إبراهيم ينيغون، الذي طرد من عمله في إحدى الجامعات التركية؛ لأنه كان من بين الموقعين على عريضة السلام عام 2016، وهو الآن يدرس العلوم السياسية في جامعة سان هوزيه في كاليفورنيا، وصف هذا التعيين بأنه “استيلاء بالقوة” على واحدة من آخر الجامعات التي لا تزال تحافظ على استقلاليتها الأكاديمية. وقال: “كان هذا عدواناً متوقعاً من أردوغان ضد الأوساط الأكاديمية، فهو يستولي على كل نواحي الحياة الاجتماعية واحدة بعد الأخرى”. وقال أيضاً إن الهدف كان مزدوجاً؛ فأردوغان عازم على تنشئة جيل من الأتراك يدير ظهره إلى قرن كامل من العلمانية في جمهورية أسسها مصطفى كمال أتاتورك، أول رئيس تركي؛ ولكن أنصاره أيضاً يريدون الرقي الذي تقدمه جامعة بوغازيتشي التي يقود خريجوها كثيراً من أفضل الشركات والمؤسسات الأكاديمية التركية.

اقرأ أيضاً: المحامية التركية إبرو تيمتيك.. ضحية جديدة لظلم أردوغان

يفسر داعمو أردوغان هذه الخطوة على أنها تصحيح لعقود من التمييز ضد المسلمين المحافظين الذين حرموا لفترة طويلة من التعليم العام والوظائف الحكومية، ومنعت النساء المحجبات من الالتحاق بالجامعات الحكومية إلى أن قام أردوغان بإلغاء هذه الأنظمة قبل عقد من الزمن. وقد شبهت الكاتبة الصحفية الموالية لأردوغان هلال قبلان، خريجة جامعة بوغازيتشي التي ترتدي الحجاب، نضال المسلمين المحافظين بنضال مالكولم إكس والأمريكيين السود، وحذرت في مقال رأي لها من أن العلمانيين من أصحاب الامتيازات لن يستسلموا. وقالت في تغريدةٍ لها، محذرة رئيس الجامعة الجديد: “سوف يعارضونك بغطرسة، وأنا أتوقع منك أن تمضي في مسيرتك دون أن تلتفت إليهم؛ فجامعة بوغازيتشي ليست للنخبويين فقط، بل هي للأمة”.

خلال بضعة أيام من تعيين رئيس لجامعتهم تدفق المئات من الطلبة للمشاركة في مظاهرات احتجاج على هذا التعيين- “أسوشييتد برس”

واستنكر كثير من خريجي بوغازيتشي هذا التوصيف، وأشاروا إلى أن الجامعة هي مؤسسة عامة، وأبوابها مفتوحة للطلاب الحاصلين على أعلى الدرجات في امتحانات القبول على مستوى البلاد. كتب مراد سيفينش، أستاذ القانون الدستوري المحاضر في جامعة بوغازيتشي، في مقالٍ صحفي يروي كيف قامت والدته الأمية ووالده الكادح بالتوفير والادخار كي يتمكنا من توفير التعليم له ولشقيقاته. وجاء في مقاله: “ابن والدين لم يريا مدرسة قط أصبح أستاذاً جامعياً، دع عنك الحديث عن النخب، هذا هراء. الأمر كله متعلق بالعمل والعمل والعمل”.

اقرأ أيضاً: جائحة كورونا والقمع في تركيا

دينيز كاراكولوكو؛ طالب الفلسفة وأحد مؤسسي حزب “DEVA” الجديد، استنكر مقال السيدة قبلان، واصفاً إياه بأنه دعاية حكومية، وقال: “الأمر ليس كذلك على الإطلاق، هنالك طلاب من كل مناطق البلاد، ومن كل ثقافاتها، ومن مختلف وجهات النظر العالمية ومختلف الأديان والمعتقدات؛ ولكنهم عندما يأتون إلى جامعة بوغازيتشي فإنهم يميلون إلى تبني نظرة أكثر ليبرالية”.

صرح العديد من المحتجين بأنهم يخشون على مستقبل الجامعة وعلى الحريات فيها- “رويترز”

قالت زينب بيرق، طالبة العلوم السياسية في عامها الأخير، التي ترتدي الحجاب، إنها انضمت إلى المظاهرات؛ لأن تعيين رئيس الجامعة كان غير ديمقراطي. وقالت إنها تلقت الكثير من الإساءات على وسائل التواصل الاجتماعي؛ ولكنها أيضاً تلقت الكثير من رسائل الدعم. وقالت: “أنا متدينة، أنا مسلمة، وأعتقد أننا يمكن أن نتعايش معاً. نحن لن نتوقف”.

♦مديرة مكتب إسطنبول في صحيفة “ذا نيويورك تايمز”.

المصدر: ذا نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

كيو بوست

صحفي، عضو نقابة الصحفيين المصريين، ومعد تليفزيوني. خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة، حاصل على دبلوم في الدراسات الإسرائيلية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ودبلوم في الدراسات الإفريقية من كلية الدراسات الإفريقية العليا. وباحث ماجستير في العلاقات الدولية. عمل في العديد من المواقع والصحف العربية؛ منها: (المصري اليوم)، (الشروق)، (إيلاف)، بالإضافة إلى قنوات تليفزيونية منها mbc، وcbc.

مقالات ذات صلة