الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

جامعة صنعاء.. ساحة الحوثيين للاستقطاب السياسي في اليمن

لطالما كانت جامعة صنعاء محط اهتمام القوى والأحزاب السياسية نظراً لمكانتها كأكبر وأقدم جامعة في البلاد

كيوبوست

أعلنت السفارة الإيرانية في صنعاء، مطلع العام الجاري، افتتاح مركز بحثي في جامعة صنعاء، بدعم من السفارة الإيرانية، إضافةً إلى افتتاح قاعات للتعليم عن بُعد في كلية اللغات بالجامعة. عبَّر وزير الخارجية في حكومة الحوثيين عن امتنانه للدعم الإيراني، مشيراً إلى أنه “بداية الغيث الإيراني”. كما قال رئيس جامعة صنعاء إن السفير الإيراني الراحل، حسن إيرلو، كانت له بصمات واضحة في الجانب الأكاديمي بجامعة صنعاء.

لطالما كانت جامعة صنعاء محط اهتمام القوى السياسية في اليمن؛ نظراً لمكانتها كأكبر وأقدم جامعة في البلاد؛ إذ تأسست سنة 1970م، وتضم 21 كلية تخصصية و23 مركزاً إدارياً وعلمياً وبحثياً. تضم حالياً أكثر من 124 تخصصاً وشعبة علمية يدرس فيها ما لا يقل عن ثمانين ألف طالب وطالبة.

اقرأ أيضاً: صراع المرأة مع المتمردين الحوثيين في اليمن

طوال العقدَين الماضيَين على الأقل، تحولت الجامعة إلى ساحة للمنافسة السياسية بين الجماعات السياسية المحلية، وساحة لممارسة دبلوماسية ثقافية تهدف إلى فرض الثقافة الإيرانية وليس تبادل الثقافات من أجل السلام كما قد يجادل البعض.

كان أحد أوضح الأمثلة على ذلك الاهتمام والاستغلال هو أحداث ما كان يُعرف بـ”ثورة الشباب” في اليمن؛ حيث كانت الجامعة مركزاً أساسياً لانطلاق الاحتجاجات، ونُصبت الخيام أمامها مكونةً أكبر تجمع للمحتجين.

ساحة التغيير أمام جامعة صنعاء.. اليمن 2011- “السفير العربي”

حتى قبل الثورة في 2011، كانت الجماعات السياسية المختلفة تحاول إيجاد موطئ قدم لها بالجامعة. كان حزب التجمع اليمني للإصلاح، ذراع الإخوان المسلمين في اليمن، على سبيل المثال، يسيطر على الاتحادات الطلابية، ويروج لأجندته من خلال تلك الاتحادات التي تستقطب الطلاب القادمين من مختلف أنحاء البلاد. كما يرعى الحزب سكن الطلاب القادمين من مناطق بعيدة، ويروج لأجندته من خلال الكثير من الأنشطة في تلك المساكن.

الطلاب أنفسهم -خصوصاً الذين يتمتعون بصفات قيادية- كانوا يرون أنفسهم كممثلين لأحزابهم في مختلف الكليات؛ حيث يدافعون عن وجهات نظر أحزابهم ويروجون لأجندتهم المختلفة بين الزملاء لاستقطابهم، مستفيدين من العدد الكبير من الطلاب وتنوعه الفريد الذي يشمل كل مناطق اليمن تقريباً.

اقرأ أيضاً: بعد مرور أكثر من عقد.. ماذا تبقى من ثورة الشباب في اليمن؟

الحوثيون، مؤخراً، تخطوا كل الحدود في تسييس الجامعة؛ حيث تتناقل وسائل الإعلام المحلية -والناشطون- مساعي الجماعة الحثيثة لتعديل المناهج التعليمية، وتفضيل الموالين لهم في القبول الجامعي، وتفرض رسوماً باهظة، وتروج بشدة لتعليم اللغة الفارسية.. وغيرها من الإجراءات التي تُظهر بوضوح رغبة الحوثيين في غرس أيديولوجيتهم. وهو ما يرفضه طلاب وكادر الجامعة، ويعبرون عنه بتكتم وحذر شديدَين؛ بسبب الرقابة الصارمة التي يفرضها الحوثيون. 

غرس الأيديولوجية الحوثية

في احتفالية بجامعة صنعاء بمناسبة المولد النبوي، هذا العام، أكد عضو ما يُسمى بالمجلس السياسي الأعلى، محمد علي الحوثي، أن الوعي تجاه قضايا الأمة “يجب أن ينطلق من الجامعات وأساتذتها ومنتسبيها كافة”، مضيفاً: “يجب أن تكون لنا نظرة حقيقية وواعية وتصحيح المناهج؛ فمقررات كثير من الجامعات العربية والإسلامية لا تنتهج الطريقة المحمدية الثابتة والصحيحة”.

ودعا الزعيم الحوثي إلى “ضرورة الارتباط بالقرآن الكريم؛ لتحقيق الهيمنة على الكتب كافة، وأن تبدأ العودة إليه من الجامعات”.

من جانبه، قال رئيس جامعة صنعاء، القاسم عباس، إن الأعراب (في إشارة ساخرة إلى مكة والسعودية) حاربوا رسول الله منذ فجر الدعوة الإسلامية، بينما نصره “أهل اليمن”.

جانب من احتفالية المولد النبوي بجامعة صنعاء 2022- وكالة الأنباء اليمنية سبأ

وكما هو واضح، لا يستهدف الحوثيون تغيير المناهج فحسب؛ بل يسعون لبث خطاب الكراهية ضد دول الخليج؛ وفي مقدمتها السعودية والإمارات، أو ما يطلقون عليه “دول العدوان”، وتعظيم “تفوُّق اليمنيين” كمناصرين للإسلام ومنقذين للمسلمين والإسلام من “أعداء الله” وحلفاء “أعداء الله” في آخر الزمان، ومروجين للمنهج الزيدي الشيعي.

يمكن رؤية المزيد من الدلائل على التوجهات الحوثية لاستغلال واستهداف التعليم والطلاب في جامعة صنعاء من خلال عدة أمثلة أخرى حديثة. من ذلك ما تناقلته وسائل الإعلام من حرمان الحوثيين طلابَ كلية الطب بالجماعة من الالتحاق بما يُعرف بنظام التعليم الموازي، وإجبارهم على الالتحاق -بدلاً عن ذلك- بنظام التعليم على النفقة الشخصية وتحمُّل رسوم دراسية تصل إلى 6000 دولار أمريكي. في المقابل، يُمنح “آل البيت” تسهيلات لافتة للنظر للالتحاق بالجامعة.

تشمل الأمثلة الأخرى رفض الحوثيين قبولَ الطلاب من المجتمعات المهمشة. ومحاولة إدخال فن “الزوامل” إلى المنهج التعليمي (وهو نوع من الغناء اشتهر به الحوثيون بعد الحرب). كل ذلك بالإضافة إلى ما يتعرض إليه كادر التدريس والطلاب من استهداف؛ بما في ذلك الاختطاف والنهب والطرد، لأسباب واهية تنبع من محاولة الحوثيين إحكام السيطرة على الجامعة إدارياً ومالياً وفكرياً.

اقرأ أيضاً: التعليم في اليمن يهدد بمزيد من العنف والفقر

مكان لممارسة التأثير الإيراني

في فبراير، العام الجاري، أعلنت السفارة الإيرانية في صنعاء، افتتاح مركز بحثي في جامعة صنعاء، إضافةً إلى افتتاح قاعات للتعليم عن بُعد في كلية اللغات بالجامعة. وفي الشهر التالي للافتتاح، احتفلت كلية اللغات بتخرج الدفعات “الأولى والثانية والثالثة” من قسم اللغة الفارسية، والذي نظمته الكلية بالتعاون مع السفارة الإيرانية بصنعاء ومؤسسة سعدي لتعليم اللغة الفارسية. علماً بأن الكلية افتتحت قسم اللغة الفارسية في عام 2007؛ إلا أن البرنامج توقف بسبب نقص الكادر والأحداث في اليمن، قبل أن يُستأنف سنة 2015 بعد سيطرة الحوثيين.

خلال الاحتفال، والذي حضره موظفون من السفارة الإيرانية، “تم استعراض المعالم الثقافية والتاريخية والعادات والتقاليد والأكلات الشعبية الإيرانية باللغة الفارسية، ونماذج من القراءات الفارسية وقصيدة باللغة الفارسية”.

يعتبر دعم التعليم والمراكز البحثية وتعليم اللغة الوطنية من الجهود الدبلوماسية الثقافية المهمة التي تستخدمها الدول للحفاظ على العلاقات مع الدول الأخرى أو تحسينها. لقد أصبح من المهم اليوم أن تحافظ البلدان على هوياتها ونشرها؛ إحدى الطرق للقيام بذلك هي من خلال الدبلوماسية الثقافية، والتي تستخدم ثقافة الدولة وفنونها كأدوات لبناء علاقات مع الدول الأخرى.

لوحة مشروع مركز التعليم عن بُعد بدعم إيراني- السفارة الإيرانية في اليمن

تخلق مثل تلك الجهود علاقة قوية بين البلدان وتؤدي إلى فهم وتقدير أعمق لثقافات بعضها؛ فمن خلال مشاركة اللغة مع الآخرين مثلاً، فإنك تمنحهم نافذة على ثقافتك وفهم أفضل لمجتمعك المحلي. وفي حين أن كل ذلك مطلوب ومرحب به بين الدول، إلا أن الأهداف الإيرانية في اليمن ودعم الحوثيين يأتيان في سياق مختلف تماماً؛ حيث يستغل كل منهما ذلك التبادل ويعمل على تنميته لأهداف أيديولوجية مزعزعة للاستقرار في اليمن والمنطقة.

تتعلق الدبلوماسية الثقافية بالانخراط مع الثقافات الأخرى؛ لتعزيز التفاهم المتبادل والتعاون بين الثقافات، وهي استراتيجية تتبناها الدول لبناء علاقات مع بعضها البعض وتعزيز السلام والاستقرار في العالم. من ناحية أخرى، فإن التدخل في شؤون البلد المضيف يشمل محاولة فرض الثقافة الخاصة ببلد ما على بلد آخر؛ وهو أمر يؤدي في كثير من الأحيان إلى الصراع والتوتر بين البلدان. يمانع اليمنيون بشدة، وينتقدون دائماً، محاولة هيمنة طهران والزعماء الحوثيين على الثقافة اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة