الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

جاذبية الشعبوية الذكورية عند النساء

لم يكن دونالد ترامب الرئيس الشعبوي اليميني الوحيد الذي حكم بعدوانية.. ومع ذلك حصل على دعم الكثير من النساء

كيوبوست- ترجمات

جيل لانغلويز♦

أُصيبت ميريام غولارت بالصدمة عندما خسر دونالد ترامب الانتخابات. الأم البرازيلية ذات الخمسة والأربعين عاماً، تؤيد ترامب بشدة، ووصفته بأنه “مثال المثابرة”، وأنه شخص “يريد ما هو أفضل لبلده”، وأنه يذكِّرها برئيس بلادها جاير بولسونارو، الرجل القوي العاصف الذي وصل إلى السلطة على موجة من الغضب الشعبوي، والذي أثار الكثير من الجدل بسبب تعليقاته العلنية حول النساء. قال بولسونارو مرة لعضوة في الكونغرس البرازيلي إنه لن يغتصبها لأنها “لا تستحق ذلك”.

لم يردع مثل هذا الخطاب السيدة غولارت وملايين النساء حول العالم اللواتي يقدرن عالمياً قادة من أمثال ترامب وبولسونارو على الرغم من عدائيتهم للنساء. وعلى الرغم من خسارة ترامب الانتخابات؛ فإن دعمه بين النساء قد ازداد خلال عام 2020. كما أن قادة مثل بولسونارو والرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي، والرئيس البولندي أندريه دودا، لا يزالون يتمتعون بدعم قوي من كثير من النساء؛ ما يوحي بأن هذه الظاهرة لن تختفي قريباً وأن النساء هن مَن يغذينها في كثيرٍ من الحالات. على الرغم من أن خسارة ترامب قد شكلت ضربة لهذا النمط من “الشعبوية الذكورية”، وعلى الرغم من غياب تفسير واحد مشترك لدعم النساء في دول مختلفة لقادة شعبويين ذكوريين وسياسيين يظهرون يتبنون نموذج الهيمنة الذكورية؛ فإنه يمكننا أن نجد بعض العوامل المشتركة بينهم؛ تميل النساء إلى التدين أكثر من الرجال، وهذه حقيقة يستعملها الشعبويون الذكوريون لمصلحتهم. ولطالما استمال ترامب الناخبين المتدينين بقوة؛ حيث صوَّت لصالحه ثلاثة أرباع الإنجيليين البيض في انتخابات 2020. وفي البرازيل، تجتذب ديناميكية مماثلة النساء إلى الرجال الذين يتماشون مع الأعراف التقليدية.

اقرأ أيضاً: الشعبوية لم تُهزم

وجدت إيلين نونس؛ ذات التسعة وعشرين عاماً، في بولسونارو كلَّ ما كانت تبحث عنه في مرشح الانتخابات الرئاسية عام 2018، وقررت أن تصوت للكابتن العسكري السابق الذي وعد باستعادة القيم المسيحية في البرازيل؛ حيث تبلغ نسبة الكاثوليك والإنجيليين نحو 81% من السكان. تقول نونس: “إنه يتحدث عن مبادئ تقوم على الأسرة، نواة المجتمع، وهذا ما نحتاج إليه في بلدنا”؛ فهي قد نشأت في أسرة “كان الرجال فيها رجالاً والنساء نساءً”، وهي لا ترى ضيراً في ما “يعتبره كثيرون تمييزاً جنسياً أو استبداداً من الرئيس”.

بولسونارو يجذب الشعبويين البرازيليين رغم التناقضات- “فاينانشال تايمز”

كلوديا فيلكس؛ برازيلية في عامها التاسع والأربعين، متزوجة وأم لولدين، تشارك نونس في لا مبالاتها تجاه الأمر، وتقول: “الرجال عادة لا تكون ردود فعلهم مثل النساء؛ فهم أكثر صراحة ولا يجاملون، خصوصاً عندما يكونون من العسكريين كما هو الرئيس”.

اقرأ أيضاً: 200 عام تلزمنا حتى الوصول إلى المساواة الكاملة بين الجنسين!

في المناسبات العامة غالباً ما يستخدم بولسونارو اسمه الأوسط “ميسياس”؛ ليقرن نفسه بالمسيح. وقد قال لمؤيديه إن الله اختاره لينقذ شعب البرازيل من فوضى الفساد والعنف واليساريين المتطرفين ودعاة المساواة بين الجنسَين. تقول دانييلا غوميز؛ أستاذة الدراسات الدولية المساعدة الزائرة في كلية ترينيتي- هارتفورد في جامعة مكغيل: “يتصرف داعمو بولسونارو كما لو كانوا مؤمنين به، فهم يقدسونه على جميع الأحوال”.

وفي بولندا فاز دودا بالانتخابات الصيف الماضي بفارقٍ بسيط بعد أن كان قد وصف الدعوة لحقوق المثليين بأنها أيديولوجيا أخطر من الشيوعية، وبعد بضعة أشهر امتدح قرار المحكمة الذي يقضي بأن الإجهاض الذي يتم بسبب تشوه الجنين -السبب وراء معظم حالات الإجهاض في البلاد- هو مخالفة للدستور. (علماً بأنه تراجع نوعاً ما بعد احتجاجات عمَّت البلاد).

دونالد ترامب مثال الرئيس الشعبوي- “بوليتيكو”

أما في الفلبين، فتميل النساء الداعمات للشعبوية الذكورية إلى الرغبة في اتخاذ مواقف متشددة من الجريمة. وقد نصَّب دوتيرتي نفسه حامياً للنساء، وتعتقد كثيرات أنه جعل حياتهن أكثر أماناً. فقد شن دوتيرتي حرباً شعواء على المخدرات أودت بحياة أكثر من 8600 شخص، وفي العام الماضي وقع قانوناً يقضي بتجريم التحرش الجنسي في الأماكن العامة.

بالنسبة إلى الكثير من مؤيديه تشكِّل هذه الإجراءات غطاءً لمواقفه الكثيرة التي يبدو أنها تروج للعنف الجنسي؛ لدرجة أنهم يرون أن ارتفاع نسبة حالات الاغتصاب في مدينته يرجع إلى وجود الكثير من النساء الجميلات فيها. اعتراف دوتيرتي بأنه تحرش بخادمة عندما كان مراهقاً، وطلب من الجنود الفلبينيين أن يطلقوا النار على أرحام النساء المتمردات، قائلاً: “إذا لم يكن لديهن أرحام يصبحن بلا فائدة”. يصر دوتيرتي على أن هذه نكاتٌ، وتصدقه الكثير من النساء الفلبينيات، وعندما قبَّل عنوة امرأة مهاجرة في فعالية في كوريا الجنوبية، اعتبرت الكثير من الفلبينيات أن هذا التصرف دليل على الارتباط وليس انتهاكاً.

أساليب رودريغو دوتيرتي الشعبوية- “فاينانشال تايمز”

ولكن الخطاب الشعبوي الذكوري، الذي عادة ما يصف النساء بأنهن عفيفات يحتجن إلى الحماية، يمكن أن يذهب أدراج الرياح في مواجهة النتائج الفعلية لسياساته. فقد تركت حرب دوتيرتي على المخدرات أعداداً كبيرة من النساء عرضة للخطر من الناحية الاقتصادية والجسدية. وأدى توسُّع ترامب في سياسة مكسيكو سيتي (سياسة تحظر التمويل الفيدرالي للمنظمات غير الحكومية الداعمة لحقوق الإجهاض- المترجم) بشكل كبير إلى قطع التمويل عن خدمات الصحة الإنجابية في الولايات المتحدة والعالم. بولسونارو بدوره قام بتقليص برنامج الرعاية الاجتماعية طويل الأمد الذي يُعرف باسم “بولسا فاميليا” والذي يقدم الدعم المالي إلى 13 مليون عائلة -معظمها أُسر تديرها نساء غير متزوجات- تعيش في فقر وفقر مدقع. وفي روسيا، قام الرئيس فلاديمير بوتين، بإلغاء تجريم بعض أشكال العنف المنزلي. وفي الهند، ارتفع معدل العنف الجنسي ضد النساء في عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي، على الرغم من وعوده بعدم التسامح حياله.

اقرأ أيضاً: تحالف القوميين.. كيف أعاد ترامب ومودي صياغة العلاقات الأمريكية- الهندية؟

ترامب وبوتين وبولسونارو.. ثلاثة قادة شعبويون- “سي إن إن”

ليس من الضروري أن يشكِّل وجود النساء في موقع السلطة علاجاً لهذه الظواهر؛ فعضوة الكونغرس الأمريكي المنتخبة حديثاً مارجوري تايلر غرين، والسياسية الفرنسية مارين لوبين، والسياسية البرازيلية جويس هاسلمن، والعديد غيرهن من الشخصيات النسائية العامة يعتنقن نمطاً سياسياً صارماً مناهضاً للمرأة. تقول سوزي ميريت أستاذة السياسة والمجتمع في جامعة آلبورغ الدنماركية: “تجتذب كاريزما الشعبوية الذكورية الرجال والنساء على السواء”.

وفي الولايات المتحدة، تتجلى هذه الجاذبية بشكل أكبر بين النساء البيض؛ حيث صوَّتت 55% منهن للرئيس ترامب (أعلى بنقطتَين من انتخابات 2016). بينما صوتت معظم النساء السود واللاتينيات لصالح الرئيس المنتخب بايدن (مع أن حصة ترامب من أصواتهن كانت أعلى في انتخابات 2020 من تلك في انتخابات 2016). تقول الدكتورة كريستينا غرير، أستاذة العلوم السياسية والدراسات الأمريكية في جامعة فوردهام: “نحن جميعنا لدينا هويات أو انتماءات متعددة، وأعتقد أن كثيراً من النساء البيض يفضلن هوية اللون على هوية الجنس”.

اقرأ أيضاً: ريّا الحسن.. أول امرأة تواجه الوصاية الذكورية وجنرالات الحرب في لبنان

مع أن هزيمة ترامب لا تشكل إنذاراً بنهاية الشعبوية الذكورية، إلا أنها قد تضعف التحالف بين القادة الذين يحملون مثل هذا التفكير الذي ظهر في السنوات الأخيرة. لم يخف الزعماء الشعبويون الذكوريون تعاطفهم مع بعضهم؛ فالرئيس الصيني شي جين بينغ، وصف بوتين بأنه “أفضل أصدقائه”، ودائماً ما كان بولسونارو يمتدح ترامب؛ بل إنه قال له “أنا أحبك” في اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة العام الماضي، ولكنه واجه خسارة كبيرة في الانتخابات البلدية التي جرت مؤخراً في البرازيل؛ حيث فاز مرشح واحد من أصل 78 مرشحاً وضعوا اسم بولسونارو إلى جانب أسمائهم ليعبروا عن ولائهم للرئيس. وعلى ما يبدو الآن فالرئيس البرازيلي بدأ يحاول أن ينأى بنفسه عن الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته؛ حيث ورد أنه قال بعد خسارة ترامب للانتخابات إنه “ليس أهم رجل في العالم”.

الشعبوية تتقدم في البرازيل- “دويتشه فيله”

ولا ترى غولارت تراجع تأييد بولسونارو في الانتخابات البلدية على أنه خسارة بالنسبة إليه؛ بل نقطة انطلاق على طريق التغيير، وهي متأكدة أنه سيفوز مجدداً في انتخابات عام 2022. وتقول: “لم يمض سوى عامين على صحوة الناس، لا يمكن أن يتغير كل شيء في غضون أربع سنوات، وفي غضون فترة رئاسية واحدة”. لا تزال غولارت تؤمن بأن صلابة بولسونارو العسكرية هي ما تحتاجه البرازيل، إذ تقول: “انظروا إلى ما فعله بالشعب.. لقد جعل الجميع يرون أن كل شيء يسير على أفضل وجه. كيف يمكنك ألا تحب هذا الرئيس؟”.

♦صحفية حرة مقيمة في ساوباولو، البرازيل. تكتب في “نيويورك تايمز” و”فورتشن” و”يو إس توداي”.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة