الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

جابر عصفور .. رحيل الناقد المستنير

ترك جابر عصفور ما يزيد على الستين كتابًا وعشرات الدراسات والأبحاث والترجمات كما نال العديد من الجوائز والأوسمة

كيوبوست- إيهاب الملاح

جابر عصفور أحد أبرز وأهم النقاد المصريين والعرب الذين ظهروا في العقود الخمسة الأخيرة؛ وكان يمثل مع أسماء أخرى، رأس الحربة في تأصيل تيارات الحداثة النقدية والفكرية وما بعدها، في الحياة الثقافية العربية خلال الفترة ذاتها.

ولد جابر عصفور في مارس من العام 1944 بمدينة المحلة الكبرى، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بها، ثم التحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية جامعة القاهرة عام 1962، ويتخرج فيها عام 1965 وكان الأول على دفعته بتقدير ممتاز، ليعين في العام التالي مباشرة معيدًا بالقسم، ويحصل على الماجستير تحت إشراف الدكتورة سهير القلماوي عن رسالته «الصورة الفنية في شعر شعراء الإحياء والبعث».

وفي عام 1973 سيحصل تحت إشرافها أيضًا على الدكتوراه عن رسالته «الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب»، وقد كانت هذه الدراسة فاتحة أكاديمية حقيقية، وبوابة عبور علمية ومنهجية، أمام جيل مثقف واع من الباحثين النابهين في درس التراث العربي والإسلامي، ونقده نقدًا منهجيا، لعل أبرزهم المرحوم الدكتور نصر حامد أبو زيد، والمرحوم الدكتور علي مبروك، ليستهل بعدها مشواره الأكاديمي والبحثي والنقدي الزاخر طوال ما يقرب من نصف القرن.

غلاف كتاب «الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب»

وتكشف رسالتا جابر عصفور السابقتان عن الصورة الفنية، ومفهوم الشعر في التراث النقدي، عن نمط المعرفة العميقة والدقيقة التي تلقاها عن الشعر. فهي دراسات نصيّة ذات طابع نظري، وأرهفت قدرته على التجريد الفلسفي، الذي يتخذ من النصوص الشعرية قرائن وأدلة على سلامة التصورات النظرية، وقدرتها على الإجراء التطبيقي. وسيدرك قارئ هاتين الرسالتين اللتين نشرتا في كتابين مهمين بعد ذلك، ضخامة الجزء المختفي من جيل الجليد، الجزء الذي يتوارى ويلوح كأنه غائب، فيما هو كامن، هناك، يوجّه الناقد، ويحدد لكنته، ويدل على اختياراته.

وفي عام 1981، وعقب صدور كتابه النقدي الضخم «المرايا المتجاورة ـ دراسة في نقد طه حسين» الذي كان يحمل بشارة التطبيق النقدي للمنهج البنيوي الحداثي على واحدٍ من أكبر وأهم المشاريع النقدية في الأدب العربي الحديث، سيساهم جابر عصفور مع صديقه شاعر العربية الراحل صلاح عبد الصبور، والناقد الراحل عز الدين إسماعيل في تأسيس مجلة (فصول) النقدية سنة 1981؛ المجلة التي لعبت أهم دور في ترسيخ المذاهب النقدية الحداثية وما بعدها في مصر والعالم العربي.

رئاسة التحرير

وبعد عشر سنوات من الإسهام في مجلس تحرير المجلة، وصدور مجلداتها الباذخة، ترأس جابر عصفور تحرير مجلته الأثيرة، وخلال الفترة من 1991 وحتى 2003 قدم جابر عصفور مجموعة من الأعداد التاريخية بكل معنى الكلمة؛ فصدرت الأجزاء الثلاثة عن «ألف ليلة وليلة» على شرف رائدة دراسات الليالي د.سهير القلماوي، كما صدرت الأعداد الثلاثة المرجعية عن مثقف القرن الرابع الهجري «أبي حيان التوحيدي» في ذكرى الاحتفال بألفيته، وغيرها من الأعداد التي عالجت “زمن الرواية” و”دراستها”، و”نظريات السرد الحديثة”، وغيرها من الأعداد التي صارات الآن من نوادر وذخائر المجلات العلمية والأكاديمية في العقود الثلاثة الأخيرة.

مارس جابر عصفور التدريس في جامعات مصر والعالم العربي، وأوروبا وأمريكا، وتولى العديد من المناصب المهمة منها أمانة المجلس الأعلى للثقافة في مصر منذ العام 1993، وأسس المركز القومي للترجمة عام 2006 وتولى رئاسته حتى 2010. وفي 2011 سيتولى حقيبة وزارة الثقافة المصرية أثناء ثورة 25 يناير، ولم يمكث خلالها وزيرًا لأكثر من أسبوعين، ويقدم استقالته بعدها.

اقرأ أيضًا: حسن حنفي.. المفكر المثير للجدل!

وفي 2016 سيتولى منصب وزير الثقافة للمرة الثانية، وتنتهي رحلته مع المناصب الرسمية في 2017، ليتفرغ بعدها لإكمال مشروعاته التأليفية المرجعية في النقد الأدبي، ونظرياته وتياراته، ومناهج تحليل الخطاب، وإشكاليات الفكر المعاصر، والنقد التطبيقي المواكب للإبداعات الروائية والقصصية في السنوات الأخيرة.

وفي خطاب عصفور النقدي، منذ البداية، ما يشي بتململه من تيار الوضعية التي غطت بظلالها على أغلب نتاجات النقد العربي الحديث منذ ظهوره، وحتى منتصف القرن العشرين، وهو تململ ظل يكبر حتى صار بالغ الوضوح، وخصوصاً بعد تبنيه المفهوم ما بعد البنيوي عن القراءة المحايثة، ومعوقاتها، وما يوجهها ويؤثر فيها.

وقد عبر عن هذا في دراسة طويلة وعميقة تصدرت كتابه عن «قراءة التراث النقدي». ويبدو أن الناقد كلما ابتعد عن “الجماعة المغلقة” الأكاديمية، واقترب من “الجمهور العام” بتنوعه وغموضه وتعدد طبقاته، اتسعت المسافة بينه وبين المفهوم الوضعي، وصار أقرب إلى النقد بصفته كتابة تجاور بين الخطابات، وتكشف عن طبقاتٍ متراكمة من المعرفة والخبرة.

غلاف كتاب «قراءة التراث النقدي»

ارث ثقافي

ترك جابر عصفور ما يزيد على الستين كتابًا، وعشرات الدراسات والأبحاث والترجمات، توزعت ما بين مجالات دراسة علوم البلاغة التقليدية، والنقد العربي القديم، ومذاهب وتيارت النقد الحديث، ونقد الأنواع الأدبية الحديثة؛ فضلًا على كتبه التي عالجت إشكاليات النهضة والتحديث والتنوير، وهي التي تشكل ما يزيد على نصف هذه الكتب؛ من أشهر أعماله:

«الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب»، «مفهوم الشعر، دراسة في التراث النقدي عند العرب»، «المرايا المتجاورة ـ دراسة في نقد طه حسين»، «قراءة التراث النقدي»، «التنوير يواجه الإظلام»، «محنة التنوير»، «دفاعًا عن التنوير»، «هوامش على دفتر التنوير»، «زمن جميل مضى»، «دفاعًا عن التراث»، «في محبة التراث»، «في محبة الأدب»، «في محبة ألف ليلة وليلة»، «نظريات معاصرة»، «نقد ثقافة التخلف»، «تحديات الناقد المعاصر»، «جامعة دينها العلم»، «مقالات غاضبة»، «دفاعًا عن العقلانية»، و«تحرير العقل».. وغيرها. وآخر ما صدر له كتابٌ بعنوان «متعة القص ـ مراجعات وقراءات» عن الدار المصرية اللبنانية 2021.

اقرأ أيضًا: من التحول إلى الإلحاد.. قراءة لفكر أدونيس في الثابت والمتحوِّل

عبر رحلة حياته العلمية والفكرية والثقافية؛ نال العديد من الجوائز والأوسمة، والتكريمات الرسمية والدولية؛ من أهمها:

جائزة أفضل كتاب في الدراسة النقدية عن كتابه «المرايا المتجاورة ـ دراسة في نقد طه حسين» من وزارة الثقافة القاهرة 1984، وجائزة أفضل كتاب في الدراسات الأدبية عن كتابه «مفهوم الشعر ـ دراسة في التراث النقدي»، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الكويت 1985م، وجائزة أفضل كتاب في الدراسات الإنسانية، معرض الكتاب الدولي، القاهرة 1995م، وحاز الوسام الثقافي التونسي من رئيس جمهورية تونس، أكتوبر 1995م، وحصل على جائزة سلطان بن على العويس الثقافية، الدورة الخامسة 1996-1997 في حقل الدراسات الأدبية والنقدية. وكان آخر ما حصل عليه من جوائز؛ جائزة النيل المصرية عام 2018 عن مجمل إنجازه النقدي والفكري والثقافي، وهي أرفع الجوائز المصرية التي تمنحها الدولة لأبنائها من المتميزين وأصحاب الإنجازات الثقافية والفكرية الكبرى.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات