الواجهة الرئيسيةترجماتصحة

جائحة كورونا ستسرع من وتيرة التاريخ أكثر من إعادة تشكيله

كيوبوست – ترجمات

إننا نمر بما يمثل أزمة كبيرة بكل المقاييس؛ لذا فمن الطبيعي أن نفترض أننا بصدد نقطة تحول في التاريخ الحديث. وفي الأشهر التي تلت ظهور المرض الناجم عن فيروس كورونا المستجد، اختلف المحللون حول نوعية العالم الذي ستتركه الجائحة بعد انتهائها؛ لكن معظمهم يجادلون بأن العالم الذي نقبل عليه سيكون مختلفًا بشكل أساسي عما كان موجودًا من قبل.

اقرأ أيضًا: جائحة فيروس كورونا ستغيِّر النظامَ العالمي إلى الأبد

ويتوقع البعض أن تؤدي الجائحة إلى نظام عالمي جديد بقيادة الصين، بينما يعتقد البعض الآخر أنها ستؤدي إلى زوال زعامة الصين. ويقول آخرون إنها ستنهي العولمة، بينما يأمل البعض الآخر في أن تكون فاتحة لعصر جديد من التعاون العالمي. ولا يزال البعض الآخر يتوقع أنها ستعزز بشدة مفهوم القومية، وتقوِّض التجارة الحرة، وتؤدي إلى تغيير النظام في مختلف البلدان، أو ربما كل ما سبق.

اقرأ أيضًا: فيروس كورونا يفرض تحديًا جديدًا أمام العلاقات الصينية- الأمريكية

لكن من غير المحتمل أن يكون العالم الذي يتبع الجائحة مختلفًا جذريًّا عن العالم الذي سبقها. ولن يغير (كوفيد–19) الاتجاه الأساسي لتاريخ العالم أكثر من كونه سيعمل على تسريع وتيرته. فقد كشفت الجائحة والاستجابة لها عن الخصائص الأساسية للجغرافيا السياسية وعززتها. ونتيجة لذلك، تحمل هذه الأزمة وعودًا بين طياتها بأن تكون نقطة تحول أقل من كونها محطة على طول الطريق الذي كان العالم يسير فيه خلال العقود القليلة الماضية.

عالم ما بعد الولايات المتحدة

كانت إحدى سمات الأزمة الحالية هي النقص الواضح في القيادة الأمريكية. فلم تحشد الولايات المتحدة العالم في محاولة جماعية لمواجهة الفيروس أو آثاره الاقتصادية. كما لم تحشد العالم ليحذو حذوها في معالجة المشكلة، بينما تعتني دول أخرى بنفسها بأفضل ما يمكنها أو تلجأ إلى الذين تجاوزوا ذروة العدوى؛ مثل الصين، للحصول على المساعدة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مؤتمر صحفي للوقوف على مستجدات وباء كورونا- واشنطن 2020

وقد استخدم الرئيس (الحالي) دونالد ترامب، في الغالب، القوة الاقتصادية لمواجهة الأعداء؛ لكنه أنهى بشكل أساسي الوجود الأمريكي في سوريا، ويسعى إلى القيام بالشيء نفسه في أفغانستان، وربما الأكثر أهمية أنه لم يبد اهتمامًا كبيرًا بالتحالفات أو بالحفاظ على الدور التقليدي للولايات المتحدة، في معالجة القضايا الرئيسة العابرة للقومية.

اقرأ أيضًا: بجعة “كورونا” السوداء تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي

وكان احتمال هذا التغيير جزءًا كبيرًا من جاذبية رسالة ترامب التي تضع “أمريكا أولًا”، والتي وعدت بأن الولايات المتحدة ستكون أقوى وأكثر ازدهارًا إذا قلصت جهودها في الخارج، وركزت طاقاتها على القضايا المحلية. وكان هذا الرأي ينطوي ضمنًا على الافتراض بأن الكثير مما فعلته الولايات المتحدة في العالم كان مهدرًا وغير ضروري، وغير مرتبط بالرفاهية المحلية.

هبوط حاد في البورصات العالمية والآسيوية بسبب جائحة كورونا- 2020- (أرشيفية)

وبالنسبة إلى العديد من الأمريكيين، فمن المرجح أن تعزز الجائحة هذا الرأي على الرغم من حقيقة أنه يجب بدلًا من ذلك تسليط الضوء على كيفية تأثر الرفاهية المحلية في بقية العالم. وسوف يقولون إن على الولايات المتحدة التركيز على تصحيح نفسها، وتكريس الموارد للاحتياجات في الداخل بدلًا من الخارج؛ من أجل لقمة العيش بدلًا من الأسلحة. وهو خيار زائف؛ حيث تحتاج البلاد إلى الأمرين كليهما ويمكنها تحملهما، وربما يكون من المحتمل أن تتم مناقشتهما على حد سواء.

مجتمع فوضوي

إن الجائحة التي تبدأ في بلد واحد، وتنتشر بسرعة كبيرة، في جميع أنحاء العالم، هي بالضبط تعريف التحدي العالمي. كما أن ذلك يعد دليلًا آخر على أن العولمة حقيقة وليست خيارًا. وقد أصابت الجائحة البلدان المفتوحة والمغلقة، الغنية والفقيرة، الشرقية والغربية. وما لم نشاهده هو أية علامة على استجابة عالمية ذات مغزى. ولعل انفصال منظمة الصحة العالمية تقريبًا عن الوضع، رغم أنها من المفترض أن تكون واجهة أساسية في التصدي للتهديد القائم، يشير إلى الحالة السيئة للحوكمة العالمية.

حالة من الهلع الشرائي سيطرت على المواطنين في إيطاليا بعد تفشي فيروس كورونا- فبراير 2020

ولكن في حين جعلت الجائحة هذا الواقع واضحًا بشكل خاص، فإن اتجاهات أساسية سبقته منذ فترة طويلة؛ وهي ظهور تحديات عالمية لا يمكن لأية دولة، مهما كانت قوتها، أن تواجهها بمفردها؛ خصوصًا مع فشل المنظمات العالمية في مواكبة هذه التحديات. والواقع أن الفجوة بين المشكلات العالمية، والقدرة على مواجهتها، تقطع شوطًا طويلًا نحو تفسير حجم الوباء.

اقرأ أيضًا: حان الوقت لإدخال الصين في عزلة نتيجة عدم أمانتها في التعامل مع فيروس كورونا

إن الحقيقة المحزنة التي لا مفر منها، هي أنه على الرغم من استخدام عبارة “المجتمع الدولي”، كما لو كانت موجودة بالفعل؛ فإنها في الغالب تبقى عبارة طموحة، تنطبق على جوانبَ قليلة من الجغرافيا السياسية اليوم. ولن يتغير هذا في أي وقت قريب.

ولعل أحد أسباب هذا التشاؤم هو أن التعاون بين أقوى دولتين في العالم ضروري لمواجهة معظم التحديات العالمية، غير أن العلاقات الأمريكية- الصينية كانت تتدهور لسنوات. وهذا الوباء يفاقم الاحتكاك بين البلدين. وفي واشنطن، يحمل الكثيرون الحكومة الصينية المسؤولية، وذلك بفضل أسابيع من التستر والخمول؛ بما في ذلك الفشل في إغلاق مدينة ووهان على الفور، حيث بدأ تفشي المرض، والسماح لآلاف المصابين بالمغادرة، ونشر الفيروس في مناطق أبعد.

نقل مساعدات طبية قدمتها الصين إلى ميانمار- أبريل 2020

إن محاولةَ الصين، الآن، تصوير نفسها على أنها تقدم نموذجًا ناجحًا للتعامل مع الوباء، واستخدام هذه اللحظة كفرصة لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء العالم، ستضيف المزيد إلى العداء الأمريكي، وفي الوقت نفسه فلن تغير شيئًا بشأن الأزمة الحالية، خصوصًا وجهة نظر الصين بأن الوجود الأمريكي في آسيا هو حالة تاريخية شاذة، أو تقلل من استيائها من سياسة الولايات المتحدة بشأن مجموعة من القضايا؛ بما في ذلك التجارة، وحقوق الإنسان، وملف تايوان.

اقرأ أيضًا: بسبب “كورونا”.. إيران تطلب قرضًا من صندوق النقد ومساعٍ بريطانية لتخفيف العقوبات

وقد اكتسبت فكرة “الفصل” بين الاقتصادين جاذبيةً كبيرة قبل الوباء، مدفوعةً بمخاوف في الولايات المتحدة من أنها أصبحت تعتمد بشكل كبير على خصم محتمل في العديد من السلع الأساسية، وأنها عرضة بشكل مفرط للتجسس الصيني، وسرقة الملكية الفكرية. وبالتالي، فإن الدافع للانفصال سينمو نتيجة للوباء، ويعود ذلك جزئيًّا إلى المخاوف بشأن الصين.

مواطنون يصطفون للحصول على وجبات غذائية من جمعيات خيرية تحت إشراف الشرطة- باكستان مارس 2020

وتأتي المقاومة، في معظم أنحاء العالم المتقدم، لقبول أعداد كبيرة من المهاجرين واللاجئين، كاتجاه كان مرئيًّا على الأقل خلال نصف العقد الماضي؛ وهو من العوامل التي سوف تزيد من حدة الآثار المترتبة على وباء كورونا. وسيكون ذلك بسبب القلق من خطر استيراد الأمراض المعدية، كما أن البطالة المرتفعة ستجعل المجتمعات حذرة في قبول الغرباء. وسوف تنمو هذه المعارضة حتى مع استمرار زيادة عدد النازحين واللاجئين بشكل ملحوظ؛ إذ لم تعد الاقتصادات قادرة على دعم شعوبها.

اقرأ أيضًا: “كورونا” في إيطاليا.. هل ما زلنا قادرين على التضحية؟

وستكون النتيجة معاناة إنسانية واسعة النطاق، وأعباء أكبر على الدول التي لا تستطيع تحملها. وقد كان ضعف الدولة مشكلة عالمية كبيرة لعقود، ولكن الخسائر الاقتصادية لوباء كورونا ستخلق دولًا أكثر ضعفًا أو فاشلة تمامًا. ومن شبه المؤكد أن هذا سوف يتفاقم بسبب مشكلة الديون المتزايدة؛ فقد كان الدين العام والخاص في معظم أنحاء العالم بالفعل في مستويات غير مسبوقة، والحاجة إلى الإنفاق الحكومي لتغطية تكاليف الرعاية الصحية، ودعم العاطلين عن العمل، ستؤدي إلى ارتفاع الدين بشكل كبير.

محاولات الأمن للسيطرة على مخيم للاجئين الفلسطينيين جنوب لبنان بعد اكتشاف إصابات بـ”كورونا”- أبريل 2020

ومن المرجح أن يفاقم الوباء الركود الديمقراطي الذي كان واضحًا منذ 15 عامًا. وستكون هناك دعوات إلى دور حكومي أكبر في المجتمع؛ سواء أكان ذلك لتقييد حركة السكان أم لتقديم المساعدة الاقتصادية. وسوف يتعامل الكثيرون مع الحريات المدنية على أنها من ضحايا الحرب، وأنها رفاهية لا يمكن تحملها في الأزمات. في الوقت نفسه، ستظل التهديدات التي تشكلها الدول غير الليبرالية؛ مثل روسيا وكوريا الشمالية وإيران، موجودة بمجرد توقف انتشار الوباء. وفي الواقع، ربما تكون تلك التهديدات قد تزايدت مع توجيه الانتباه في مكان آخر.

اقرأ أيضًا: القارة الإفريقية ووباء كورونا.. السيناريو الأسوأ عالميًّا لم يبدأ بعد

مزيد من الفوضى

منذ أكثر من 3 سنوات، نشرت كتابًا بعنوان «عالم الفوضى»، وهو كتاب يصف مشهدًا عالميًّا لزيادة التنافس بين القوى العظمى، والانتشار النووي، ودول ضعيفة، وزيادة تدفق اللاجئين، وتنامي النزعة القومية، إلى جانب انخفاض دور الولايات المتحدة في العالم. وما سيتغير نتيجة الوباء ليس حقيقة الفوضى ولكن مداها.

أعمال شغب في أحد السجون بإيطاليا- مارس 2020

ومن الناحية المثالية، ستجلب الأزمة التزامًا متجددًا ببناء نظام دولي أكثر قوةً، مثلما أدت كارثة الحرب العالمية الثانية إلى ترتيبات تعزز السلام والازدهار والديمقراطية، لما يقرب من ثلاثة أرباع القرن. وسيشمل مثل هذا النظام تعاونًا أكبر لرصد تفشي الأمراض المعدية والتعامل مع عواقبها، بالإضافة إلى مزيد من الاستعداد للتصدي لتغير المناخ، ووضع قواعد للفضاء السيبراني، ومساعدة المجبرين على الهجرة، ومعالجة الانتشار النووي والإرهاب.

اقرأ أيضًا: أزمة “كورونا” العالمية في عصر ما بعد الحقيقة!

ولكن ليس هناك سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن الماضي سيكرر نفسه بعد هذه الكارثة العالمية الأخيرة. فالعالم اليوم ليس مهيئًا ببساطة إلى أن تتم إعادة تشكيله، أو أن يتم توزيع السلطة في أياد أكثر؛ سواء أكانت دولًا أم غيرها، مقارنة بأي وقت مضى. حيث يغيب التوافق في أغلب القضايا، كما تتجاوز التقنيات والتحديات الجديدة القدرة الجماعية على التعامل معها. ولا يوجد بلد واحد الآن يتمتع بالمكانة التي كانت تتمتع بها الولايات المتحدة عام 1945.

المصدر: فورين أفيرز

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة