الواجهة الرئيسيةصحة

جائحات الكوليرا.. تاريخ أسود يأبى الانقطاع

كيوبوست – مدى شلبك

تأخذ رواية “الحب في زمن الكوليرا” للكاتب الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز، قارئها في سيل من أحداث؛ قصة حب بدأت في مدينة ساحلية بمنطقة الكاريبي خلال (1880- 1930)، بين حبيبَين في مرحلة المراهقة، خلال انتشار وباء الكوليرا؛ وهو مرض يسبب حالة من الإسهال الحاد نتيجة إصابة الأمعاء ببكتيريا الضمة الكوليرية.

لا تنتهي العلاقة بينهما بالفراق، بل بالتأجيل؛ فإن العاشق فلورنتينو أريثا، لا يستسلم لهزيمته بعد أن تزوجت حبيبته فيرمينا داثا، بالطبيب اللامع وابن العائلة المرموقة جيفينال إيربينو، بل يقرر أريثا أن ينتظر حتى موت الطبيب إيربينو؛ لكي يرتبط بحبيبته من جديد، وبناءً عليه ينتظر أريثا خمسين عامًا.

غلاف رواية “الحب في زمن الكوليرا”

في نهاية الرواية، كانت الكوليرا هي الحيلة التي لجأ إليها فلورنتينو؛ ليبقى برفقة حبيبته فيرمينا، عندما رفع العلم الأصفر (رمز الوباء) على سارية السفينة التي كانت تحمل الحبيبَين، ضامنًا بذلك أن تواصل السفينة رحلتها التي لن تنتهي.

كان 1930 هو العام الأخير الذي تدور فيه أحداث “الحب في زمن الكوليرا”، أما بداية المرض ذاته فيُعيدها المؤرخ البرتغالي غاسبار كوريا، إلى ربيع عام 1543 في دلتا الغانج، التي تقع في منطقة جنوب آسيا بين الهند وبنغلادش، وحينها كان معدل الوفيات مرتفعًا لدرجة أن السكان المحليين بذلوا جهدًا عظيمًا ليتمكنوا من دفن جميع القتلى الذين ماتوا بعد 8 ساعات من ظهور الأعراض عليهم، والمتمثلة في الإسهال الشديد والقيء وتشنجات الساق والجفاف والصدمة الإنتانية.

شاهد: فيديوغراف.. الطاعون في العصر الأموي

الجائحة الأولى للكوليرا

بقي مرض الكوليرا حبيس دلتا الغانج إلى أن بدأ الناس في السفر على طول الطرق التجارية التي أنشأها الأوروبيون، ونتيجة لذلك خرج المرض من موطنه عام 1817 ووصل إلى منطقة جيسور في بنغلادش، ثم انتشر سريعًا في الهند وميانمار وسريلانكا.

على مدى السنوات الست التالية ذاع الوباء في دول آسيوية أخرى كالصين واليابان وإندونيسيا والفلبين، عن طريق المصابين الذين نقلوا العدوى خلال تنقلهم على متن السفن، موديًا بحياة 100 ألف شخص في جزيرة جاوة وحدها.

في عام 1821، تجاوز الوباء آسيا ووصل إلى أماكن أكثر بُعدًا؛ فبمجرد أن وصلت القوات البريطانية إلى عُمان، قادمة من الهند، تفشَّى المرض في منطقة الخليج العربي؛ ليصل بعد ذلك إلى أوروبا. يعود الفضل إلى الشتاء القارس عام 1823- 1824، الذي كان كفيلًا بالقضاء على الوباء بعد ست سنوات من الانتشار.

اقرأ أيضًا: الحرب البيولوجية منذ عصر اليونان حتى “كورونا”

جولات متتالية

بحلول عام 1829 ظهر وباء الكوليرا مجددًا، ويعتقد أنه نشأ في الهند وانتشر على طول الطرق التجارية والعسكرية؛ لينتقل إلى شرق ووسط آسيا والشرق الأوسط. ومع بداية خريف عام 1830، وصل الوباء إلى موسكو، إلا أن انتشاره تباطأ خلال فصل الشتاء، لكنه عاد إلى الحياة خلال ربيع عام 1831، مدركًا فنلندا وبولندا، ثم إلى المجر وألمانيا؛ لينتشر بعدها في جميع أنحاء أوروبا.

عبر ميناء سندرلاند، دخل المرض بريطانيا لأول مرة أواخر عام 1831. اعتمدت بريطانيا عدة إجراءات للحد من الانتشار؛ بما في ذلك الحجر الصحي، لكن الخوف سيطر على الشعب الذي فقد ثقته في شخصيات السلطة، والصحافة التي نشرت تقارير غير دقيقة، بناءً عليها افترض الناس أن القتلى الذين ماتوا في المستشفى أكثر من أولئك الذين فقدوا حياتهم في منازلهم نتيجة المرض، كل ذلك أفضى إلى أعمال شغب في مدينة ليفربول.

اقرأ أيضًا: التغير المناخي والأوبئة الجديدة.. هل نحن مستعدون؟

في عام 1832، وصلت الكوليرا إلى الأمريكتَين، وعلى مدى العامَين التاليين انتشرت الكوليرا في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ووصلت المكسيك وكوبا. عام 1833، تواصلت الجائحة الثالثة للكوليرا على مدى سبع سنوات بين 1852- 1859، وكانت عنيفة. ما بين 1852- 1923، شهد العالم أربعة أوبئة كوليرا أخرى.

خرائط سوهو

خلال الجائحة الثانية للكوليرا وصل الوباء إلى لندن عام 1832، حينها ساد اعتقاد مفاده أن سبب انتشار الكوليرا يكمن في ضباب سام فيه جزيئات من مواد متحللة، واعتبر الناس أن الكوليرا تنتقل عبر الهواء.

الطبيب وعالم الأوبئة البريطاني جون سنو

إلا أن طبيبًا بريطانيًّا كانت له وجهة نظر مختلفة، ألا وهو أب علم الأوبئة، جون سنو، الذي تتبع الحالات المصابة بالاعتماد على خرائط منطقة “سوهو” في لندن، وفحص إمدادات المياه؛ ليدرك أن مضخات المياه لها صلة بعدد الحالات المصابة، وأن الأشخاص الذين يعيشون في منازل مزودة بمياه شركة “لامبيث” كانوا أقل عرضةً للإصابة بالكوليرا من الأشخاص الذين يحصلون على المياه من شركتَي “Southwark” و”Vauxhall Company”.

اقرأ أيضًا: الإنفلونزا الإسبانية.. أم جميع الأوبئة الحديثة

بعدها طرح سنو نظريته حول انتقال بكتيريا الكوليرا من خلال كُتيب بعنوان “حول طريقة الاتصال بالكوليرا”، تبعه كتاب “إحساسنا بالثلج” الصادر عام 1855، وأثبت فيه سنو أن مصدر الكوليرا هو الماء وليس الهواء، بينما تمكَّن عالم الأحياء الدقيقة الإيطالي فيليبو باتشيني، من الكشف عن نوع البكتيريا المسببة للكوليرا على وجه التحديد، وأطلق عليها اسم “الضمة الكوليرية”؛ وهي بكتيريا تعيش بالمياه فعلًا.

بكتيريا الضمة الكوليرية

حصدت جائحات الكوليرا السبع ملايين الأرواح حول العالم. أما التفشيات الحديثة للكوليرا فكان آخرها عام 2017 في اليمن، وقبلها في عدة دول إفريقية وآسيوية منذ عام 2002.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة