الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دوليةشؤون عربية

ثلاثون عاماً من القطيعة السعودية- التايلاندية.. ما الذي تغير؟

عودة العلاقات إلى طبيعتها بين السعودية وتايلاند تمهد -حسب مراقبين- لإطلاق مشروعات وشراكات بين البلدين في المجالات كافة

كيوبوست

طوت الزيارة الرسمية لرئيس وزراء تايلاند الجنرال برايوت تشان أوتشا، إلى السعودية، بدعوة تلقاها من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، صفحة الخلافات بين البلدَين التي تعود إلى أكثر من ثلاثة عقود لم تكن مضيئة في تاريخ العلاقات بين الرياض وبانكوك؛ لتكون الزيارة بمثابة إعلان بدء عودة العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين السعودية وتايلاند إلى ما كانت عليه قبل عام 1989م بعد التوصل إلى تفاهمات والتزامات ببذل جميع الجهود لضمان سلامة المواطنين السعوديين.

الزيارة أنهت أعواماً من الخلافات الدبلوماسية والقطيعة السياسية بين البلدَين انطلقت شرارتها عام 1989، وألقت بظلالها ما يقارب 33 عاماً، خسرت فيها تايلاند عشرات المليارات من الدولارات نتيجة إيقاف المملكة استقدام العمالة التايلاندية، والسفر والسياحة السعودية إلى تايلاند، علاوة على تقليص التعاملات الاقتصادية والتجارية.

وتعد هذه الزيارة الأولى من نوعها لمسؤول تايلاندي بهذا الحجم، منذ تخفيض العلاقات الدبلوماسية بين البلدَين إلى الحد الأدنى من التمثيل عام 1990، على خلفية مقتل دبلوماسيين ورجل أعمال سعودي في بانكوك وتورط عناصر من الشرطة التايلاندية في تلك الجرائم، بينما يقول مصدر تايلاندي لـ”كيوبوست”: إن الحكومة التايلاندية قدمت في ذلك الحين أدلة تثبت تورط عناصر أجنبية، تابعة لـ”حزب الله” اللبناني والحرس الثوري الإيراني في قضية مقتل الدبلوماسيَّين السعوديَّين، وتنفي تماماً علاقة مقتلهما بقضية السرقة المشهورة للمجوهرات، بينما لا تزال ملابسات قضية مقتل رجل الأعمال السعودي غير واضحة، أو محسومة أمام القضاء التايلاندي، الذي أفرج قبل بضع سنوات عن قيادات الشرطة التايلاندية المتهمة في القضية لعدم كفاية الأدلة بعد أن أمضوا سنوات في السجن والإيقاف والتحقيق والمحاكمات دون صدور حكم.

الشرطة التايلاندية تقول إنها قبضت على السارق وتوصلت إلى المسروقات- أرشيفية

عودة العلاقات

عودة العلاقات إلى طبيعتها بين السعودية وتايلاند، تمهد، حسب مراقبين، لإطلاق مشروعات وشراكات بين البلدَين في المجالات السياسية والأمنية والصناعية والتجارية والاستثمارية والسياحية والزراعية، وكذلك التعاون في مجالات الطاقة والبتروكيماويات والمجالات الأخرى المهمة، إضافة إلى تسهيل التنقل والسـفر لأغراض التجارة والسياحة والاستشفاء لمواطني البلدَين واستكشاف مجالات الاستثمار والفرص المتاحة في ضوء رؤية المملكة 2030 وأولويات التنمية في تايلاند.

العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وتايلاند بدأت عام 1957، ثم جرى تخفيضها إلى مستوى القائم بالأعمال عام 1989، بعد اتهام عامل يحمل الجنسية التايلاندية يُدعى “كرينانغكاري تيشامونغ”، بسرقة مجموعة من الأحجار الكريمة والمجوهرات الثمينة؛ بما في ذلك قطعة نادرة تُسمى “الماسة الزرقاء” عيار 50 قيراطاً تقدر قيمتها بنحو 20 مليون دولار، من داخل قصر الأمير فيصل بن فهد، وهو أول أبناء الملك فهد بن عبدالعزيز الذي كان يجلس على العرش، آنذاك، وقد استطاعت السلطات التايلاندية القبض على الجاني، والحكم عليه بتهمة السرقة، وإعادة المسروقات، بيد أن هذه المسروقات لم يصل منها في المحصلة سوى 20%، بينما تم تزوير البقية، ووجدت عائلة تاجر المجوهرات التايلاندي الذي اشترى تلك المجوهرات من السارق، مقتولة، بينما قيل إنه حادث سيارة.

سارق المجوهرات كرينانغكاري تيشامونغ- “بي بي سي تايلاند”

ويقول المحلل الاستراتيجي والخبير في الشؤون الدولية، أحمد آل إبراهيم: إن المملكة العربية السعودية وتايلاند أعلنتا طي صفحة التوترات وإعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما بالكامل، وتعيين السفراء في عاصمتَي البلدَين في المستقبل القريب، في خطوة تاريخية نتيجة جهود طويلة الأمد على مختلف المستويات من قِبل الجانبَين؛ من أجل إعادة الثقة المتبادلة وعلاقات الصداقة بين البلدَين.

وأضاف آل إبراهيم لـ”كيوبوست”: “إن العلاقات بين البلدين لفتت خلال الأيام الماضية أنظار العالم؛ خصوصاً أن البلدَين يتمتعان بنظام ملكي ورغبة في التطوير والتنمية الشاملة، وهو ما تسير عليه السعودية بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، استناداً إلى رؤية 2030، إضافة إلى تصفير أية مشكلات مع الدول إلى أبعد حدود، وبما يتماشى مع الأمن القومي السعودي”.

اقرأ أيضاً: هل يعكس التعاون العسكري بين الصين والسعودية توتراً مع الحليف الأمريكي؟

وأوضح آل ابراهيم أنه تم خلال لقاء ولي العهد ورئيس الوزراء التايلاندي، الاتفاق على طي صفحة الماضي؛ وهو فرصة جديدة لتايلاند كي تستغل بطريقة إيجابية باعتبار أن السعودية ومنطقة الخليج العربي والشرق الأوسط هي منطقة واعدة جداً؛ خصوصاً لدول مثل تايلاند، شريطة الالتزام بالمواثيق والأعراف الدولية، واحترام سيادة الدول، وحماية المواطنين، ومكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الأمنية التي تعزز الاستقرار بين أية دولتَين. وتابع: كذلك الأمر فالسعودية تعلم أن تايلاند سوق ناشئة ومتقدمة، وهناك استفادة للصادرات السعودية؛ خصوصاً لمنتجات شركة “أرامكو” هناك.

أحمد آل إبراهيم

وأعقب حوادث السرقة تعرُّض ثلاثة دبلوماسيين سعوديين في تايلاند إلى عمليات اغتيال خلال عام 1990، بينما قُتل أيضاً رجل أعمال سعودي قيل إنه كانت لديه معلومات مهمة بشأن قضية سرقة المجوهرات.

وتوترت العلاقات بين الرياض وبانكوك بعد سلسلة الحوادث التي وقعت بين عامَي 1989 و1990؛ حيث كانت تعتقد السعودية أن السلطات التايلاندية متواطئة في التستر على بعض كبار الضباط الذين أسندت إليهم التحقيقات والذين تتهمهم بالتورط في تقاسم المجوهرات، وتزييفها، بينما لم يُدَن أحد بارتكاب جرائم قتل الدبلوماسيين السعوديين.

وقد منعت السعودية مواطنيها من السفر إلى الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا لسلامتهم، ونتيجة للأزمة الدبلوماسية الحادة التي نشبت بسبب قضية السرقة وما أعقبها من مقتل المواطنين السعوديين، بمَن فيهم الدبلوماسيون.

رجل الأعمال السعودي المغدور محمد الرويلي- أرشيفية

تايلاند حاولت مراراً، وطيلة العقود الماضية، إصلاح علاقاتها مع السعودية، وفي عام 2016م وافقت السعودية مبدئياً على نقاط مشتركة باعتبارها أساساً لاستئناف المفاوضات بشأن إعادة العلاقات إلى ما كانت عليه بعد وساطة من مملكة البحرين، قادها رئيس الوزراء الراحل الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة.

إحدى جلسات المفاوضات السعودية- التايلاندية بوساطة بحرينية- أرشيفية

اقرأ أيضاً: أردوغان في السعودية.. زيارة الفرصة الأخيرة

وبلغ حجم التبادل التجاري بين المملكة ومملكة تايلاند أكثر من 18 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية؛ حيث بلغت قيمة صادرات المملكة العربية السعودية إلى مملكة تايلاند خلال عام 2021، 3 مليارات و849 مليون دولار مقارنة بـ3 مليارات و280 مليون دولار في عام 2020.

بينما بلغت واردات تايلاند إلى السعودية عام 2021 نحو مليار و901 مليون دولار، مقابل مليارَين و274 مليون دولار في العام الذي قبله، وهي في المجمل تعد أرقاماً كبيرة، إذا ما قورنت بما كانت عليه في أوج الأزمة.

عماد المديفر

وفي تقدير المحلل والباحث في الإعلام السياسي والدبلوماسية العامة عماد المديفر، تعد مسألة اغتيال الدبلوماسيين ورجل الأعمال السعودي، هي السبب الرئيس وراء الخلافات؛ لا سيما أن مسؤولاً سعودياً رفيعاً قال بعد ما يقارب الخمسة عشر عاماً من التحقيقات والمفاوضات ومحالات الجانب التايلاندي استرضاء السعوديين، بما في ذلك تقديم تعويضات مالية بقيم المجوهرات المفقودة: “لا يحدثونا عن المجوهرات.. لا تهمنا.. ما يهمنا هو دماء أبنائنا”، في إشارة إلى مقتل الدبلوماسيين الثلاثة ورجل الأعمال الرويلي. ولا شك في أن هذه الجرائم كسرت كل الأعراف والقوانين الدولية والدبلوماسية، بيد أن القيادات الأمنية والعسكرية ومصادر القوى، والحكومات قد تبدلت في تايلاند، وزج بعديد من قيادات الشرطة ممن وجهت إليهم أصابع الاتهام، بالسجون، لفترات مطولة وَفق ما يسمح به القانون التايلاندي، وتم تجديد تلك الفترات طيلة سير التحقيقات، ورغم أن الادعاء العام لم يستطع أن يثبت عليهم التهم بالأدلة القاطعة، وتم إطلاق سراحهم؛ فإنه تم تجريدهم من مناصبهم بشكل أو بآخر، وبعضهم اتجه إلى الرهبنة بعد خروجه من السجن، موضحاً أن القيادات التايلاندية على مر تلك السنين لم تفتأ وهي تقدم الاعتذارات والعهود، والوعود ببذل قصارى جهدها لمعرفة الحقيقة ومحاكمة الجناة، ويضيف المديفر: اليوم تأتي زيارة رئيس وزراء تايلاند لتدشن مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والتجاري والسياسي والسياحي بين المملكتَين.

شالور كيردثيس قائد الشرطة المتهم بقتل أسرة تاجر المجوهرات التايلاندي في صومعته بعد أن ترهبن.. ولا يزال ينكر كل التهم الموجهة إليه- أرشيفية من الإعلام التايلاندي

وأضاف المديفر: “الرياض وبانكوك تسعيان إلى علاقات تعاون في المجالات كافة، التي من شأنها أن تحقق مصلحة شعبيهما، وطي صفحة الماضي لتفتح المزيد من الآفاق المستقبلية بين السعودية وتايلاند؛ خصوصاً أن الاقتصاد السعودي ضمن أقوى 20 اقتصاداً بالعالم، والاقتصاد التايلاندي هو الآخر يأتي في المرتبة 22 على مستوى العالم، ولم تعد تايلاند اليوم كما كانت عليه قبل ثلاثين عاماً”.

وتابع: لا شك أن لدى التايلانديين الرغبة الحقيقية في إرضاء المملكة، وهو ما تم التأكد منه طيلة فترة المفاوضات، كما كان لوساطة مملكة البحرين، بما تمتلكه من علاقات متميزة مع البلدين، وعلاقاتها المقربة والخاصة بالقصر الملكي التايلاندي، دور مهم في وضع حد لهذه القضية التي سقطت بالتقادم وَفق القانون التايلاندي، بيد أن ما قدمه الطرف التايلاندي في سبيل إعادة العلاقات يعد بلا شك بادرة حسن نية، قابلتها على الطرف الآخر مقاربة سعودية حكيمة، وهو ما سينعكس بالتالي على تعزيز مصالح البلدين”. وختم: “السعودية اليوم، برؤيتها الطموحة 2030، تتجه لتصبح منصةً اقتصادية تجاه المنطقة وإفريقيا وأوروبا أيضاً، والبلدان يعولان على الزيارة لفتح آفاق تعاون، وبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل وتوقيع اتفاقيات من شأنها تنظيم وتعظيم العمل والمكاسب بين البلدَين الصديقَين”.

اقرأ أيضاً: وسط مخاوف إقليمية.. الإمارات وتركيا تحسنان علاقاتهما

هاني السرحان

السرحان: بانكوك كانت حريصة على عودة العلاقات مع الرياض تقديراً منها لدور السعودية

وحسب المحلل السياسي الدكتور هاني السرحان، فإن اغتيال الدبلوماسيين السعوديين في تايلاند، قاد الرياض لاتخاذ إجراءات خاصة تجاه علاقاتها مع بانكوك، مضيفاً لـ”كيوبوست”: “اللقاءات بين الجانبين تتم منذ عام 2016، وجاءت زيارة رئيس الوزراء التايلاندي إلى الرياض بعد اطمئنان المملكة كلياً، بقيام الحكومة التايلاندية بكل جهد ممكن في معالجة هذه المسألة، والبحث عن كل المتورطين في الجرائم التي ارتكبت في الماضي”.

وأكد السرحان أن بانكوك كانت حريصة على عودة العلاقات مع الرياض، تقديراً منها لدور السعودية؛ خصوصاً أن هناك اطمئناناً سعودياً تجاه جهود الحكومة التايلاندية، في قضايا اغتيال مواطنيها، وتوجد رغبة لإعادة العلاقات، قادتها فرق مختصة من الجانبين، سواء على مستوى وزراء الخارجية أو اللجان وفرق العمل، التي كانت تتناول الملفات في هذا الجانب.

وأضاف: “هناك خطة عمل تسير عليها السعودية، تقوم على تنويع المصادر الاقتصادية، وبناء وتعزيز الدور الريادي إقليمياً ودولياً، والتواصل مع المجتمعات، والوصول إلى حل مقنع للمشكلات”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة