الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

تونس.. محاضرة داعية سلفي تعيد جدل استضافة دعاة التطرف

محاضرة داعية سلفي مصري في قصر العلوم بالمنستير تثير جدلاً كبيراً في البلاد وتجدد المخاوف بشأن نشاط الجمعيات التي أسست فترة حكم حركة النهضة

كيوبوست

فتحت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتونس تحقيقاً حول المحاضرة التي ألقاها داعية مصري في مقر قصر العلوم بالمنستير وسط شرق البلاد، بعد أن أثارت دعوة الداعية جدلاً كبيراً في تونس، وأعادت المخاوف بشأن استغلال الإسلاميين في تونس انشغالَ الدولة بملفات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة؛ لتجديد نشاطهم تحت غطاء جمعياتي وثقافي خطير موجه هذه المرة إلى فئة الأطفال؛ في محاولة لخلق ناشئة حاملة لأفكارهم بعد أن تعذر عليهم استقطاب الشباب.

ومساء السبت، 20 أغسطس الماضي، قدم الداعية المصري والعضو القيادي في حزب النور السلفي، شريف طه، محاضرة في قصر العلوم بالمنستير بعنوان “طفلي لا يحفظ”، بدعوة من مركز العلم والعمل بتونس.

اقرأ أيضًا: أبناؤكم في خدمتكم: دعاة الجهاد في تونس

مختلف مكونات المجتمع المدني نددت بالحادثة، مستنكرةً استضافة ما وصفته بـ”المتطرف” ليحاضر أمام أطفال، على غرار الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي التي نددت، في بيان أصدرته الثلاثاء، 30 أغسطس، بفتح فضاءات قصر العلوم بالمنستير لدعاة الفتن والعنف والفرقة المجتمعية.

واعتبرت الجامعة أن محتوى المحاضرة يدخل ضمن ثقافة تؤسس للفتن والتفقير الفكري، وأنه تم استغلال المحاضرة لبيع كتب تصب في الاتجاه نفسه، معربةً عن رفضها القاطع لجعل أية مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، بمختلف أنواعها، منبراً لدعاة الفتن والتطرف والتكفير، منبهةً إلى ضرورة عدم تكرار مثل هذه المحاضرات في فضاءات جُعلت للعلم والمعارف ولنشر الفكر النير.

جمعيات وفروع تنظيمات إسلامية نشطت برعاية “النهضة” بتونس- (صورة وكالات)

جمعيات “النهضة”

وأعادت محاضرة الداعية المصري الجدلَ حول نشاط الجمعيات والمعاهد وفروع التنظيمات الإسلامية التي تتهم في تونس بأنها تروج أفكاراً دينية متطرفة تتعارض مع الثقافة الدينية وقيم الدولة المدنية في البلاد، ويقدم بعضها تعليماً دينياً موازياً للتعليم الذي تقدمه المؤسسات التربوية الرسمية التونسية. وتعالت الأصوات مجدداً؛ خصوصاً من المجتمع المدني، مطالبةً بتدخل الدولة لوضع حد للنشاط العشوائي للجمعيات وفروع التنظيمات في تونس.

رئيس المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة منير الشرفي، استنكر الحادثة، مطالباً الرئيس التونسي قيس سعيد، بالتحرك لتقليم الجمعيات “الإرهابية”، وغلق الفضاءات التي تتعارض مع مدنية الدولة وتهدد الأجيال القادمة فكرياً.

اقرأ أيضاً: حزب جديد على أنقاض “النهضة” في تونس.. فرص النجاح أو الفشل!

وقال لـ”كيوبوست”: “نعلم جميعاً في تونس أن قصر العلوم بالمنستير مرفق عام يتبع وزارة التعليم العالي، وأنه قد أنشئ لبث الفكر النقدي المتطور المرتكز على العلوم الحديثة، وليس لبث الخطب الرجعية وللترويج للكتب الصفراء. ولهذا فإن السؤال المطروح بقوة اليوم؛ هو: هل السلطات الإدارية والأمنية ووزارة التعليم العالي قد سمحت بهذه التظاهرة أم أنها تمت بمبادرة شخصية من مدير قصر العلوم المعروف بانتمائه السياسي (حركة النهضة)؟ وفي انتظار ما سيتمخض عنه تحقيق وزارة التعليم العالي، فإن الحادثة تدفعني مجدداً لمطالبة الرئيس قيس سعيد بوضع حد لنشاط الجمعيات الإرهابية، وإغلاق مقر جمعية العلماء المسلمين المصنفة إرهابية في العديد من دول العالم؛ لأن كل ما يتعارض مع مبدأ مدنية الدولة ومع بث الفكر التقدمي الحداثي هو عمل من شأنه أن يزيد في تأخر المجتمع، وفي دفعه إلى العنف والتطرف، ولا بد أن تبدي الدولة التونسية اليوم رغبة حقيقية للقضاء على هذه الظواهر التي خلفتها عشرية حكم (النهضة) وتهدد الناشئة في بلادنا”.

منير الشرفي

وشكَّلت الجمعيات والمدارس الدينية وفروع التنظيمات الإسلامية، التي تأسست أو افتتحت مكاتبها بعد ثورة الـ14 من يناير 2011 برعاية ودعم وإشراف من حركة النهضة، خطراً حقيقياً على البلاد على مدار العشرية الماضية على أكثر من صعيد؛ إذ مثلت من جهة أوكاراً مهمة لاستقطاب الشباب، للتوجه إلى بؤر الإرهاب في سوريا والعراق وليبيا. ومن جهة أخرى، تحولت هذه الأوكار إلى فضاءات تستقطب الأطفال والشباب؛ لتقديم تعليم ديني يتعارض في مضامينه مع البرامج التعليمية الرسمية في تونس. وتعمل هذه الفضاءات تحت يافطة العمل الخيري وتقدم نفسها كسند للمواطنين؛ وهي طريقة استطاعت بمقتضاها الولوج إلى الفئات الهشة والفقيرة واستغلال حاجتهم لإقناعهم بأفكارها ودعوتهم لإرسال أبنائهم لتلقي التعليم الموازي الذي تقدمه.

ورغم الدعوات المتتالية لمختلف مكونات المجتمع المدني في تونس بالتصدي لهذه الظاهرة، وتحذيراتها من خطر ما يجري؛ فإن حركة النهضة التي كانت تمسك بزمام الأمور خلال العشرية الماضية تصدت لكل محاولات التعرض لهذه الجمعيات والتنظيمات والمدارس.. حتى بعد فضيحة المدرسة القرآنية بالرقاب بمحافظة سيدي بوزيد، التي ثبتت إدانتها بالعمل خارج إطار القانون ومناهج الدولة التعليمية واستغلال الأطفال جنسياً وغيره، وتجند الإسلاميين للدفاع عن المدرسة وصاحبها، بل وتمت تبرئته على يد القضاء الذي تسيطر عليه الحركة في أكتوبر 2020، لكن بعد الـ25 من يوليو 2021 تم النظر مجدداً في القضية وأُدين صاحب المدرسة بالسجن خمس سنوات نافذة مع خطية مالية قدرها 50 ألف دينار.

اقرأ أيضاً: الاستقالات النوعية تعصف بحركة النهضة.. والغنوشي يلتزم الصمت!

ويتطلع التونسيون لمراجعة نشاط هذه الفضاءات التي فتحت بدعم وإشراف من حركة النهضة؛ لا سيما أن الكثير من المتابعين يؤكدون أن الحركة بصدد تحريك هذه الأوكار هذه الفترة، محاولةً الاستفادة من انشغال الدولة بالأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار السياسي التي ما زالت عليها البلاد.

ويُذكر أن تونس شهدت انفجاراً جمعياتياً بعد الثورة مباشرةً وارتفاعاً كبيراً في عدد المدارس القرآنية؛ خصوصاً في فترة حكم الترويكا التي تزعمتها حركة النهضة الإسلامية (من سنة 2011 إلى 2014)، حيث لم تكن هناك رقابة على هذا النوع من النشاط ولا منعه؛ بل كانت البلاد حينها فضاء مفتوحاً للسلفيين والمتطرفين الذين سيطروا على الفضاءات العامة والمساجد بمباركة مباشرة من قيادات حركة النهضة الذين كانوا يتولون حينها مناصب سيادية. وأدى ذلك إلى تطور التعليم الديني في أُطر لا تخضع لرقابة بيداغوجية رسمية، وتحكمه مرجعيات المدرس والمدرسة عموماً وحساباتهما السياسية.

تعليم ديني موازٍ يهدد التعليم الرسمي في تونس- (صورة وكالات)

وحسب إحصائيات رسمية، هناك نحو 1130 جمعية خيرية أُحدثت أغلبها في الفترة الممتدة بين 2011 و2014، (فترة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة) وتنشط ضمنها أكثر من 300 جمعية قرآنية، أحدثت داخلها ما سُمي بالمدارس القرآنية، وهي مدارس لا تخضع لمراقبة وإشراف وزارة التربية مثلما هو الشأن للمدارس العمومية والخاصة في التعليم العادي. ولا تخضع أيضاً لمراقبة وزارة التكوين المهني والتشغيل مثلما هو الشأن بالنسبة إلى مدارس التكوين المهني، ولا تخضع لوزارة المرأة والأسرة مثلما هو الشأن بالنسبة إلى رياض الأطفال والتعليم ما قبل المدرسي. كما لا تخضع لرقابة وزارة الشؤون الدينية مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الكتاتيب التي تعلم القرآن الكريم؛ أي أنها بعيدة عن كل أشكال الرقابة.

اقرأ أيضاً: شباب حركة النهضة يسحب البساط من تحت الغنوشي

وتقول بعض الأرقام في تونس إن عدد المستفيدين من هذه المدارس والمعاهد والجمعيات القرآنية المنفلتة يُقاس بعشرات الآلاف.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة