الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

تونس.. شبكات دولية للهجرة غير النظامية ومخاوف من تسلل عناصر إرهابية

كيوبوست- كريم وناس

تعاظم في تونس مؤخراً نشاط الشبكات الدولية للهجرة غير النظامية نحو أوروبا عبر صربيا مروراً بتركيا؛ تمكنت المصالح الأمنية التونسية من الكشف عن بعضها، إلا أن نشاط هذه الشبكات متواصل في ظل قدرتها على التشكل والتوالد من جديد. وتخلق هذه التدفقات الهجرية مخاوف أوروبية من إمكانية تسلُّل عناصر إرهابية ضمن المهاجرين غير النظاميين على غرار ما حصل مع منفِّذ هجوم نيس الإرهابي إبراهيم العيساوي، في أكتوبر 2020.

نهاية شهر أكتوبر 2022، تمكنت مصالح الوحدة الوطنية للبحث في جرائم الإرهاب والجرائم المنظمة بتونس من الكشف عن شبكة مختصة في مجال الهجرة غير النظامية إلى أوروبا عبر “صربيا” وافتعال وثائق تنشط بين تونس وتركيا، بينما تمكنت في منتصف الشهر ذاته من الكشف عن 4 شبكات لتنظيم الهجرة غير النظامية إلى أوروبا عبر تركيا وصربيا.

اقرأ أيضاً: تركيا تُهدد أوروبا بورقة اللاجئين السوريين

ربط الصلة مع المهربين في صربيا انطلاقاً من تركيا

حسام الدين الجبابلي

المتحدث باسم الإدارة العامة للحرس الوطني حسام الدين الجبابلي، كشف في تصريح إذاعي، أن هذه الشبكات تعمل اعتماداً على أربعة أطراف؛ حيث تتم ربط الصلة بين الراغبين في الهجرة والوسيط الموجود في تونس، بينما يتولى الطرف الثالث استقبالهم في تركيا وتأمين السكن لهم، ويتولى هذا الأخير ربط الصلة بطرف أجنبي موجود في صربيا يؤمن عبور المهاجرين غير النظاميين إلى دولة أوروبية (في منطقة شنغن) مجاورة لصربيا، إما بواسطة وسيلة نقل وإما عبر تخطي الحاجز الحديدي.

وبيَّنت الأبحاث المجراة مع أحد العناصر الضالعة في الشبكة المذكورة، تولي متزعمها، بمشاركة وسطاء، استقطاب الراغبين في الهجرة بطريقة غير شرعية والتنسيق مع إحدى وكالات الأسفار المنتصبة بالعاصمة ومهربين تونسيين وأجانب موجودين بالخارج لتأمين عملية الدخول إلى أوروبا، إضافة إلى افتعال وتدليس الوثائق الإدارية المستوجبة بالاعتماد على شبكة علاقاته الواسعة مقابل مبالغ مالية متفاوتة.

شاهد: بعد إغلاق حدود إيطاليا.. سيل الهجرة يغرق إسبانيا

ما دامت تُغلق الطرق الرسمية تظهر طرق أخرى موازية

رمضان بن عمر

الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمكلف بملف الهجرة رمضان بن عمر، أكد، في تصريح خاص أدلى به إلى “كيوبوست”، أن نشوء شبكات الهجرة غير النظامية هو نتيجة لسياسات الإغلاق في علاقة بالتأشيرة الحدودية التي تفرضها دول الاتحاد الأوروبي.

”كلما زاد التشديد على منح حرية تنقل الأشخاص، ازدادت الرغبة الملحة لديهم للحصول على هذا الحق، وما دامت تُغلق الطرق الرسمية تظهر طرق أخرى موازية وغير نظامية”.

 وتابع ابن عمر بأن سياسات التشديد في منح التأشيرة هي المشجع الأول على ظهور هذه الشبكات المختصة في الهجرة غير النظامية التي تنشط منذ سنوات في تونس؛ سواء أكان ذلك بحراً أم براً.

بالنسبة إلى الشبكات التي تنشط براً للمرور إلى فضاء شنغن، برزت هذه الطريقة في تونس سنة 2019 عندما كان التونسيون يعبرون إلى الفضاء الأوروبي عبر المغرب، وتعاظم نشاط هذه الشبكات التي أتاحت إمكانية الهجرة نحو أوروبا للتونسيات والتونسيين براً عبر صربيا، مروراً بتركيا منذ السنة الماضية.

اقرأ أيضاً: لماذا قلصت فرنسا منح التأشيرات لمواطني المغرب العربي

رحلة من جزأين.. وتركيا محطة رئيسية

ابن عمر أفاد أن طريق الهجرة نحو أوروبا عبر صربيا فيه جزآن؛ الأول نظامي يحترم قانون الدول وقوانين التنقل، وبالتالي تكون عملية مراقبته صعبة، والجزء الثاني غير نظامي متعلق بالمرور من الأراضي الصربية نحو الأراضي المجرية وغيرها من دول البلقان.

وتعتبر تركيا محطة رئيسية في الهجرة غير النظامية نحو أوروبا بعد أن أصبح الوصول مباشرةً إلى صربيا انطلاقاً من تونس غير مضمون رغم عدم وجود تأشيرة سابقاً؛ لأن السلطات الصربية تلجأ أحياناً إلى إعادة الوافدين إليها من تونس، فضلاً عن منع السلطات التونسية مرور بعض الشبان انطلاقاً من مطار تونس قرطاج نحو صربيا؛ بحجة الاشتباه في كونهم مهاجرين غير نظاميين، مما فتح المجال للخيار الثاني الذي يمر عبر تركيا، ومنها إلى صربيا.

تونسيون محتجزون في مطار بلغراد- “فيسبوك”

صربيا تفرض تأشيرة دخول على التونسيين

وأعلنت صربيا -تحت ضغوطات الاتحاد الأوروبي- فرض تأشيرات دخول على التونسيين الراغبين في الدخول إلى صربيا ابتداء من 20 نوفمبر الجاري.

وتحدث النائب في البرلمان التونسي المنحل المقيم بإيطاليا مجدي الكرباعي، في تصريحات إعلامية، عن احتجاز السلطات الصربية عدداً من التونسيين رغم قانونية وضعيتهم. ونقل شهادات عن بعض المحتجزين أكدوا فيها تعرضهم إلى الاعتداء من قِبل السلطة الأمنية الصربية في المطار؛ لأنهم رفضوا الإمضاء على قرار ترحيلهم إلى تركيا.

مجدي الكرباعي

خيارات متعددة واستقطاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي

وبيَّن الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن هذه الشبكات أصبحت توفر خيارات متعددة للراغبين والحالمين بالهجرة نحو أوروبا، وهذه الخيارات تتطلب الكثير من الأموال؛ خصوصاً أنها تبعدهم عن شبح الموت غرقاً في البحر والترحيل القسري عند الوصول عبر البحر.

وتعطي هذه الشبكات المختصة في الهجرة غير النظامية خيارات عديدة ومرنة للراغبين في الهجرة نحو أوروبا أساساً في مجال التواصل والاستقطاب؛ خصوصاً في ظل اعتمادها وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الآمنة للإفلات من الرقابة، فضلاً عن تقديمها ضمانات الوصول لكل المهاجرين من خلال توثيق عمليات الرحلة والمساعدة حتى عند الفشل في المحاولة الأولى، إضافة إلى التسهيلات في الدفع؛ حيث من الممكن أن يكون في بلد الانطلاق أو في بلد آخر.

وعادة ما ينشر شباب تونسيون تمكنوا من الوصول إلى صربيا عبر تركيا بمساعدة شبكات الهجرة عبر منافذ برية، تجاربهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: ما الذي يدفع شباب تونس إلىقوارب الموتفي المتوسط؟

تواطؤ أجهزة رسمية

وتستفيد هذه الشبكات الناشطة دولياً في مجال الهجرة غير النظامية كذلك من تواطؤ العديد من الأجهزة داخل تونس وحتى خارجها؛ سواء أكان ذلك في تركيا أم صربيا وغيرهما من دول البلقان، حيث كشفت تحقيقات نشرها موقع “Balkan Insight” في يونيو الماضي، عن تورط أحد المترجمين الموظفين لدى “مفوضية اللاجئين والهجرة” (التابعة للحكومة الصربية)، في الاتجار بالبشر وانخراط أعضاء من الشرطة الصربية بشبكات التهريب. وفي تونس أصدر قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بمحافظة منوبة، بطاقة إيداع بالسجن في حق مستشار بلدي بعد اتهامه بتنظيم رحلات هجرة غير شرعية إلى أوروبا عبر صربيا، وَفق ما أكدته وكالة تونس إفريقيا للأنباء، يوم الخميس 3 نوفمبر 2022.

ويؤكد الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمكلف بملف الهجرة، رمضان بن عمر، أن الضربات الأمنية قادرة على تفكيك جزء من هذه الشبكات الناشطة دولياً في مجال الهجرة غير النظامية؛ لكنها ستعود من جديد وتتشكل برؤية جديدة وخيارات جديدة تقدمها للراغبين في الهجرة، ما دامت تواصلت سياسة التشديد على حرية التنقل.

الأمن الصربي يرحِّل تونسيين قسرياً نحو تركيا- “فيسبوك”

العلاقة بين الهجرة غير النظامية والتنظيمات الإرهابية

وبخصوص المخاوف المرتبطة بإمكانية تسلُّل عناصر إرهابية أو تابعة لتنظيم داعش الإرهابي ضمن الهجرات غير النظامية على غرار ما حصل مع منفذ الهجوم في مدينة نيس الفرنسية يوم 29 أكتوبر 2020، الذي وصل إلى أوروبا أولاً عبر جزيرة لامبيدوسا الإيطالية في سبتمبر 2020، ضمن هجرة غير نظامية، ينفي رمضان بن عمر وجود أية علاقة بين الهجرة غير النظامية والإرهاب، مبيناً أن الإرهابيين يتنقلون بطريقة نظامية ولديهم من الإمكانات والوسائل والحيل التي تمكنهم من التنقل عبر المطارات والمعابر الرسمية.

لقمة سائغة للتنظيمات الإرهابية

وأكد ابن عمر أن عملية استقطاب المهاجرين للقيام بعمليات إرهابية يتم بعد الوصول إلى الأراضي الأوروبية؛ خصوصاً في ظل الإقصاء والتهميش الذي من الممكن أن يتعرَّض إليه المهاجرون غير النظاميين، محمِّلاً المسؤولية لدول الاستقبال التي أسهمت في تعميق هشاشتهم ولم تحمهم بدمجهم ضمن الدورة الاقتصادية والاجتماعية، وقدمتهم لقمة سائغة للتنظيمات الإرهابية والشبكات الإجرامية.

أحمد نظيف

ميول متنوعة للمهاجرين غير النظاميين

الباحث المتخصص في دراسات الإسلام السياسي أحمد نظيف، اعتبر في تصريح خصَّ به “كيوبوست”، أنه ضمن القطاعات الواسعة من الشباب التي تهاجر نحو الضفة الشمالية للمتوسط، يوجد تنوع في الأهداف والميول؛ حيث إن القطاع الأكبر من المهاجرين لديه أهداف اجتماعية واقتصادية، لكن يوجد أفراد يمكن أن تكون لديهم ميول تطرف أو حتى انتماءات إرهابية سابقة في البلاد، أو هم محل بحث من الأجهزة الأمنية. وضمن هذا السياق توجد شواهد عديدة سابقة؛ خصوصاً في السنوات التي كانت فيها الجماعات الإسلامية المسلحة واسعة النشاط.

وأضاف نظيف أن هذه المحاذير الأمنية واحدة من الأخطار التي يستند إليها التيار الفاشي الصاعد في إيطاليا، وحتى بقية الطيف اليميني المتطرف في الدول الأوروبية؛ لكن الخطر الأمني -الذي لا يمكن التقليل من شأنه، ومن شأن تأثيره على غالبية الجاليات العربية والمسلمة- هو ليس جوهر الخطاب اليميني المتشدد تجاه الأجانب في إيطاليا وفي غيرها من الدول؛ بل عنصر من عناصر خطاب التخويف الذي ترفعه هذه التيارات لحشد الناخبين، حيث يكمن جوهر الخطاب في معاداة الأجانب، والتخويف من حضورهم في الفضاء الأوروبي، وهذا التخويف يمكن أن يأخذ طابعاً ثقافياً واقتصادياً (مثل القول إن الأجانب يفتكون فرص العمل للمواطنين…) ويمكن أن يأخذ طابعاً أمنياً؛ ذلك أن نسبة الأجانب الذين تورطوا في أعمال عنف إرهابية قياساً لحجم الجاليات العربية والمسلمة قليل جداً.

صعود اليمين في أوروبا يشكل فرصة جيدة للجماعات الإسلاموية

وفي جانب آخر، يرى أحمد نظيف أن صعود اليمين المتطرف في إيطاليا وفي غيرها من دول الاتحاد الأوروبي يمكن أن يشكل فرصة جيدة للجماعات الإسلاموية الناشطة في هذه الدول، والتي تسيطر بشكل واسع على مراكز العبادة وأنشطة الجاليات العربية والمسلمة، كي تستفيد من الاستقطاب السياسي الذي تفرضه الأحزاب اليمينية؛ كي تحشد لها أنصاراً ونفوذاً أوسع، بحكم أن خطابها يشكل المقابل الموضوعي لخطاب اليمين الأوروبي، ليجد غالبية العرب والمسلمين في أوروبا أنفسهم أسرى لاستقطاب اليمين الإسلاموي من جهة واليمين الأوروبي من جهة أخرى.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

كريم وناس

صحفي تونسي

مقالات ذات صلة