الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

تونس “تحيا وتحلم” مع أيام قرطاج السينمائية

المهرجان التونسي يعود بعد دورة استثنائية فرضها فيروس كورونا.. ويُعيد الحياة إلى الشوارع وعشاق السينما

تونس- فاطمة بدري

بعد دورة استثنائية غابت عنها المسابقات العام الماضي بسبب تفشي وباء كورونا في تونس، عادت أيام قرطاج السينمائية في دورتها الثانية والثلاثين التي انطلقت فعالياتها، السبت، في الثلاثين من أكتوبر الماضي، تحت شعار “نحلم.. لنحيا”؛ لتستمر حتى السادس من نوفمبر الجاري، محافظةً على كل فقراتها السابقة وأخرى مستحدثة. دورة جرت بمشاركة خمس وأربعين دولة أعادت الحياة إلى شوارع البلاد؛ خصوصاً العاصمة، بعد أن تسببت جائحة كورونا في وقف التظاهرات الفنية التي عادةً ما تبعث بالحياة في الشوارع والنفوس في تونس التي يحتفي فيها أبناؤها جيداً بالسينما.

كانت البداية مع حفل افتتاح المهرجان الذي قدمه الممثل والمخرج التونسي نجيب بلقاضي، بتكريم الفنانة المصرية نيللي كريم، والمنتج اللبناني صادق أنور الصباح، والناقد السينمائي السنغالي بابا ديوب، والناقد السينمائي التونسي خميس الخياطي، وتم منحهم التانيت الذهبي؛ اعترافاً بما قدموه للسينما.كما تم تكريم الممثلة التونسية شاكرة رماح، والممثل التونسي بحري الرحالي، والمخرج نصر الدين السهيلي.

اقرأ أيضًا: أيام قرطاج السينمائية تتنقل بـ7 عروض إلى جمهور السجون التونسية

ولم تنسَ الأيامُ تكريمَ المخرجة التونسية الراحلة مفيدة التلاتلي، صاحبة فيلم “صمت القصور” المتوج بالتانيت الذهبي للأيام في عام 1994، والتي افتقدتها الساحة السينمائية التونسية والعربية في السابع من فبراير 2021.

وفي لقاء خاطف قبل الافتتاح بقليل، أعربت الفنانة المصرية نيللي كريم، عن سعادتها بتكريمها في مهرجان عريق مثل أيام قرطاج السينمائية، شاكرةً القائمين على المهرجان؛ لاختيارها وتكريمها عن مجمل أعمالها.

نيللي كريم تألقت في سهرة الافتتاح

وقالت في تصريح أدلت به إلى “كيوبوست”: “يُسعدني جداً أن أُكَرَّم في مهرجان عريق مثل أيام قرطاج السينمائية، وتونس حبيبتنا جميعاً، ولا أشعر بالغربة في الوجود فيها؛ خصوصاً أنه تجمعني صداقات مع عدد من الفنانين التونسيين الذين سبق لي التعامل معهم، مثل هند صبري وظافر العابدين، ولا أستطيع ألا أذكر أن إحدى أبرز محطاتي الفنية كانت مع المخرج التونسي الراحل شوقي الماجري، في (هدوء نسبي) و(سقوط حر)؛ ولهذا أنا أحب تونس وأشكر كل مَن اختارني بإدارة المهرجان لهذا التكريم، وأرجو أن يتواصل نجاح المهرجان”.

شاكرة رماح أثناء التكريم

وافتتحت السينما التشادية المهرجان في سهرة الافتتاح عبر فيلم “لينغي.. الروابط المقدسة” لمحمد صالح هارون، الذي نافس ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي في دورته الرابعة والسبعين، وهو فيلم من سبع وثمانين دقيقة، يسرد قصة الأم العزباء أمينة المسلمة، التي تعيش مع ابنتها ماريا البالغة من العمر خمسة عشر عاماً، في إحدى الضواحي الفقيرة للعاصمة التشادية نجامينا. وتدور أحداثه حول فتاة تُغتصب، ورحلة والدتها الشاقة لإجهاضها في بلد يجرم الإجهاض دينياً وقانونياً حتى إن كانت مغتصبة، ويقف الفيلم عند دينياً وقانونياً حتى إن كانت مغتصبة، ويقف الفيلم عند النفاق المجتمعي الذي يدين المرأة دائماً في حالات حملها خارج إطار الزواج، ويحملها الكثير من المتاعب. علماً بأن سينما الجنوب من العناصر القارة بالمهرجان.

المدير الفني لأيام قرطاج السينمائية كمال بن وناس، اعتبر أن المهرجان حاول الحفاظ على تلك الفقرات القارة التي بُني عليها وانفتح على خيارات جديدة من شأنها أن تسهم في مزيد من انفتاحها على سينما العالم.

كمال بن وناس

وقال لـ”كيوبوست”: “إن من الأهداف الرئيسية لأيام قرطاج السينمائية أن تسهم في الترويج للأفلام العربية والإفريقية وإبرازها؛ خصوصاً تلك التي تطرح بقوة الاهتمامات الاجتماعية والثقافية لبلداننا. كما تسعى أيام قرطاج السينمائية للوفاء لشعارها الذي صاغه ودافع عنه مؤسسو المهجان (ثقافة النخبة للجميع)؛ بمعنى تقديم سينما عالية الجودة يكون فيها صانع الفيلم صاحب التزام أخلاقي وسياسي غير اعتباطي، بل مبني على بحوث واعتبارات جمالية وشكلية فعلية. لقد حاولنا الوفاء لأساسيات المهرجان؛ ولكن دون أن يمنعنا ذلك من الرغبة في الابتكار والاستجابة لمتطلبات ومستجدات العصر”.

وسجلت إدارة مهرجان قرطاج عدداً قياسياً غير مسبوق في عدد من الأفلام العربية والإفريقية المتقدمة للترشح للمسابقة الرسمية؛ إذ بلغت 750 فيلماً بين قصير وطويل ووثائقي، تم اختيار 56 فيلماً بينها 12 فيلماً روائياً طويلاً و13 فيلماً وثائقياً طويلاً و21 فيلماً قصيراً و10 أفلام في مسابقة السينما الواعدة.

وتتكون لجنة تحكيم عروض مسابقة الأفلام الروائية من ستة أعضاء يرأسها السينمائي الإيطالي إينزو بورسلي. أما مسابقة الأفلام الوثائقية فهي مكوَّنة أيضاً من ستة أعضاء ترأسهم السينمائية كلوي عائشة بورو، من بوركينا فاسو.

وتضم لجنة تحكيم العمل الأول “جائزة الطاهر شريعة” كلاً من رمسيس محفوظ، والممثلة المصرية بسمة، وسيكو تراوري، بينما تضم لجنة تحكيم “قرطاج السينما الواعدة” كلاً من لينا شعبان، وفاتو كيني سيني، ونيكول كاماتو.

عدد كبير من المساجين يستفيدون من ذهاب السينما إلى السجون

وحافظت الأيام على عروضها في السجون ومراكز الإصلاح (الأحداث دون الثماني عشرة سنة) وفي الجهات؛ دعماً للا مركزية الثقافية للسنة السابعة على التوالي. وحسب أرقام إدارة السجون والإصلاح، فقد انتفع من مشاهدة الأفلام السينمائية طيلة هذه الدورات؛ سواء مباشرة بالسجون أو مراكز الإصلاح أو مَن تنقلوا لحضور العروض، نحو 37 ألف سجين وسجينة. وللمرة الأولى طرقت أيام قرطاج السينمائية هذا العام باب الثكنات العسكرية؛ حيث تم تنظيم بعض العروض لفائدة عناصر الجيش التونسي.

وتم هذا العام إحداث مسابقة حملت اسم المناضلة الحقوقية التونسية الراحلة لينا بن مهني (1983- 2020)، وتتكون لجنة تحكيمها من الفرنسية سارة بارتو، والحقوقية التونسية بشرى بلحاج حميدة، وهشام بن فرج، وتتعلق هذه الجائزة بأفلام حقوق الإنسان.

وللمرة الأولى أيضاً تم فتح نافذة على السينما الليبية في قسم خاص بعنوان “جارة الوادي”، يعرض مجموعة من الأفلام حول ما يجري في ليبيا، كما تم تنظيم حلقة نقاش حول “السينما الليبية.. الواقع والآفاق”، أسسها عدد من السينمائيين الليبيين.

السينما الليبية كانت حاضرة

كما خصصت الدورة الثانية والثلاثون من المهرجان فقرة خاصة بالسينما البلجيكية عبر قسم “نظرة على السينما البلجيكية”، تم خلالها فتح مساحة للاطلاع على التجربة السينمائية البلجيكية التي تشهد طفرة كبيرة خلال العشرية الأخيرة؛ حيث تم عرض عدد من الأفلام البلجيكية التي حملت رؤى وقضايا مغايرة لما تم التعود عليه تونسياً؛ خصوصاً مع السينما الفرنسية.

كما تم استحداث “أيام قرطاج السينمائية والفرنكوفونية”؛ حيث أُقيمت ضمن فعاليات الأيام حلقة نقاش بعنوان “إشعاع الأفلام وعرضها في المنطقة الفرنكوفونية.. التحديات والآفاق”، مرفوقةً بعرض أفلام حديثة باللغة الفرنسية.

حضور السينما التونسية

وتحضر تونس برقم قياسي من الأفلام التسجيلية والروائية، ضمن المسابقات وخارجها، فاقَ ثلاثين فيلماً؛ بما يكشف عن ولادة جيل جديد من الشباب السينمائي الواعد سيعلنون بالتراكم حضورهم وبقوة في المستقبل القريب.

خميس الخياطي وتكريم عقود من النقد السينمائي

وتتنافس السينما التونسية على جوائز الدورة الحالية بأربعة عشر فيلماً في المسابقات الرسمية، وترشحت ثلاثة أفلام لخوض غمار مسابقة الأفلام الروائية الطويلة؛ وهي “فرططو الذهب” لعبدالحميد بوشناق، وبطولة الفنان فتحي الهداوي، و”مجنون فرح” لليلى بوزيد، و”عصيان” للجيلاني السعدي.

وفي مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، وقع الاختيار أيضاً على ثلاثة أفلام تونسية؛ هي “حلال سينما” لأمين بوخريص، و”أبي فيم أفنيت شبابك؟” لأكرم عدواني، و”مقرونة عربي” لريم التميمي.

أما مسابقة الأفلام الروائية القصيرة، فتشهد بدورها مشاركة ثلاثة أفلام تونسية؛ هي “في بلاد العم سالم” لسليم بلهيبة، و”فريدا” لمحمد بوحجر، و”سواد عينيك” لطارق الصردي. بينما يشارك الفيلمان “سياح خارج الموسم” لماهر حسناوي و”يا عم الشيفور” لبية مظفر في مسابقة الأفلام الوثائقية القصيرة.

كما تشارك تونس في مسابقة السينما الواعدة بثلاثة أفلام؛ هي “فالصو” لأمين غزواني، و”أمل” لآمال كراي، و”تفاحة الحب” لدنيا غضاب.

بوشناق مخرج شاب يبحث عن المختلف والجديد

ومن بين الأفلام التونسية التي شهدت إقبالاً كبيراً منذ العرض الأول، شريط “فرططو ذهب” (الفرططو باللهجة التونسية هو نوع من الفراشات التي تحلق حول الضوء إلى حد الاحتراق)، للمخرج الشاب عبدالحميد بوشناق، نجل الفنان الكبير لطفي بوشناق)، هو من أبرز الأفلام المرشحة للفوز بالتانيت الذهبي.

وفي لقاء خاطف مع بوشناق، في عرض خاص بالصحفيين ضمن فعاليات المهرجان، أعرب عن سعادته بعرض فيلمه للمرة الأولى في أيام قرطاج السينمائية، وفخره بردود الفعل الإيجابية التي رافقت عرض فيلمه.

جماهير كبيرة تتابع

وقال بوشناق لـ”كيوبوست”: “سعيد أن يكون عرض فيلمي الطويل الثاني ضمن فعاليات أيام قرطاج السينمائية، وسعيد أكثر أنه أُعد بطاقم تونسي مئة في المئة على جميع المستويات؛ سواء التقنية أو الإنتاج أو التمثيل، ويقدم للمرة الأولى في مهرجان تونسي وخصيصاً للصحفيين التونسيين قبل أي طرف آخر. والفيلم عبارة عن دراما فانتازية أو ما يُسمى بالواقعية السحرية؛ وهو نوع جديد أتطلع إلى أن أكسر من خلاله النمطية في السينما التونسية؛ ولكنه يحتوي على قصة أرجو أن تنجح في تحريك إحساس المتفرج”.

وأضاف: “كنت خائفاً طيلة فترة إنجازي للفيلم وحتى وقت العرض؛ لأنني أحترم المتفرج وأريد أن أقدم له عملاً في مستوى تطلعاته، خصوصاً بعد النجاح الذي لقيه فيلم (دشرة).. نظرة الناس التي لقيتها حينها، وإعجابهم بالعمل كان كبيراً وأثَّر في كثيراً؛ ولهذا كل آمالي أن يكون (فرططو الذهب) في مستوى تلك الفرحة”.

الحياة تعود إلى الشوارع

“فرططو الذهب” هو الفيلم الروائي الطويل الثاني في رصيد المخرج عبدالحميد بوشناق، بعد فيلم “دشرة” الذي عرف هو الآخر نجاحاً كبيراً؛ خصوصاً أنه فيلم الرعب الأول في تونس. وقد تم ترشيح فيلم “فرططو الذهب” في 15 أكتوبر للمنافسة في فئة أوسكار أفضل فيلم أجنبي بالدورة الرابعة والتسعين للجائزة الأبرز عالمياً.

وشهدت قاعات السينما التونسية منذ اليوم الأول للمهرجان إقبالاً جماهيرياً كبيراً، وهو من تقاليد المهرجان الذي يصنف، حسب النقاد ومتابعي السينما، أنه أهم المهرجانات في العالم العربي على مستوى الحضور الجماهيري. تنظم حلقات نقاش بين الجمهور والمخرجين والممثلين بعد عرض الفيلم سنوياً، وأُقيمت هذه وصباح كل يوم بقاعة سينما “الريو” وسط العاصمة التونسية.

تم وضع بروتوكول صحي يتمثل في احترام طاقة الاستيعاب بـ50 في المئة في قاعات السينما، وإجبارية ارتداء الكمامة، والاستظهار بما يفيد استكمال عملية التلقيح.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة