الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

تونس.. انقلاب على الشرعية أم تصحيح لمسار الثورة؟!

دراسة صادرة عن معهد السياسة والمجتمع في الأردن تتنبأ بسيناريوهات ما بعد مرحلة قرارات 25 يوليو في تونس

كيوبوست

خلصت دراسة تقدير موقف لما حدث في تونس ليلة 25 يوليو، إلى أنه نهاية طبيعية للعبث والفشل السياسي في تحقيق نمو اقتصادي واجتماعي، في ظلِّ احتكار صناعة القرار السياسي طيلة السنوات السابقة، وأنانية الأحزاب السياسية وأُفقها الضيق للصالح العام؛ الأمر الذي يعرِّض مسار الانتقال الديمقراطي التونسي إلى الخطر.

وحذرت الدراسة الصادرة عن معهد السياسة والمجتمع في الأردن، من تجاوز حماس الشارع في معاقبة السياسيين واتهام الرئيس بالانقلاب على الشرعية في خلق مساحات للفوضى العنيفة.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي التونسي يحرق “النهضة”

الدراسة التي أعدها الباحث في المعهد، عبدالله الجبور، أشارت إلى ضرورة الإسراع في تشكيل هيئة مستقلة لإدارة الأزمة، تمثل طيفاً من الخبراء والحكماء وقادة الرأي في المجتمع التونسي، تكون مهمتها الرئيسية ضمان عبور سياسي آمن لتونس، يجنبها حالة الفوضى، ويغنيها عن التدخلات الخارجية الطامحة لتصفية الحسابات السياسية على حساب مصلحة الشعب التونسي، والأهم من ذلك العمل على استمرار التحول الديمقراطي من خلال مراجعة وتعديل النظام السياسي؛ بما يضمن مشاركة شعبة تمثيلية في صناعة القرار.

ضباط الشرطة يقفون في حراسة لأنصار الرئيس قيس سعيد ، في تجمع خارج مبنى البرلمان ، 26 يوليو ، 2021-“رويترز”

وأثارت القرارات التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيّد، في 25 يوليو 2021، ضجة كبيرة في تونس والمنطقة العربية، وانقسمت ردود الأفعال بين مؤيدٍ للقرارات بحالة من الانتصار على القوى السياسية الحاكمة، وبين معارضٍ لها بخوف وقلق من جرِّ البلاد نحو حالة عدم الاستقرار الأمني، وفقدان مسيرة الانتقال الديمقراطي التي تعتبر فيها تونس نموذجاً متقدماً مقارنةً بالدول العربية.

بالتالي، هل ما يحدث في تونس الآن هو صراع سياسي يهدف إلى الحفاظ على الدولة من الإخفاق والفوضى، أم أنه صراع سياسي من أجل السلطة السياسية وتصفية الخصومات؟ وما دور الشباب التونسي تحديداً في ما يطلق عليه “المجلس الأعلى للشباب” بكل ما حدث؟

اقرأ أيضًا: بدرة قعلول لـ”كيوبوست”: الأمن التونسي أحبط محاولات خلق “رابعة” جديدة من الإخوان

*  تونس قبل قرارات الرئيس سعيّد

واستعرضتِ الدراسة المشهد السياسي في تونس خلال العقد الماضي، قبل قرارات الرئيس سعيّد، إلى حين تغيرت المعطيات والظروف، واشتدت الخصومة السياسية التي انشغلت في السعي وراء السلطة وتوسيع قواعد النفوذ، وقللت من أهمية المكون الشبابي الذي كان عصب الثورة وقائدها الميداني، وأهملت البناء الاجتماعي والاقتصادي في مرحلة ما بعد الثورة لصالح المكاسب السياسية.

أحد مؤيدي حزب النهضة يشتبك مع ضابط شرطة بالقرب من مبنى البرلمان في تونس العاصمة ، في 26 يوليو 2021-“رويترز”

وتناول الباحث الدراسات ونتائج الانتخابات في تونس بعد الثورة، والتي أثبتت التراجع التدريجي للمشاركة الشعبية في العمل السياسي؛ خصوصاً لدى المكون الشبابي الذي يعتبر أن الثورة قد سُرقت منه، وأن غلق مساحات العمل السياسي أمامه وإبعاده عن صنع القرار أصبح عملاً ممنهجاً من قِبل القوى السياسية القائمة، ولأن المكون الشبابي في تونس يشكل زخماً ديموغرافياً، كان لعزوفه السياسي دور كبير في غياب الثقة بين المجتمع والدولة.

*  معطيات القرار ودلالات التوقيت

وعرجت الدراسة إلى عددٍ من معطيات القرار ودلالات التوقيت؛ أولاً: شهدت الشوارع التونسية في شهر مارس 2021 مسيرات كبيرة بمناسبة الذكرى الـ65 للاستقلال (العيد الوطني)، واللافت أن المشاركة كانت شعبية أكثر منها حزبية؛ أي أنها عفوية وغير منظمة، رغم غياب مظاهر الاحتفال بسبب جائحة كورونا، وتخللت المسيرات تجمعات في العاصمة تونس لمساندة الرئيس سعيّد، وهي أول تحرك من نوعه ينظمه مساندوه وسط العاصمة.

اقرأ أيضاً: بعد التعدي على برلمانية.. إسلاميو تونس يلطخون الحياة السياسية

وطالب المحتجون بحلِّ البرلمان، واستقالة حكومة هشام المشيشي، ومحاسبة الأحزاب السياسية التي تجاوزت القانون -على حد تعبير المحتجين- وتضمنت اللافتات التي رفعها المحتجون بعض الشعارات التي تمثل الأفكار التي كان قد نادى بها سعيّد أثناء حملته الانتخابية؛ مثل تركيز الحكم الشعبي، وتفعيل الفصل 80 من الدستور.

ثانياً: كان للمجلس الأعلى للشباب في تونس، والذي يتكون من تيارات سياسية شبابية مستقلة، دور كبير في حشد الشباب للتظاهر في ما أُطلق عليه “بيان إنقاذ الجمهورية”، وعدَّد البيان المعنون بـ”انتفاضة 25 جويلية 2021” جملة من الأسباب التي تدعم وفقه انتفاضة ثانية، وأعطى تصوراً لبعض المطالبات؛ بينها “اعتقال جميع السياسيين والمستشارين ورؤساء الحكومات ووزراء ونواب، وكتاب دولة، ومعتمدين، وحلّ جميع الأحزاب”، وهي مطالب وجدها الكثير من المحللين والمراقبين “غير واقعية” على الرغم من تنفيذ الرئيس سعيّد معظمها في قراره الأخير.

أنصار حزب النهضة يختبئون من الحجارة التي رشقها أنصار الرئيس قيس سعيد ، خارج مبنى البرلمان في 26 يوليو2021-“رويترز”

يُذكر أن المجلس الأعلى للشباب يستخدم مجموعات “فيسبوك” مغلقة للتواصل واستعراض البيانات، واستجاب العديد من الشباب التونسي على مواقع التواصل الاجتماعي لنداء التظاهر؛ حيث رأى كثيرون في ذلك “فرصة” لإحداث تغيير حقيقي في تونس في ما وصفوه بـ”الانتفاضة الجديدة”. بالمقابل حذرت مجموعات شبابية وأحزاب سياسية الشبابَ من الانخراط في فعاليات “المجلس الأعلى للشباب”، وما يجده كثيرون استقلالية في عمل المجلس سياسياً أن النائب الخصم لحركة النهضة عبير موسى، رفضت هذه الفعاليات وقامت بانتقادها، وحذَّرت في فيديو مسجَّل أنصارها من المشاركة في مظاهرات وفعاليات مجلس الشباب.

ثالثاً: شهد عدد من المدن التونسية صباح يوم 25 يوليو، وهو اليوم الذي صدرت في مسائه قرارات الرئيس سعيّد، احتجاجات شعبية؛ استجابة لدعوات أُطلقت عبر منصات التواصل الاجتماعي تهدف إلى الاحتجاج على الأوضاع، تزامناً مع الاحتفال بعيد الجمهورية، وتجمَّع عدد من المحتجين أمام مقر البرلمان في ضاحية باردو، وفي مدن أخرى؛ مثل قفصة والمنستير والقيروان وبنزرت وتوزر ونابل، وطالب المحتجون في باردو بحل البرلمان وتغيير المنظومة، وتحميل المسؤولية لمَن تسبَّب في الوضع الصحي والاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه تونس.

اقرأ أيضاً: كتل برلمانية تقاطع مجلس الشعب التونسي بسبب سياسة الغنوشي

وحسب تقارير صحفية، شهدت بعض هذه المدن محاولات اقتحام مقرات “حركة النهضة” التونسية، وأقدم محتجون على تهشيم واجهات عدد من مكاتب الحركة، وقام شباب غاضب في القيروان بإزالة لافتة مكتب الحركة هناك، في حين نجح بعض المحتجين في اقتحام مكتبها بتوزر، جنوبي تونس، وأتلفوا معداته.

*  الجدل الدستوري حول قرارات 25 يوليو

استند الرئيس التونسي قيس سعيّد، على الفصل 80 من الدستور، معلناً، في خطابٍ بثه التليفزيون الحكومي، إنهاء مهام رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتجميد عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن نوابه، عقب ترؤسه اجتماعاً طارئاً جمع قياداتٍ عسكرية وأمنية بقصر قرطاج.

ضباط شرطة يقفون أمام مبنى البرلمان في تونس العاصمة يوم 27 يوليو 2021- “رويترز”

حسب نص الفصل 80 من الدستور التونسي، الخاص بالإجراءات الاستثنائية، فإنه “لرئيس الجمهورية في حالة خطرٍ داهمٍ مهددٍ لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة، ورئيس مجلس نواب الشعب، وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب”.

ووفق الفقرة الثانية من نفس الفصل “يجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السّير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب (البرلمان) في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب، كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة”.

 اقرأ أيضاًعبير موسى تحاصر حركة النهضة التونسية وتفضح تزويرها

تقضي الفقرة الثالثة من الفصل 80، بأنه “بعد مضيّ 30 يوماً على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو 30 من أعضائه، البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه”، ويشير الفصل ذاته في فقرته الأخيرة إلى أن “المحكمة تُصرِّحُ بقرارها علانية في أجل أقصاه 15 يوماً، ويُنهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بياناً في ذلك إلى الشعب”.

احتفل الناس في شوارع تونس العاصمة بعد أن أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد تعليق عمل البرلمان وإقالة رئيس الوزراء في 25 يوليو 2021-“AFP”

يتهم المعارضون الرئيسَ التونسيَّ بخرق الدستور؛ إذ إن فرض الحالة الاستثنائية دون الالتزام بما ورد في المادة 80 التي تنظمها؛ بخاصة ضرورة استشارة رئيس الحكومة ورئيس البرلمان قبل اتخاذ القرار، وكذلك مبادرته إلى تجميد البرلمان، في حين ينص الدستور على أن مجلس النواب يبقى منعقداً بصفة مستمرة طوال استمرار الحالة الاستثنائية، بينما صرَّح الرئيس في خطابه بأنه التزم بالدستور، وشاور الأطراف المهنية، وهنا كما يتضح أن الرئيس سعيّد رد على عدم مشاورته في التعديل الحكومي الذي قام به رئيس الوزراء التونسي هشام المشيشي، في يناير الماضي، رفقة حركة النهضة ذات الأغلبية البرلمانية، والذي وصفه سعيّد بأنه لم يحترم الدستور، فقام بالرد عليه بتشاور شكلي عام لا يتضمن تفاصيل إجرائية، بالتالي يفرِّق الرئيس التونسي هنا، وهو أستاذ القانون الدستوري، بين المشاورة والاتفاق، ويستند إلى الأجزاء الأكبر والأقوى في المادة الدستورية.

اقرأ أيضاً: كيف تحولت السلطة في يد الأحزاب الدينية الإسلاموية من فرصة إلى ورطة!

*  سيناريوهات مرحلة ما بعد قرار 25 يوليو

في خضم السياق السياسي التونسي المتأزِّم، برز الرئيس قيس سعيّد، بشكل تدريجي للعلن، معتمداً خطاباً مناوئاً لكل الطبقة السياسية؛ فقد بدا غير آبهٍ بالتنظيمات السياسية الحالية، ومتمرداً على الهياكل الحزبية التقليدية، متقرباً من المؤسسة العسكرية التي ربما يجد من خلالها تعريفاً إجرائياً لمفهوم الوطنية التونسية التي يتحدث عنها. وعلى الرغم من كل ذلك يمكن استشراف 3 سيناريوهات لمستقبل الأزمة التي تمر بها تونس اليوم.

أنصار الرئيس التونسي قيس سعيد يتجمعون في الشوارع للاحتفال بعد إقالة الحكومة وتجميد البرلمان- “رويترز”

أولاً: هل ما قام به الرئيس سعيّد يعد انقلاباً ضمنياً على الدستور، أم أنه تصحيح لمسار الثورة التونسية؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال يمكن أن تتكتل القوى السياسية التي تعتبر أنَّ ما حدث هو انقلاب على الديمقراطية والشرعية، وهنا الحديث عن القوى السياسية المستفيدة سياسياً من الوضع ما قبل القرار. بالمقابل، يمكن أن تتكون كتلة اجتماعية تساندها قوى سياسية غير مستفيدة من السلطة؛ للمطالبة بالتجديد السياسي، وتجديد الثورة على الثورة بدعوى تغيير الوضع القائم العاجز عن تقديم حلول جديدة.

اقرأ أيضًا: 25 يوليو.. هل يكون موعداً لطرد حركة النهضة من الحكم؟

ثانياً: يمكن استمرار نفوذ قرارات الرئيس في مدتها الدستورية التي تبلغ شهراً واحداً، ومن ثمَّ عودة الحياة السياسية إلى سابق عهدها مع تحقيق مكسب إقالة الحكومة كنوع من أنواع تلقين الدرس السياسي لتهميش الرئيس، والاستجابة للمطالب الشعبية وكسب ثقة الشارع من جديد.

ثالثاً: يمكن لردود الفعل التي تحشد لها القوى السياسية الحاكمة؛ خصوصاً حركة النهضة، أن تدفع الرئيس إلى تفويض صلاحياتٍ أكبر للمجلس العسكري كما حدث سابقاً في مصر، وهنا سيجد الرئيس سعيّد نفسه أمام فرص كبيرة للحصول على الدعم العربي المناهض لحركات الإسلام السياسي؛ الأمر الذي قد يضع البلاد موضع المواجهات العنيفة.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة