الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

تونس: إرهابي الداخلية يحيي المخاوف حيال خطر العائدين من بؤر التوتر

العملية الإرهابية أمام وزارة الداخلية قد تكون إيذاناً بعودة خلية إرهابية نائمة للنشاط.. وقد تتحرك بشكل أوسع وأخطر لاحقاً

تونس- فاطمة بدري

جدَّد حادث إحباط قوات الأمن التونسية، الجمعة الـ26 من نوفمبر الجاري، اعتداء إرهابياً قرب وزارة الداخلية بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، المخاوفَ من خطر الإرهابيين العائدين من بؤر التوتر إلى تونس؛ خصوصاً أنه تزامن مع فترة استبعاد حركة النهضة، المتهمة بالضلوع في تسفير الشباب التونسي إلى مناطق النزاع وفي العمليات الإرهابية التي ضربت البلاد في أكثر من مناسبة، والتي هددت مباشرةً بعد إجراءات الـ25 من يوليو باللجوء إلى العنف؛ رداً على القرارات التي اتخذها حينها الرئيس قيس سعيّد، وأدت إلى إخراجها من المشهد السياسي.

كان الشاب قد اقتحم الشارع الرئيسي بالعاصمة حاملاً بإحدى يدَيه ساطوراً، وبالأخرى سكيناً، وركض صوب مدخل وزارة الداخلية وكان يصرخ “الله أكبر”، وحاول مهاجمة الأمنيين المتمركزين أمام الوزارة. وأثار وجوده بهذا السلاح في وضح النهار المارة بالهلع؛ ولكن الكثير منهم بادروا بملاحقته لإرباكه ومحاصرته، لتقوم قوات الشرطة بإطلاق الرصاص على مستوى القدم وتسيطر عليه، ثم يتم نقله إلى أحد المستشفيات في العاصمة.

وقالت وزارة الداخلية التونسية، في بيان نشرته ليل الجمعة- السبت، إن الرجل الذي حاول مهاجمة عناصر من الشرطة، الجمعة، بسكين وساطور في وسط العاصمة، مصنَّف لديها بأنه تكفيري.

اقرأ أيضاً: العمليات الإرهابية تعود إلى تونس.. و”النهضة” كلمة السر

ضبابية في التعاطي

وفي تعليقها على الحادث الإرهابي الذي جدّ الجمعة، أكدت أستاذة علم الاجتماع فاتن مبارك، أن “هناك ضبابية في التعاطي مع ملف العائدين من بؤر التوتر من قِبل الدولة التونسية، مستنكرةً السماح لهم بالعودة مباشرة إلى البلاد”.

فاتن مبارك

وقالت مبارك لـ”كيوبوست”: “سمعنا الكثير من الأخبار تتحدث عن إمكانية عودة المتطرفين التونسيين من بؤر التوتر؛ ولكن في المقابل لم نسمع ولم نفهم كيف سيتم التعامل معهم، وكيف سيتم استقبالهم من طرف الدولة التونسية؟ هل سيتم تخصيص مراكز تتكفل بإعادة دمجهم داخل المجتمع؟ هل سيخضعون للرقابة ونوع من الحماية؟ وأسئلة أخرى تدور في ذات الحلقة ظلت بلا إجابة ويتجدد طرحها مع كل حادث إرهابي مشابه، وأيضاً تبقى دون تقديم أي إيضاحات. من جهة أخرى، لا أدري كيف تسمح الدولة التونسية لهذه العناصر بالعودة إلى تونس بشكل مباشر وتركهم طلقاء داخل المجتمع رغم امتلاكها سجلاتهم الإرهابية الخطيرة”.

ولم تستبعد فاتن مبارك أن تكون العملية الإرهابية، التي جدَّت أمام وزارة الداخلية هذه الأيام، إيذاناً بعودة خلية إرهابية نائمة للنشاط، وقد تتحرك بشكل أوسع وأخطر في حال ظلت البلاد على هذه الحال من الضعف والارتباك، على حد تعبيرها.

وتحيي هذه المحاولة المخاوف من تجدد العمليات الإرهابية في تونس؛ خصوصاً أن البلاد قد عاشت على مدار السنوات العشر الماضية على وقع العديد من الهجمات الدامية التي استهدفت خصوصاً الشرطة والسياح الأجانب.

اقرأ أيضاً: ناقوس خطر تونسي من تسلل الإرهابيين عبر الحدود مع ليبيا

وتجدر الإشارة إلى أنه في سجل التجارب السابقة للجماعات المتطرفة السابقة، سواء في أفغانستان أو البوسنة أو الشيشان أو العراق.. وغيرها، كان المقاتلون التونسيون الأقل عدداً مقارنةً بأعداد الشباب العربية الأخرى التي كانت تلتحق بهذه المجموعات أساساً من السعودية واليمن ومصر وليبيا والجزائر؛ لكن منذ ثورة الـ14 من يناير 2011 التي أدت إلى سقوط نظام بن علي، تغيَّرت هذه القاعدة؛ فمنذ هذا التاريخ أصبحت الجنسية التونسية الأكثر حضوراً في بؤر التوتر؛ خصوصاً في سوريا وليبيا، وبدرجة أقل في العراق. وذكر آخر الإحصائيات الرسمية التونسية أن عدد الإرهابيين التونسيين المنتسبين إلى جماعات إرهابية في سوريا وليبيا والعراق يقدر بـ2926 إرهابياً، وكانت التقديرات الأممية تقول في السنوات الأولى للثورة؛ خصوصاً ما بين سنتَي 2014 و2015، إن عددهم بلغ 5000 متشدد، قُتل منهم الكثير في هذه الساحات.

وحسب الملفات القضائية التونسية فإن 69 في المئة من الإرهابيين التونسيين تلقوا تدريبات على استعمال السلاح في ليبيا، وإن 21 في المئة منهم تدربوا في سوريا، وإن 80 في المئة من هؤلاء الشباب قد غادروا إلى جبهات القتال في سوريا بعد تلقي التدريبات العسكرية في ليبيا.

عندما كان المتطرفون ينشطون علناً بموافقة “النهضة”- (صورة وكالات)

حركة النهضة وفخ الجهاد

وهناك إجماع على أن ظاهرة تسفير الشباب التونسيين إلى بؤر التوتر ومرده ظهرت وانتعشت خلال فترة حكم حركة النهضة؛ خصوصاً بين سنتَي 2011 و2013، حيث سمحت الحركة للتنظيمات السلفية الجهادية بالنشاط العلني، فضلاً عن ثناء بعض قياداتها؛ وعلى رأسهم راشد الغنوشي، حينها، عندما رد على الأطراف التي أعربت عن قلقها وخوفها من نشاط هذه المجموعات، بقوله “إن هؤلاء (في إشارة إلى السلفيين المتطرفين) يذكرونني بشبابي”. وخلال هذه السنوات، شهدت البلاد عمليات تجنيد واستقطاب لعدد كبير من الشباب، وتمت السيطرة على عدد كبير من الفضاءات العامة؛ خصوصاً المساجد، وتم تسهيل حرية التنقل بين المناطق، ومن تونس نحو ليبيا.

وظلت السلطات التونسية ترفض استقبال الإرهابيين التونسيين؛ خصوصاً أولئك الذين أُلقي القبض عليهم في بؤر التوتر في سوريا والعراق وليبيا، ولكن خطر هذه الجماعات ظل دائماً يؤرق البلاد؛ خصوصاً منذ بداية التدخل العسكري التركي في ليبيا في صيف 2020، الذي قامت بمقتضاه أنقرة بنقل مئات الإرهابيين التونسيين الذين سهلت دخولهم إلى سوريا في فترات سابقة، إلى الأراضي الليبية؛  إذ أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن تركيا نقلت 2500 مقاتل تونسي  ضمن القوات التي دفعت بها نحو طرابلس الغرب. وبعد إجراءات الـ25 من يوليو، تحدثت تقارير تونسية وليبية عن تأهب عدد من الإرهابيين التونسيين القابعين بقاعدة عسكرية تركية للتسلل إلى تونس، ورفضت طرابلس ذلك.

الإرهابيون الذين نقلتهم تركيا إلى ليبيا خطر كبير على تونس- (صورة وكالات)

ويخشى التونسيون أن تتجه حركة النهضة لتحريك هذه المجموعات التي تسلل بعضها خلسة إلى البلاد، للقيام بأعمال إرهابية لإرباك الرئيس قيس سعيّد وتعميق الأزمات أمامه، رداً على قراره حل البرلمان والحكومة، الذي أدى إلى تجريدها من كل سلطاتها، فضلاً عن خطواتها الهادفة للحد من نفوذها وتغلغلها الذي أسسته على مدار عشر سنوات من الحكم.

الكاتب والمحلل السياسي محمد ذويب، قدم قراءة للحادثة الإرهابية، أكد خلالها أن العملية لها دلالاتها السياسية والاقتصادية؛ ولكنه أثنى على إلقاء القبض على العنصر الإرهابي على خلاف المرات السابقة التي كانت تنتهي دائماً بقتلهم لطمس الحقائق معهم.

محمد ذويب

وقال لـ”كيوبوست”: تم التعرف على الشخص الذي قام بالعملية، وهو زياد صوة، من مواليد 1990، وهو من عائلة ميسورة تلقَّى دراسته في أمريكا؛ حيث تم استقطابه وسافر إلى سوريا وانضم إلى الجماعات الإرهابية هناك ثم عاد إلى تونس وهو مصنف S17 وS19 (تصنيفان أمنيان للإرهابيين أو المشتبه بهم في تونس)؛ مما يعني أنه إرهابي خطير ومن المفترض أن يكون معروفاً لدى الأجهزة الأمنية أو حتى مراقباً. وحسب معطيات أولية، منفذ الهجوم حاول سابقاً القيام بعملية تفجير في محافظة المنستير، واستهداف دورية أمنية كانت موجودة هناك. وتم إيقافه منذ 6 أشهر بعد أن حاول قتل أحد المواطنين، ليتم إخلاء سبيله بتعلة أنه مختل عقلياً. لقد تنقل العنصر الإرهابي بوجه مكشوف وهو يمسك بساطور وسكين كبيرَي الحجم ويلوِّح بهما في حركة استعراضية مستفزة وبكل ثقة في النفس لمدة دقيقتَين على الأقل على بعد أمتار من وزارة الداخلية وفي منطقة حساسة دون تدخل أعوان الأمن الذين تداركوا الأمر بعد أن قام بالقفز على الحواجز. وهذا يؤكد نقص الجاهزية الأمنية ويطرح أسئلة حول عدم تدخل الدوريات التي كانت في العادة تتمركز بين تمثال ابن خلدون ومقر الوزارة، والتي يبلغ عددها في العادة بين دوريتَين وأربع دوريات، وهل كانت موجودة اليوم أم لا؟ فإن كانت غير موجودة فهذا أمر خطير يطرح أسئلة أخطر.

اقرأ أيضاً: الدبيبة يهاجم تونس للتغطية على فشله في كبح الإرهاب!

وأضاف: “رغم ما سلف؛ فإن التعاطي الأمني بالقرب من مبنى الوزارة، أي خلف الحاجز، كان مقبولاً عموماً وتم على مراحل؛ بدأ بتحذير المهاجم والتنبيه عليه ثم محاولة منعه من التقدم والاقتراب أكثر من الوزارة، عبر إضافة حواجز حديدية أخرى، ثم إطلاق النار عليه في الساق بعد إبعاده عن الوزارة وشل حركته ونقله للإسعاف وتفادي إمكانية موته، وبالتالي فقد تم الاحتفاظ بكنز من المعطيات. فعملية إيقاف الإرهابي وهو في صحة جيدة ستكشف عن عدة معطيات؛ وهي من العمليات النادرة التي يتم فيها القبض على مشارك في عملية إرهابية أو منفذ عملية إرهابية وهو على قيد الحياة، بعد أن كنا نتحدث سابقاً عن مجرد جثث وعناصر إرهابية تلوذ بالفرار، كما أن التعاطي الشعبي مع العملية يؤكد ما حدث سابقاً في محافظتَي بن قردان والقصرين.. مواطنون يلاحقون إرهابياً بالحجارة محاولين إيقافه، وإخبار أعوان الأمن عن تحركاته قبل العملية، واحتفالات بالرقص والموسيقى في نفس المكان بعد الحادث بساعات قليلة؛ ما يعني أن غالبية الشعب التونسي رافضة هذه الآفة ولم تعد تخشاها ألبتة”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة