الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

توحيشات رمضان.. عادة نابلسية في وداع الشهر الفضيل

تقليد نابلسي أصيل عمره عشرات السنين يسبق موعد أذان الفجر بساعة ويُسمع عبر مكبرات الصوت في المساجد

كيوبوست- مصطفى أبو عمشة

تتميز مدينة نابلس -كبرى مدن شمال الضفة الغربية- بطقوس خاصة في شهر رمضان، وتنفرد بجو روحاني فريد من نوعه يختلف عن باقي المدن الفلسطينية؛ حتى إنها وصفت بأنها “مدينة السبعين بدعة حسنة”، فعلى وقع العشر الأواخر من شهر رمضان تختار نابلس، التي وصفت تاريخياً بأنها “عش العلماء”، طريقتها في توديع رمضان عبر إحياء اليالي العشر الأخيرة بـ”التوحيشة”، كما عُرف بين أوساط سكان المدينة، وهي تواشيح وترانيم وابتهالات دينية ترتل عبر مكبرات الصوت في المساجد قبيل وقت السحور وأثناء صلاة التراويح.

التواشيح الرمضانية سمة بارزة في نابلس؛ فما بين “التوحيش” و”التحنين”، يبدأ الموشِّح أو الموشحون بذكر الله عز وجل؛ تليه الصلاة والسلام على النبي محمد، عليه السلام، بكلمات تحدث في القلب وقعاً؛ يبدأ على إثرها النشيد عبر مكبرات الصوت قبيل صلاة الفجر بهذه الكلمات:

“يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت

يا حنَّان يا منَّان.. أجرنا من عذاب النار

يا ذا الجود والإحسان ثبتنا على الإيمان

صلى الله ربنا على النور المبين

أحمد المصطفى سيد العالمين

وعلى آله وصحبه أجمعين

اللهم بجاه الحبيب توفنا مسلمين”

اقرأ أيضاً: كيف غير “كورونا” عادات الأردنيين في رمضان؟

في هذا السياق، يكشف الباحث في شؤون التقارب بين المذاهب والأديان الشيخ مصطفى أبو رمان، في تصريحات خاصة أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن التوحيش من الوحشة: “لا أوحش الله منك يا رمضان”، بمعنى وداعاً وحزناً على فراق شهر رمضان، مشيراً إلى أن هذا الأمر ليس في نابلس وحدها؛ بل في كل بلاد الشام ومصر والعراق، وتحديداً في الليالي الأخيرة من رمضان؛ حيث يذكرون قصائد وابتهالات حزينة حزناً على فراق الشهر.

مصطفى أبو رمان

ويضيف أبو رمان، في سياق حديثه بالقول: “أنا العبد الفقير أسمع هذه التوحيشات من ستين سنة منذ الطفولة وقبل دخول الفكر المتشدد إلى المساجد؛ حيث كانت هذه العادة بصلاة التراويح في العشر الأواخر، وقبل أذان الفجر تعبيراً عن الوداع لشهر الخير والإحسان”، منوهاً بأن تلك التوحيشات تُتلى أثناء صلاة التراويح في بعض المساجد؛ خصوصاً ذات الطابع الصوفي، وعلى وجه الخصوص في ليلة السابع والعشرين، كما أنها تُتلى في غالب المساجد غير المتأثرة بالفكر السلفي أثناء فترة صلاة التراويح، وكذلك بعدها.

هل هي بدعة؟

البعض يعتقد أن مثل هذه التواشيح مخالفة للعقيدة، وأنها بدعة لا أصل لها. يرد أبو رمان بالقول: “اعتماداً منهم على مفهوم البدعة الحسنة والسيئة وكثير من الأمور الحسنة المستحسنة كان لها الأثر الطيب في حياة الناس، وقولهم كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار توسعوا فيه وزاد الأمر على حده بما لا يقبله شرع ولا عقل؛ فأدى إلى مثل هذه الحالة وإنكار الكثير على المصلين مثل هذه الموشحات والتوحيشات”، مشدداً على أن البدعة تتمثل في أصل ديني يكون فيه نقص أو زيادة من صلاة أو صيام أو حج أو زكاة؛ أي تبديل بأركان الدين عقيدة وعبادة.

اقرأ أيضاً: “المسحراتي” في القدس عادة حاضرة رغم المخاطر والضغوطات

وفي الإطار نفسه، يرى المنشد فراس طه، أن التوحيشة الرمضانية تقليد نابلسي أصيل عمره عشرات السنين؛ تنفرد به المدينة دون غيرها، وهو يسبق موعد أذان الفجر بساعة، ويكون عبر مكبرات الصوت في المساجد، ولهذا جاءت شبكة الأذان الموحد لنابلس لتدعم التوحيش وتزيده حضوراً، وَفق الشيخ حسام أبو صالح مؤذن وموشح مسجد الحاج نمر بنابلس.

تشتهر مدينة نابلس بالتوحيش في الليالي العشر الأخيرة من رمضان
المنشد فراس طه

رونق مفقود

بطبيعة الحال، التوحيشات موروث شعبي في معظم مدن وقرى فلسطين، ولكل منطقة طريقتها في التوحيشات وألحانها المختلفة؛ لكن يرجع تميز نابلس فيها، حسب رؤية المنشد طه؛ بسبب شبكة الأذان الموحد والتي كانت الأولى على مستوى فلسطين، والسبب الآخر: يعتبر الموروث الصوفي قوياً في المدينة، بسبب انتشار الزوايا الصوفية فيها، ومعظم المؤذنين في الشبكة ينتمون إلى تلك الزوايا، مشيراً إلى أن ترديد تلك التوحيشات عبر الأذان الموحد أصبح سمة لا تغيب وأمراً معتاداً كعادة أكثر منها سمة دينية، والغالبية العظمى من الناس تقبلها وقلة ترفضها؛ كونها من البدع أو أنها تشكل فوضى سمعية؛ لكثرة المساجد وسماعاتها التي تقع بين جبلَين، ويتردد الصوت فيها بشكل فوضوي.

شاهد: عادات غريبة في شهر رمضان حول العالم

ويضيف طه، في سياق حديثه، بالقول لـ”كيوبوست”: “في الماضي كان الأمر أقل فوضوية؛ بسبب تخصص مؤذن أو اثنين فقط في بثها عبر الشبكة الموحدة، وفي الغالب كانوا من الأصوات المضبوطة والمميزة والتي حببت الناس في مثل هذه التوحيشات، واللحن الخاص الذي تميزت به هذه التوحيشات نجده في مدن أخرى بألحان مختلفة ومختصرة بشكل كبير”، مشيراً إلى أن الوضع الحالي في شبكة الأذان الموحدة هو العدد الكبير من المؤذنين الذين يتناوبون على الشبكة؛ وهو ما قلل من تميز هذه التوحيشات بكل صراحة، إضافة إلى ذلك فإن اللحن الثابت لدى كل المؤذنين كان أحد أسباب فقدان رونق هذه التوحيشات؛ وكأن اللحن أيضاً هو موروث لا يجب تغييره، مما يزيد عدد الرافضين والمعترضين والمنزعجين.

ويرى طه في نهاية الأمر أنه لو أوكل الأمر إلى متميزين فنياً وأداءً لكان الأمر أجمل وأكثر قبولاً؛ ولكن اعتياد الناس على تلك الأصوات في كل عام جعل الأمر مرتبطاً برمضان وأجوائه ولا غنى عنه، وإذا غاب في يوم غاب التميز وغابت الأجواء الرمضانية، منوهاً بأن هناك باستمرار ملاحظات من الفنانين والموسيقيين على حالات الفوضى في تلك التوحيشات من قِبل البعض في مثل هذه الأيام؛ ولكنها أيضاً غير مؤثرة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مصطفى أبو عمشة

باحث وكاتب صحفي فلسطيني مهتم بشأن الشرق الأوسط والإسلام السياسي

مقالات ذات صلة