الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

تهم أممية بالفساد تلاحق أطرافاً إخوانية داخل الحكومة اليمنية

أدت سنوات من ضعف الإدارة العامة في اليمن إلى المساهمة في استشراء الفساد على نطاق واسع.. وهو ما تسبب بدوره في إضعاف الاقتصاد والبنية التحتية للبلاد

كيوبوست

اتهم فريق الخبراء المعني باليمن أطرافاً في الحكومة اليمنية بالانخراط في ممارساتٍ لغسل الأموال والفساد، وذلك في رسالة الفريق الموجهة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خلال يناير من العام الجاري. وحسب فريق الخبراء، فقد نفذت حكومة اليمن خطة لتحويل مئات الملايين من الدولارات من الأموال العامة إلى تجار محددين بصورة غير قانونية.

وفي حين أن الاتهامات الأخيرة تبين بالفعل حالة الفساد والضعف الكبير الذي تعانيه مؤسسة الدولة، فإن الخبر لم يكن مفاجئاً، وإن كان محبطاً، للشعب اليمني الذي يعايش ويسمع كثيراً عن الفساد بمختلف المستويات؛ بدءاً بالرشوة، ومروراً بالمحسوبية، والتوظيف غير العادل، ووصولاً إلى سرقة ونهب الأموال والأصول العامة.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد اليمني بين عجز الحكومة وطغيان المتمردين

تعلمنا دروس التاريخ أن أحد أسباب الإخفاقات العديدة في حرب فيتنام (1955-1975) كان إعاقة التنمية بين الفيتناميين بسبب انعدام الأمن، وعدم كفاءة الحكومة، والفساد. في منتصف عام 1966، أشارت التقارير الرسمية الأمريكية إلى أن السرقة والرشوة، والسوق السوداء والتلاعب بالعملة، وهدر الأموال، تشكل ما يصل إلى 40 في المئة من أموال المساعدات الأمريكية والسلع التي تدخل فيتنام الجنوبية، المدعومة من حكومة الولايات المتحدة. إن عدم التعلم من حروب وصراعات الأمم السابقة لا يؤدي سوى إلى المزيد من الصراعات، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في الصراع اليمني.

فساد البنك المركزي اليمني

في يناير من عام 2018، أودعت المملكة العربية السعودية نحو ملياري دولار أمريكي لدى البنك المركزي اليمني الذي يقع تحت سيطرة الحكومة اليمنية الشرعية؛ وذلك لتمويل خطابات الاعتماد اللازمة لشراء السلع الأساسية، والعمل على تعزيز الأمن الغذائي، وتثبيت الأسعار المحلية، في ظل الانهيار المستمر للاقتصاد.

وبينما كان الشعب ينتظر تحسناً في أسعار السلع، وثباتاً، إن لم يكن تحسناً، في أسعار الصرف، فإنه لم يرَ سوى العكس؛ إذ لجأ البنك المركزي إلى التلاعب في سوق الصرف الأجنبي، ومَنَح تجاراً محددين أسعار صرف أدنى من سعر السوق لتمويل وارداتهم. أدت هذه الطريقة إلى منح التجار مكاسب وصلت إلى 423 مليون دولار؛ بسبب سعر الصرف التفضيلي الذي حصلوا عليه، ناهيك بأرباح الاستيراد والبيع.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد اليمني على حافة الانهيار: أين اختفت أموال اليمنيين؟

لم يستفد المواطنون من المزايا التي حصل عليها الموردون، وظلوا يعانون الغلاء الذي يبرره التجار بانهيار العملة، على الرغم من أنهم حصلوا على النقد الأجنبي بسعرٍ أقل من المتداول. من ناحيةٍ أخرى، أدت تلك الاستراتيجية إلى تكبد البنك المركزي خسائر بمئات الملايين من الدولارات. ويعتبر فريق الخبراء أن إجراء البنك المركزي هو عملية تحويل مال عام بشكلٍ غير قانوني إلى شركاتٍ خاصة، وأن القضية عمل من أعمال غسيل الأموال والفساد.

جذور الفساد

يزدهر الفساد في الدول ذات المؤسسات الضعيفة، وعند تدخل الدول في الاقتصاد، أو عندما تؤدي سياسات وإجراءات الدولة إلى تحقيق مكاسب مالية لموظفيها. يحدث الفساد داخل البنوك المركزية أيضاً بسبب سوء الإدارة، وعندما تفقد البنوك المركزية استقلاليتها وشفافيتها.

مبنى البنك المركزي اليمني في صنعاء- AFP

غالباً ما يتم تمكين الفساد بواسطة محترفين من المصرفيين والمحامين والمحاسبين، وعادة ما يتم استخدام الشركات الوهمية والتعاون مع وكلاء العقارات والأنظمة المالية غير الشفافة لغسل الأموال وإخفاء الثروات. في بعض الدول، قد يكون الفساد أحد أساليب السياسة لممارسة السلطة والاحتفاظ بها.

اقرأ أيضاً: كيف يؤثر المغتربون اليمنيون في اقتصاد واستقرار اليمن؟

أدت سنواتٌ من ضعف الإدارة العامة في اليمن، والسياسات غير الملائمة، وتعارض القواعد القانونية والإجرائية مع الممارسة العملية، إلى المساهمة في استشراء الفساد على نطاقٍ واسع؛ وهو ما تسبب بدوره في إضعاف الاقتصاد والبنية التحتية للبلاد. ومن بين تلك الآثار، إضعاف وتقليص المشروعات الصغيرة والمتوسطة، واستئثار الشركات الكبرى بالحصة الأكبر في الأسواق بفضل نفوذها، وقدرتها على تحمل أعباء الفساد؛ كالرشوة.

دور التمرّد والإرهاب والقطاع الخاص

في عام 2015 سيطر تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على مدينة المكلا، جنوب اليمن، دون مقاومةٍ تُذكر من الجيش اليمني. اقتحمت العناصر الإرهابية فرع البنك المركزي في المدينة، ونهبت ما يُقدر بنحو 100 مليون دولار. تم طرد “القاعدة” من المكلا بعد عام؛ لكن الكثير من عناصره المتناثرة ظلت محتفظة بمبالغ مالية ضخمة. أكد مصدر خاص من القطاع المصرفي، تحدث إلى “كيوبوست”، شريطة عدم الكشف عن هويته، قيام بعض العناصر الإرهابية بغسل تلك الأموال من خلال الاستثمار في العقارات والسيارات، وبناء الأسواق التجارية (المولات) في مختلف أنحاء اليمن.

وفي عام 2016 تم نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن؛ لتجنب سيطرة المتمردين الحوثيين عليه، بعد أنباء عن استنزاف المتمردين لخزائن البنك، دعماً لمجهودهم الحربي؛ لكن انتقال البنك إلى عدن لم يجنبه الاستقلال التام ومخاطر تأثير السياسة والقطاع الخاص اللذين يسيطر عليهما النخبة والشركات الكبيرة. على سبيل المثال، لجأ الكثير من التجار والموردين إلى افتتاح شركات صرافة خاصة بهم؛ للحصول على العملة الصعبة بيُسر، وهو ما أدى إلى زيادة تأثير التجار في القطاع المالي والمصرفي.

مجمع عدن السياحي التجاري في عدن إحدى شركات مجموعة هائل سعيد أنعم- أرشيف

تتعرض البنوك المركزية الضعيفة والفاسدة؛ خصوصاً في البلدان النامية ومنخفضة الدخل، إلى ضغطٍ كبير من القطاع المصرفي والتجاري الخاص؛ للتأثير على السياسة النقدية لصالحهم، أو التأثير على صياغة وتطبيق -أو تكييف- القوانين واللوائح. أورد تقرير الخبراء المعني باليمن مثالاً واضحاً على هذا النفوذ المدمر؛ حيث ذكر أن مجموعة هائل سعيد أنعم وحدها قد استأثرت على 48 في المئة من الوديعة السعودية بفضل مزاياها التنافسية العالية، وسيطرتها على حصة كبيرة من السوق، ونفوذها داخل البنك المركزي والحكومة اليمنية، وقدرتها العالية على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

عواقب وخيمة

في عام 2016، قامت وزارة الخزانة الأمريكية بإدراج شركة “العمقي للصرافة” ومالكيها إلى قائمتها التي تستهدف الأفراد والكيانات الذين يساعدون الجماعات الإرهابية؛ بسبب تعاملات الشركة المالية مع عناصر من تنظيم القاعدة، حسب بيان الوزارة. تعمل الشركة في مختلف مناطق اليمن، إلا أن أكبر وجود لها في الجنوب؛ حيث تعتبر الأوسع انتشاراً والأكثر شعبية.

اقرأ أيضاً: اليمن.. هل تنجح الحكومة الجديدة في إنقاذ البلاد؟

أدت شركة “العمقي” دوراً حيوياً في دفع الرواتب وملء الفراغ المدمر الذي خلفه تعثُّر العمل المصرفي والمالي في حضرموت أثناء سيطرة التنظيم (من 2015 إلى 2016)، وتوقف عمل البنك المركزي المنهوب. وبغض النظر عن التهم المنسوبة إلى الشركة، فإن توقف عملها وتعثره حينها كان من الممكن أن يتسبب في كارثة اقتصادية للسكان والتجار والموردين.

يخلق الفساد سلسلة لا نهائية من المتورطين. وفي دولة تمتلك سجلاً سيئاً من العلاقات المشبوهة مع الإرهابيين والمتطرفين، كاليمن، فلا يستبعد لجوء المسؤولين والنافذين إلى تسهيل حصول الفاسدين والخارجين عن القانون على الأموال، وتيسير غسلها لهم، لتمويل عملياتهم وإخفاء ثرواتهم وحماية مصالحهم، وهو ما يعني أن الفساد لا يدمر الاقتصاد فحسب؛ بل يتسبب أيضاً في أضرار جسيمة بالحرية والديمقراطية والمساواة والحقوق، وهو يؤدي في نهاية المطاف إلى انقسام المجتمع، وخلق الصراع، وفقدان ثقة الشعب في دولته، وثقة المجتمع العالمي في الدولة.

إن نزاهة واستقلالية وشفافية الأنظمة المالية والمصرفية أساسية لاستقرار الاقتصاد، وتلقي المساعدات الأجنبية والقروض، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية؛ وبالتالي، فإن أية عملية سلام مأمول في اليمن يجب أن تركز على بناء مؤسسات دولة قوية، أقله في المناطق المحررة حالياً، وتغيير هيكلة وتنظيم البنك المركزي بمساعدةٍ خارجية وإرادة محلية صادقة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة