الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

تهجير إيران للسنة في العراق وسوريا.. الجذور والنتائج

تتخطى أهداف إيران الشعارات الدينية التي يروجها النظام وحلفاؤه.. والتي لا تُعد سوى غطاء برَّاق لطموحات توسعية متجذرة في التاريخ الطويل للحضارة الفارسية

كيوبوست- منير بن وبر

يعود ارتباط إيران بكل من العراق وسوريا إلى قرون عديدة خلت؛ حيث امتد حكم الإمبراطورية الفارسية الأولى (550- 330 قبل الميلاد) إلى بلاد ما بين النهرَين؛ ومنها سوريا والعراق حالياً. كما وقع البلدان تحت نفوذ الإمبراطورية الإيرانية الساسانية وغيرها من أشكال الارتباط والهيمنة. تُعد الإمبراطورية الفارسية إحدى كبرى الإمبراطوريات في التاريخ، وقد ألهمت إنجازاتها الإمبراطوريات اللاحقة لها.

ألقت تلك الجذور التاريخية، والتي تُعد من مفاخر الإيرانيين، بظلالها على تاريخ العلاقات بين إيران والمنطقة طوال القرون اللاحقة، وحتى الوقت الحاضر، وتفاعلت مع التغييرات المهمة الأخرى في المنطقة؛ مثل الفتح الإسلامي للإمبراطورية الفارسية الساسانية في القرن السابع الميلادي، وتأسيس الدولة العباسية في القرن الثامن الميلادي، وظهور التشيُّع وتبنِّي الدولة له كمذهب ديني لها بداية القرن السادس عشر الميلادي. 

اقرأ أيضاً: زيادة إيران تخصيب اليورانيوم.. انتهاك جديد للالتزامات الدولية

يؤدي كل من المكان والتاريخ دوراً بارزاً في السياسة وتشكيل الدول؛ فللمكان أهمية ليس من النواحي الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية فحسب؛ بل الرمزية[1] أيضاً، كما أنه يصعب إيجاد تفسيرات شاملة ومعقولة للتحولات التي تعايشها الدول دون أخذ التاريخ بعين الاعتبار. فعلى سبيل المثال، تُغري الأضرحة الشيعية المقدسة في العراق وسوريا الشيعة الإيرانيين، كما تُعد معركة القادسية، وهي المعركة الحاسمة للفتح الإسلامي لفارس، أحد جذور الكراهية المتأصلة لدى الفُرس للعرب إلى اليوم[2].

تهجير السُّنة في سوريا والعراق

أفاد تقرير لصحيفة “ذا إيكونوميست” في عام 2018 أن أكثر من نصف سكان سوريا قد نزحوا، ومعظمهم من المسلمين العرب السُّنة (نحو 80 في المئة وفقاً لبعض التقديريات)، وأصبحت جميع المدن الواقعة تحت سيطرة الحكومة تنتمي غالباً إلى الأقليات المسيحية والشيعية والعلوية. وحسب الصحيفة، يبدو أن السلطات عازمة على الإبقاء على هذه التركيبة الجديدة، على الرغم من ادعاء بشار الأسد، في عام 2017 أنه “مؤقت”. وحسب مؤسسة بروكينغز، فإن الجيش السوري وحلفاءه هم من قاموا بتهجير السُّنة قسراً، وقد أقرّ بشار الأسد، في لقاء مع وكالة “فرانس برس”، بأن التهجير “إجباري”.

مخيم اليرموك 2018- “رويترز”

الوافدون الشيعة الجدد الذين حلوا مكان السُّنة في سوريا، قَدِموا من سوريا والعراق ولبنان، بدعم من طهران. وصفت صحيفة “الجارديان” البريطانية، ذلك الاستبدال السكاني بأنه “أساسي” لإجراء تغييرات ديموغرافية بقيادة إيران لتعزيز مصالحها ونفوذها، انطلاقاً من حدودها حتى حدود إسرائيل. وأشارت التقارير إلى حرق منهجي لمكاتب السجل العقاري في مناطق سوريا التي تمت استعادتها؛ حتى يصعب على السكان إثبات ملكية منازلهم، كما قام نظام الأسد بتوزيع آلاف المنازل الفارغة التي خلفها السُّنة على الميليشيات الشيعية، وتم إحراق بعض منازل السُّنة وحقولهم أيضاً.

اقرأ أيضاً: صاروخ سوريا وانتقام إسرائيل ورسالة إيران

بذلت إيران جهوداً مكثفة خلال الحرب السورية لإنقاذ نظام بشار الأسد. اليوم، وبعد مرور عقد من الزمان على الصراع، تسيطر الميليشيات المدعومة من إيران على ضواحي دمشق، وتقوم بدوريات على الحدود السورية- اللبنانية، ويوجدون بأعداد كبيرة في جنوب سوريا، كما تمارس طهران القوة الناعمة لجعل المذهب الشيعي مقبولاً من خلال الإعانات المالية والخدمات الصحية، والخطاب الديني، والمنح الدراسية وترميم وتشييد الأضرحة.. وغير ذلك.

تعود علاقة التحالف الآخذ في الازدهار بين دمشق وطهران إلى سنوات الثورة الإيرانية الأولى؛ لكن الحال ليست ذاتها بالنسبة إلى العراق، فمنذ الثورة الإيرانية في عام 1979 سعى النظام الإيراني إلى تصدير ثورته إلى العراق من خلال حملة دعائية استهدفت المجتمع الشيعي فيها[3]، وقد أدت تلك الحملة إلى مناوشات حدودية، ثم الحرب الإيرانية- العراقية، من 1980 إلى 1989، والتي خلفت أعداداً هائلة من القتلى ومئات المليارات من الخسائر المالية.

اقرأ أيضاً: مراقبون لـكيوبوست“: أنفاق الأسلحة تعكس حجم تغلغل إيران في سوريا

أصبح المسلمون الشيعة في كل من إيران والعراق أكثر قرباً في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق[4] سنة 2003 وسقوط نظام صدام حسين، وقد تسبب انتعاش الشيعة في العراق في قلق كبير بين السُّنة في البلاد. بدأت عمليات تهجير قسري للعرب السُّنة وتغيير ديموغرافي وتدمير للمدن والبنية التحتية في مناطق مختلفة من العراق منذ عام 2004. في عام 2016، أشارت تقارير إعلامية إلى تهجير أكثر من 4 ملايين من السُّنة العرب في العراق بحجة محاربة الإرهاب، وأن عناصر الميليشيات الإيرانية قامت بتحويل مدن السُّنة إلى مناطق عسكرية ومنعت إعادة بناء المدن المدمرة بعد تحريرها.

من آثار الدمار في العراق.. الموصل- Getty

وصف تقرير لوكالة “أسوشييتد برس” العرب السُّنة في العراق بأنهم يشعرون بـ”الضياع وعدم اليقين بشأن مكانهم في مستقبل البلاد، ويخشون أن الغالبية الشيعية والأكراد يهدفون إلى تغيير التركيبة السكانية لبعض المناطق السُّنية لفرض سيطرتهم”، وقد أدى النفوذ الإيراني الهائل على الاقتصاد العراقي والجيش والحكومة إلى خلق واقع مدمر ومحبط للعرب السُّنة في العراق. في أحدث قصص التهجير والتدمير، كشفت التقارير مؤخراً عن مصادرة 15 ألف دونم (الدونم المربع يعادل 1000 متر مربع) من منطقة اللطيفية جنوب العاصمة بغداد، ذات الغالبية السُّنية، ومنحها إلى وزارة الدفاع؛ لإنشاء وحدات سكنية.

الطريق إلى القدس

كانت إيرانُ ثاني بلدٍ ذي أغلبية مسلمة، بعد تركيا، يعترف بإسرائيل كأمرٍ واقع عام 1950؛ لكن منذ قيام الثورة الإيرانية ظلَّ النظام الإيراني وأتباعه يرددون الشعار الشهير “الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء”، وهو شعار بقي يحشد همم أتباع النظام وحلفائه لعقود؛ للسيطرة على العراق ولبنان وسوريا، وحتى اليمن، بغرض تحرير القدس، ولم تكن النتيجة سوى تدمير وإهدار مقدرات هذه الدول، وتهجير سكانها وتغيير تركيبتها الاجتماعية، وزرع الكراهية بين طوائفها المختلفة والمتعايشة لولا التدخل الإيراني وتسييس الإسلام.

اقرأ أيضاً: هل يحتاج الناس إلى الدين والفلسفة؟

يضفي النظام الإيراني الصبغة الدينية دائماً على تحركاته، وقد يفعل الشيءَ ذاته المقاومون لهم. على سبيل المثال، عُرفت الحرب العراقية- الإيرانية في إيران باسم “الدفاع المقدس”، بينما أطلقت الحكومة العراقية، آنذاك، على الحرب لقب “قادسية صدام”؛ تيمناً بمعركة القادسية الشهيرة، فلطالما تناوب رجال الدين ورجال الدولة عبر التاريخ على حكم الناس واستغلال قوة الدين لتحقيق الطموحات السياسية.   

ومع ذلك، فأهداف إيران تتخطى الشعارات الدينية التي يروجها النظام وحلفاؤه، والتي لا تُعد سوى غطاء برَّاق لطموحات توسعية متجذرة في التاريخ الطويل للحضارة الفارسية، وغريزة العنف والتدمير التي تخلق الحروب عبر التاريخ، كما يعتقد بعض العلماء؛ مثل سيغموند فرويد، وهذا ما يجعلنا نرى بوضوح كيف أصبحت القدس مُثقلة بالمدلولات القيِّمة المُتنافس عليها، وليست مجرد مكان مقدس لثلاثة أديان[5]، وكيف أصبحت إسرائيل حُجةً وعدواً يحتاج إليه النظام الإيراني -بطريقته الخاصة- ليبقى ويتوسَّع.

[1] The Oxford Handbook Of Political Science. Goran Therborn. Page 499

[2] IRAQ AND IRAN, The Years of Crisis. Jasim Abdulghani. Page 2

[3] The Iran – Iraq War. M. S. EL-Azhary . Page 1

[4] Iran and Iraq. Religion, War, and Geopolitics. Page 4.

[5] The Oxford Handbook Of Political Science. Goran Therborn. Page 507

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة