الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

تناقض الجناحين السياسي والدعوي للإخوان المسلمين في المغرب بسبب التطبيع!

الازدواجية في المعايير والمصالح ترجمتها المواقف المتضاربة لحزب العدالة والتنمية الذراع السياسية وحركة التوحيد والإصلاح الذراع الدعوية للإخوان تجاه ملف تطبيع العلاقة مع إسرائيل

كيوبوست – مصطفى أبو عمشة

تناقض وتضارب صارخ في المواقف والرؤى بين حركة “التوحيد والإصلاح”، الذراع الدعوية لحزب العدالة والتنمية، والحزب الذي يمثل الذراع السياسية لحركة الإخوان المسلمين في المغرب، كان آخرها موقف الطرفَين من تطبيع الرباط علاقاتها مع إسرائيل؛ فـ”العدالة والتنمية” برر التطبيع، واعتبره صوراً من صور السلام مع الآخر، بل إنه برر لزعيمه هذا التطبيع، بينما حركة التوحيد والإصلاح نددت به ووصفته بأنه خيانة وتطبيع مع “عدو محتل”.

وكان حزب العدالة والتنمية المغربي قد انتقد التطبيع الرسمي للإمارات والبحرين مع إسرائيل في 23 أغسطس الماضي؛ وجاء وقوف أعضاء حزب العدالة والتنمية مع الأمين العام للحزب رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني، والموافقة على توقعيه التطبيع مع إسرائيل، ليطلق الجدل داخل الساحة الإخوانية في المنطقة.

اقرأ أيضاً: وصول أول وفد مغربي إلى إسرائيل يشعل انقسامات الإخوان

لكن البعض يرى أن توقيع سعد الدين العثماني، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، على اتفاقية التطبيع مع إسرائيل لم يكن مفاجئاً؛ حتى على المستوى الأيديولوجي، علماً بأن الخطاب الظاهر يقول إن الإسلاميين هم أعداء إسرائيل ويعتبرونها العدو الأكبر في العالم، والحقيقة ليست كذلك؛ فهم يتعاملون مع إسرائيل بوجهَين، وجه في العلن ووجه في الخفاء، وكدليل على ذلك نرى نموذجهم الأكبر أردوغان الذي يبارك العلاقات التجارية مع إسرائيل؛ بل إن منسوب العلاقات التجارية في ارتفاع في عهده بشكل كبير، وقطر الداعم الأكبر للإخوان المسلمين لها علاقات متميزة مع إسرائيل طيلة السنوات الأخيرة.

بعد أسابيع فقط من وصفه التطبيع بالخيانة العظمى رئيس الحكومة المغربية الإخواني سعد الدين العثماني يوقع شخصياً على اتفاق التطبيع بين المغرب وإسرائيل

الازدواجية في المعايير والمواقف 

ومن خلال التدقيق والتحليل في البيانَين الصادرَين عن حركة التوحيد والإصلاح، وحزب العدالة والتنمية، اللذين يضمان نفس القيادات والمرجعية، فإن كلا البيانَين عبَّرا عن تمسكهما بدعم القضية الفلسطينية، وكلاهما أعلنا رفضهما ما وصفاه “اختراق الصهيونية للمجتمع”.

 إلا أن بيان الحركة الدعوية انتقد خيار الدولة المغربية في إعلان التطبيع، بينما أكد الحزب السياسي لنفس التيار، أنه ملزم باتباع موقف الملك والتماهي معه، وأعلن الثقة الكاملة فيه؛ بينما لم يشِر إلى أنه يعتبر استئناف إعلان العلاقات مع إسرائيل “مسألة خيار سلام”، وهنا يؤكد الباحث المغربي في شؤون الإسلام السياسي عادل الحسني، أنه وبطبيعة الحال توجد تناقضات صارخة، ويصعب إيجاد انسجام بين البيانَين، وأيضاً من المستحيل إيجاد تماسك بين إعلان الحزب تمسكه بدعم القضية الفلسطينية، وهو الذي وقَّع عبر أمينه العام إعلان استئناف العلاقات وإعادة العلاقات.

عادل الحسني

ويرى الحسني، في تصريحاتٍ خاصة أدلى بها إلى “كيوبوست”، أنه على مستوى المعايير فالحزب والحركة معاً وقعا في التضليل والتناقض، منذ إعلانهما المبدئي دعم القضية الفلسطينية، من وجهة النظر الإخوانية، وفي الوقت نفسه أعلنا أن عملهما الدعوي والسياسي لا يخرجان عن الرؤية السياسية والمجتمعية لإمارة المؤمنين في المغرب؛ حيث إن اتباع إمارة المؤمنين ودعمها هو السند الفكري الذي دعم إنشاء هذا التنظيم، وحمى نشأته، رغم تناقضه مع دستور المملكة الذي يمنع قيام تنظيمات سياسية على أسس دينية أو عرقية أو لغوية.

ويعتبر الحسني أن حزب العدالة والتنمية على غرار جل الحركات الدينية والعروبية في المنطقة، استفاد انتخابياً من قضية فلسطين دون أن يقدم لها في المقابل دعماً محدداً؛ لا من حيث المساهمة المادية، ولا أن تكون مساهماً في تطوير مسار السلام فيها، ودعم استرجاع حقوق الفلسطينيين، مشيراً إلى أن هَم الإسلاميين كان في تبني رؤى الحركات الإسلامية الرافضة لاتفاقات السلام مع إسرائيل للاستفادة من العائد الانتخابي، ولم يكن في حسبان الحزب الديني القوي في المغرب أن يوضع تحت اختبار مواقف سياسية تجاه فلسطين لم يضعها يوماً في الحسبان.

اقرأ أيضاً: المغرب سادس دولة عربية تقيم علاقات مع إسرائيل

ويوضح الحسني أن الحزب حاول تبرير التطبيع بضرورة إحلال السلام، وهذا شرف لم ينله، فعبر بيانه ومواقف رئيس الحكومة الإسلامي، يتضح أن موقفه نابع عن تماه سابق مع السلطة المعروفة في جل القضايا الداخلية والخارجية، منوهاً بأن “الأيديولوجيا الدينية بالنسبة إلى الحزب ما هي إلا مركبات فكرية وأيديولوجية؛ للحفاظ على الكتلة الناخبة كل خمس سنوات”، والتي من دون شك ستعاقبها في الانتخابات البلدية والجهوية والبرلمانية العام المقبل.

 ومن هنا، فإن الحزب لا يملك قدرة إعلان رفض التطبيع مع إسرائيل؛ لأنه ملزم بإظهار الولاء المتين للقصر الملكي، وفي المقابل تظل الحركة الدعوية البعيدة عن القصر تعلن رفض التطبيع من أجل الحفاظ على الشعبية الانتخابية لحزبها في الاستحقاقات المقبلة.

صراع الأدوار بين المصالح الوطنية والأيديولوجيا الدينية

تعد حركة التوحيد والإصلاح المغربية الذراع الدعوية لحزب العدالة والتنمية، ومن المنطلق الأيديولوجي للحركة فهي مناهضة للتطبيع، وهذا شأن أغلب الحركات الدعوية الدينية واليسارية في العالم العربي. في المقابل، حزب العدالة والتنمية يعتبر حزباً سياسياً محكوماً بالمصلحة الوطنية أولاً، وبالبراجماتية السياسية والتي جعلت هناك اختلافاً بين أعضائه في هذا القضية.

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث، الدكتور ذياب البداينة، في حديثٍ خاص إلى “كيوبوست”، أن حزب العدالة والتنمية حزب مناهض للتطبيع عموماً، والحكومة مع التطبيع من منطلقات المصالح الوطنية والقرار السيادي، وهنا تمثل دور العثماني ليس كرئيس للحزب، وإنما كرئيس للوزراء ورجل دولة؛ حيث تغلب المصلحة الوطنية على المرجعية الحزبية.

ذياب البداينة

ويشير البداينة إلى أن العثماني هدَّد بالاستقالة من الحزب؛ وهذا أدى إلى تأجيل انعقاد دورة المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية “البيجيدي”؛ حيث نقل عن العثماني قوله: “أتحمل مسؤوليتي كرئيس لحكومة المملكة المغربية، وأن التوقيع على الإعلان المشترك باعتباري رجل دولة، لذلك فكرت في تقديم استقالتي من الأمانة العامة للحزب؛ رفعاً للحرج على أي عضو في حزب العدالة والتنمية”، خصوصاً أن المغرب حقق المكسب السيادي المتمثل في الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، وكذلك المكسب الاقتصادي من مشروعات وشراكات مهمة.

من المحتمل والمتوقع أن تنطلق مشروعات تطوير إفريقيا من المغرب بعد التطبيع كما يؤكد البداينة، ولذا فمن الطبيعي جداً أن يوقع العثماني على اتفاقيات التطبيع، أما موقف الحزب الرسمي فحتى هذه اللحظة لم يجتمع الحزب لاتخاذ موقف؛ وهو في موقف أيديولوجي صعب، حيث لا يستطيع تجاوز مكانة الملك الدينية؛ وبالتالي فالشرعية الدينية التي قد يستند إليها الحزب أو الحركة غير واردة، نظراً لأن ذلك لا يشكل تعارضاً مع مصالح المغرب الوطنية وإنما تجاوزاً على مكانة الملك الدينية.

اقرأ أيضاً: أزمة “كورونا” تكشف عن ضعف حكومة العدالة والتنمية في المغرب

وكما هي الحال في العالم العربي، يظهر في مثل هذه المواقف صراع الأدوار بين مَن يشارك في الحكم في الموقف الرسمي والموقف الحزبي. وفي هذا الإطار يؤكد البداينة أننا تعودنا في العالم العربي، عند اتخاذ مواقف غير تقليدية، أن تنهال دعوات التخوين والرفض، وتسود خطابات الكراهية، ودعوات العنف والحروب؛ فعلى سبيل المثال، فإنه في الأردن نسمع أصوات التخوين لاتفاقية السلام ودعوات لإلغاء الاتفاقية، علماً بأن الأردن قد حقق أهدافه الوطنية؛ والتي أهمها تحديد حدوده، وبسبب هذه الدعوات والفشل الحكومي، لم يتم استثمار الاتفاقية في جوانب تقنية واقتصادية وعلمية.

وكما يرى البداينة، فإنه تم توظيف القضية الفلسطينية كشماعة تستند إليها وتلتقي الأحزاب الدينية المتطرفة واليسار المتطرف، حتى أصبح الفلسطيني أكثر واقعية وبراغماتية في التعامل مع قضيته من مثل هذه الأحزاب، معتبراً أن ادعاء مثل هذه التيارات جعلها تعتقد أنها فلسطينية أكثر من الفلسطينيين أنفسهم في تقرير مصيرهم، وتحقيق مصالحهم الوطنية؛ خصوصاً أن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهذا يعني أن القضية الفلسطينية شأن فلسطيني فقط.

اقرأ أيضاً: احتقان غير مسبوق في المغرب: كيف يقود الإخوان البلاد إلى المجهول؟

 ويختم البداينة حديثه بالقول: “وقد أحرج أردوغان الأحزاب الإسلامية وخلط  الأوراق لدى الحركات الدينية، عندما طالب بتعزيز علاقات تركيا مع إسرائيل وتطويرها نحو الأفضل؛ فالحزب في موقف لا يُحسد عليه، ودعم الحزب للعثماني قد يفقده قواعده أو بعضها، ومعارضة العثماني تعني معارضة الدولة؛ خصوصاً في موضوع السيادة على الصحراء، وهي قضية لا تقبل المزايدة في المغرب”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة