الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

تنافس روسي- أمريكي في مياه السودان الإقليمية

الحضور الروسي تنامى في السودان منذ حقبة نظام البشير.. لكن الجديد على الساحة هو تكثيف الوجود الأمريكي بعد عودة العلاقات ورفع اسم السودان من لائحة العقوبات

كيوبوست – عبد الجليل سليمان

بُعيد رسوِ السفينة الحربية الأمريكية “يو إس إس كارسون سيتي” على رصيف ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، شرقي السودان، ومع إطلالة فجر 28 فبراير الماضي؛ إذ بالمدمرة الروسية “الأدميرال غريغوروفتش” تدخل نفس الميناء. فما الذي يحدث في الساحل السوداني المُطل على البحر الأحمر؟

تعود القصة ربما إلى 24 نوفمبر 2017، حين طلب الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، لدى لقائهما بمنتجع سوتشي الروسي على البحر الأسود، بطريقةٍ دراماتيكية مثيرة، حمايته مما وصفها بالأعمال العدائية للولايات المتحدة، حينها كان البشير متهماً بالتورط في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور، غرب السودان، ومطلوباً لدى المحكمة الجنائية الدولية.

اقرأ أيضاً: السودان خارج قائمة الإرهاب.. فهل ستعبر الحكومة الانتقالية به إلى بر الأمان؟

منذ ذلك الحين، والحضور الروسي في السودان، فاعل ومتنامٍ، إلى أن وافق الرئيس الروسي بوتين، في نوفمبر من العام الماضي، على بناء قاعدة بحرية روسية في السودان قادرة على استيعاب سفنٍ تعمل بالطاقة النووية، وستضم هذه القاعدة، وهي الأولى من نوعها لروسيا في إفريقيا، نحو 300 من العسكريين والمدنيين الروس.

وعقب إطاحة البشير ونظامه، أخذت الولايات المتحدة تنظر إلى علاقتها مع السودان بشكل أكثر مرونة؛ فمن رفع العقوبات بعد إزالة اسمه من قائمة الدول الراعية للإهاب، إلى تقديم المعونات والتسهيلات لدعم الاقتصاد السوداني المتهالك، وصولاً إلى سفنٍ حربية تمخر عباب البحر الأحمر “السودان”.

فقد كشفت السفارة الأمريكية في الخرطوم، السبت الماضي، عن وصول ثاني سفينة حربية أمريكية إلى ميناء بورتسودان شرقي البلاد، خلال أسبوع واحد، وقالت إن ذلك يحدث من أجل “تعزيز الشراكة مع السودان”.

اقرأ أيضاً: وساطة سعودية غير معلنة قد تكون خلف زيارة قطان إلى السودان

صراع خفي

الأصمعي باشري

بالنسبة إلى الصحفي والباحث السياسي الأصمعي باشري، فإن روسيا التي كانت تدعم النظام العسكري البائد في البلاد، لا تزال تدعم المكون العسكري بالحكومة الانتقالية الحالية، بينما تُعلن الولايات المتحدة تمسكها بالجانب المدني.

يضيف باشري لـ” كيوبوست”: في ظلِّ الصراع الخفي بين المدنيين والعسكريين في البلاد؛ فإن الدخول في تحالفات عسكرية وبناء قواعد حربية، ومنح امتيازاتٍ لوجستية لدول أجنبية، هي قرارات سيادية مركزية تتعلق بمستقبل الأمن الوطني واستقلاليته، ولا يُمكن أن تنفرد به مجموعة محددة من مكونات الحكومة السودانية الانتقالية دون الأخرى، تحت غطاء أنه شأن (عسكري) دون النظر إلى أبعاده السياسية وتأثيراته المترتبة على مستقبل الوطن وأجياله القادمة.

سفينة تتبع البحرية الروسية- “رويترز”

ويشير باشري، في حديثه إلى “كيوبوست”، إلى أن هناك اتفاقية سابقة وقعها نظام البشير مع روسيا لإنشاء قاعدةٍ بحرية، كما أن هناك الاتفاق السوداني- الأمريكي الأخير لفتح التعاون العسكري بين البلدين. وتاريخياً؛ فإن الموانئ السودانية على البحر الأحمر ظلت محل أطماع إقليمية ودولية، وذلك بسبب أهمية البحر الأحمر الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية؛ ففي نظام الإخوان المسلمين، وإبان علاقته الجيدة مع إيران منتصف التسعينيات، حاولت الأخيرة أن يكون لها موطئ قدم في السودان، ففكرت في إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، وأرسلت الخبراء والبارجات الحربية، ولولا تقاطع الأمر مع مصالح المملكة السعودية التي أوقفت كل هذا، لكانت لإيران قاعدة على البحر الأحمر. يواصل باشري: في خضم كل ذلك، يعتبر مراقبون أن زيارات السفن الأمريكية الحربية التي تليها زيارات سفن روسية، ما هي إلا مؤشر لتنافس مُعلن مع روسيا على البحر الأحمر، من قِبل الإدارة الأمريكية الجديدة.

اقرأ أيضاً: ما الدوافع خلف حملة الاعتقالات ضد عناصر الإخوان في السودان؟

 صراع نفوذ مُعلن:

د.أميرة أحمد

أما أميرة أحمد؛ الباحثة السياسية وأستاذة الأنثروبولوجي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، فتعتقد أن المجتمع الدولي، رغم حصاره المُعلن على نظام عمر البشير البائد، والعقوبات الاقتصادية التي كان يفرضها عليه، وتصنيفه كدولةٍ راعية للإرهاب؛ فإنه كان يقاطع حكومة الإخوان المسلمين في العلن ويتعاون مع رموزها سراً، ولا ننسى تعاون الاتحاد الأوروبي في موضوع الهجرة الدولية وتهريب المهاجرين، الذي تمخض عن عملية الخرطوم، والتعاون الاستخباري بين أمريكا والسودان؛ حيث كان يشرف عليه مدير مخابرات البشير الأشهر الفريق صلاح قوش.

اقرأ أيضاً: كيف سيرد السودان على تهديدات الميليشيات الإثيوبية العابرة للحدود؟

تضيف أحمد: في ذات الوقت كانت روسيا تمرح كما تشاء في السودان، وإيران كانت تفعل كل شيء، وإن كان لهذا الحديث أهمية، فهو يدل على أن المجتمع الدولي لا يقوى على إدارة شؤونه في هذه المنطقة، دون أن يكون السودان لاعباً أساسياً، بحكم أهميته الجيوستراتيجية. الآن، بعد زوال نظام الإنقاذ، عادت هذه القوى الدولية مرة أخرى إلى التدخل في السودان، هذه المرة من الباب الأمامي، وأخشى أن يتحول السودان إلى بؤرة لفرض النفوذ، وتحقيق مصالح القوى المتصارعة، كما يحدث في سوريا.

سفينة أمريكية تتجه نحو ميناء بورتسودان

تواصل الباحثة السياسية حديثها إلى “كيوبوست”، مؤكدة أن أبرز الفاعلين على الساحة السودانية هو أمريكا؛ حيث زاد وجودها بشكل كبير ومضاعف في الآونة الأخيرة، وكانت زيارة حمدوك إلى واشنطن في أول أيام توليه الحكم، ثم زيارة وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو، لأول مرة منذ 25 سنة، مروراً بمحطة التطبيع والعمل على تقليص مكامن الخطر المحتمل من إيران وتركيا وروسيا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى السيطرة على منفذٍ مهم في البحر الأحمر، ولعل السودان هو المكان الأنسب من الناحة الاستراتيجية.

اقرأ أيضاً: السودان يسحب الجنسيات من 3548 شخصاً غالبيتهم إخوان

من جهته، أشار الصحفي والباحث في شؤون القرن الإفريقي عبدالقادر محمد علي، في حديثه إلى “كيوبوست”، إلى أن روسيا استطاعت بناء علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية السودانية إبان حقبة الإنقاذ، مُستغلة الأزمة العميقة بين الخرطوم والغرب عموماً وواشنطن خصوصاً؛ ما أتاح لموسكو إيجاد مساحة جديدة لها في شرق إفريقيا، بعد انكماشها إثر انهيار جدار برلين وتفتت الاتحاد السوفييتي الذي كان يتمتع بحضور قوي في إثيوبيا إبان حقبة “منغستو هيلي ماريام”، وفي الصومال في عهد محمد سياد بري، في حين كانت الخرطوم بحاجة إلى ظهيرٍ دولي في مواجهة العزلة الدولية المتصاعدة نتيجة اتهامها بدعم الإرهاب، كما كانت بحاجة إلى مورد للسلاح، وهي تخوض حروباً داخلية في الجنوب ثم دارفور.

عبدالقادر محمد علي

يستطرد علي: رغم تأييد روسيا قرار الأمم المتحدة الصادر عام 2005 بحظر صادرات الأسلحة إلى أطراف الحرب في دارفور غربي السودان، فقد شحنت موسكو دبابات قتالية من طراز T-72 وقاذفات قنابل يدوية وأسلحة صغيرة إلى السودان عام 2008، كما دعا الرئيس المخلوع عمر البشير، في قمة جمعته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في نوفمبر من نفس العام، إلى إنشاء موسكو قاعدة في السودان؛ لحمايته مما وصفه بالعدوان الأمريكي.

ومع ذلك، فإن حكومة ما بعد الثورة السودانية أبقت على اتفاقية بناء القاعدة الروسية؛ من أجل الحفاظ على العلاقات بين الجانبين، وللحفاظ على الخرطوم كسوق للسلاح من الجانب الروسي. ووفقاً لعلي، فإن تحليل معهد ستوكهولم لأبحاث السلام لمبيعات السلاح الروسي إلى إفريقيا في الفترة ما بين 2015 و2019، أظهر السودان ضمن الدول الخمس الأولى في إفريقيا شراءً للمعدات العسكرية من موسكو، كما تضمن القاعدة مدخلاً لتعزيز النفوذ الجيوسياسي لروسيا في حوض البحر الأحمر وشرق إفريقيا؛ في خضم صراع دولي متصاعد على الممر المائي الحيوي المهم والأسواق الإفريقية الناشئة.

الفرقاطة الروسية “أدميرال غريغوروفتش ” إلى الساحل السوداني

إلى ذلك، فإنه وبعد قرار الإدارة الأمريكية شطب السودان من قائمتها للدول الراعية للإرهاب، وتطبيع العلاقات بين البلدين، فإن واشنطن تسعى لإحداث اختراق في الجدار الروسي- السوداني من خلال أنشطة متعددة الأوجه، برز منها في الآونة الأخيرة تحرك ملحوظ للقادة العسكريين الأمريكيين في السودان، ورسو متكرر للسفن الحربية الأمريكية في ميناء بورتسودان، ويبدو أيضاً أن واشنطن بحضورها القوي في مفاصل السياسة السودانية تحاول دعم الحكومة المدنية؛ لا سيما عند النظر إلى الخطوط العريضة للأجندة السياسية التي أعلنها الرئيس جو بايدن، مؤخراً.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة