الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

تمويل الإرهاب.. جهود خليجية في مواجهة تحديات غير مسبوقة

يستخدم الإرهابيون بشكل أساسي أنشطة غسيل الأموال لإخفاء مصدر أموالهم.. ويرون في الأسواق الخليجية المفتوحة مساحة مهمة لتوسيع هذا النشاط 

كيوبوست- منير بن وبر

استضافت دولة الكويت، مؤخراً، ورشة عمل إقليمية بشأن مكافحة تمويل الإرهاب وتعزيز الخبرات وتبادل المعلومات ذات الصلة، مع التركيز على مخاطر العملات الرقمية ومكافحة غسيل الأموال. أُقيمت الورشة بمشاركة خبراء من ‏وفود الدول الأعضاء في مركز استهداف تمويل الإرهاب، وبرئاسة مشتركة من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.

يقوِّض غسيل الأموال سلامة واستقرار الأنظمة المالية في جميع أنحاء العالم، كما تمثل العملات الرقمية -وتُعرف أيضاً بالعملات الافتراضية والعملات المشفرة- تحديات جديدة للسلطات العامة التي تسعى إلى حماية سلامة الأنظمة المالية ومكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

اقرأ أيضاً: لماذا خصص الإسلاميون في الكويت قناة للهجوم على العلمانية؟

يُعد مجلس التعاون لدول الخليج العربية مركزاً مالياً عالمياً يُحسد عليه؛ حيث يحتل بعض أعضائه -كالإمارات مثلاً- مراتب متقدمة عالمياً من حيث سهولة ممارسة الأعمال التجارية ومن حيث القدرة التنافسية الاقتصادية. ولكن مع مكانة عالية كهذه تأتي مسؤوليات متزايدة؛ خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

في عام 2017، تم إنشاء مركز استهداف تمويل الإرهاب لمواجهة التهديدات والمتغيرات الناشئة عن تمويل (الإرهاب) برئاسة مشتركة للمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية وبمشاركة عضوية دول الخليج العربي. كما تبذل دولة الكويت منذ عقدَين من الزمن تقريباً المزيد من الجهود لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وتعزيز الأداء المالي والنمو الاقتصادي فيها.

البتكوين.. أشهر العملات الرقمية- MichaelWuensch

تهديدات محدقة

هناك عدة طرق يمكن خلالها للعملات الرقمية وغسيل الأموال وتمويل الإرهاب الارتباط ببعضها البعض. على سبيل المثال، قد يستخدم المجرمون العملات الرقمية لغسيل الأموال أو لتمويل الأنشطة الإرهابية.

يمكن أيضاً استخدام العملات الرقمية لشراء سلع أو خدمات يمكن استخدامها لدعم الإرهاب. بالإضافة إلى ذلك، من المعروف أن بعض المنظمات الإرهابية تقبل التبرعات بالعملة الرقمية وتروج لها بنشاط. يمكن للجماعات الإرهابية والإجرامية استخدام العملات الرقمية لشراء أسلحة أو متفجرات، أو لدفع تكاليف السفر أو الإقامة، أو لتمويل حملات دعائية.

اقرأ أيضاً: من النفط إلى الماس.. تجارة الجماعات الإرهابية تدق ناقوس الخطر

يعد استخدام العملات الرقمية في تمويل الإرهاب مصدر قلق متزايد؛ ففي حين أن إخفاء الهوية الذي توفره بعض العملات الرقمية قد يجعلها جذابة لأولئك الذين يتطلعون إلى تمويل الإرهاب، فإن السمات نفسها تجعل من الصعب تتبع النشاط الإرهابي ومنعه. ما يزيد الأمر صعوبة هو أن التحويلات الرقمية -مجهولة المصدر والهوية- يمكنها عبور الحدود بسهولة؛ مما يجعل عملية تتبع النشاط الإرهابي أو الإجرامي وتعطيل مصادر التمويل في غاية الصعوبة.

على الرغم من عدم وجود حل سهل لهذه المشكلة؛ فإن زيادة الوعي والفهم للطرق التي يستخدم بها الإرهابيون العملات الرقمية هي خطوة أولى ضرورية. يجب أن تكون وكالات إنفاذ القانون والاستخبارات يقظة في تتبع النشاط الإرهابي المتعلق بالعملات الرقمية، ويجب أن يكون الجمهور على دراية بالمخاطر المرتبطة باستخدامها.

جهود مشتركة

في تصريح لوكالة الأنباء الكويتية، قال مساعد وزير الخارجية الكويتي لشؤون التنمية والتعاون الدولي، حمد المشعان: إن الورشة التي عُقدت يومَي 19 و20 سبتمبر، هدفت إلى بناء القدرات والمخاطر التي تشكلها العملات الافتراضية على النظام المالي العالمي. وقد تم خلال الورشة تقديم أفضل التجارب والخطوات اللازمة لمواجهة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

مساعد وزير الخارجية لشؤون التنمية والتعاون الدولي الوزير المفوض حمد المشعان- كونا

شارك في الورشة خبراء من وفود الدول الأعضاء في مركز استهداف تمويل الإرهاب؛ وهو مشروع مشترك بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ويهدف إلى قمع تمويل الأنشطة الإرهابية من خلال اتخاذ التدابير الكفيلة بذلك؛ مثل تصنيف الأفراد والكيانات الممولة للإرهاب وفرض الجزاءات بحقها.

تعد دول مجلس التعاون الخليجي في طليعة الدول التي تبذل جهوداً ملحوظة في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وقد طبقت هذه الدول -مجتمعة أو منفردة- عدداً من المبادرات في هذا المجال، وشددت قوانينها وأنظمتها على قمع هذه الأنشطة. من ذلك -على سبيل المثال- مشاركة دول مجلس التعاون الخليجي في مجموعة العمل المالي (FATF) التي تم تأسيسها في عام 1989 لتطوير السياسات الهادفة إلى مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب عالمياً.

كما يُعد أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي أعضاء فاعلين في مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا MENAFATF؛ وهي الهيئة الإقليمية المسؤولة عن تنسيق جهود مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

اقرأ أيضاً: العملات المشفرة وتمويل الإرهاب في آسيا

أحرزت دول مجلس التعاون الخليجي تقدماً ملحوظاً في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب؛ ولكن لا يزال هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به. تحتاج هذه البلدان إلى الاستمرار في تعزيز قوانينها وأنظمتها، وزيادة التعاون وتبادل المعلومات في ما بينها، والمشاركة بنشاط في المبادرات الدولية.

جهود كويتية

تأتي ورشة مكافحة تمويل الإرهاب الأخيرة في دولة الكويت استمراراً لجهود الدولة لمكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال؛ خصوصاً مع التحديات الجديدة التي تفرضها العملات الرقمية، ففي حين أن هناك العديد من الفوائد لاستخدام العملات الرقمية؛ مثل انخفاض تكاليف المعاملات وتسريع المدفوعات، إلا أن هناك أيضاً بعض المخاطر.

الكويت- أرشيف

أحد أكبر المخاطر هو إمكانية استخدام العملات الرقمية لغسيل الأموال أو تمويل الإرهاب؛ خصوصاً أن العملات الرقمية لا تخضع للتنظيم من قِبل الحكومات أو المؤسسات المالية. وهذا يعني أنه من الأسهل على المجرمين استخدامها في أنشطة غير مشروعة؛ بالذات في الدول التي تشهد نشاطاً اقتصادياً ضخماً.

منذ عقدَين من الزمن تقريباً، تنخرط الكويت في مكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال بحزم. وخلال السنوات الماضية، واجهت السلطات العديد من الظواهر والمشكلات؛ مثل شحنات الأموال المستوردة المستخدمة في غسيل الأموال، كما اشتهرت قضايا غسيل أموال حساسة؛ مثل قضية غسيل الأموال التي طالت عدداً من مشاهير التواصل الاجتماعي في الكويت في عام 2020، وقضية الصندوق الماليزي المتهم فيها نجل رئيس الوزراء الكويتي السابق، الشيخ جابر المبارك الصباح، وشريكه رجل الأعمال حمد الوزان.

اقرأ أيضاً: العملات الرقمية للبنوك المركزية.. مستقبل المال

لمواجهة تلك الظاهرة التي تؤرق السلطات، تم إنشاء وحدة التحريات المالية الكويتية في عام 2013. تعمل الوحدة على تلقي وتحليل ونشر المعلومات المالية المتعلقة بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وتوفر التدريب والتوجيه بشأن تدابير مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب للقطاع الخاص والهيئات الحكومية. كما تعمل الوحدة مع مجموعة العمل المالي ومجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومجموعة الأجمونت. وتولي الكويت اهتماماً أعلى بشأن تمويل الإرهاب مقارنةً بغسيل الأموال؛ بسبب المخاوف السياسية الحالية.

يستخدم الإرهابيون والمنظمات الإرهابية بشكل أساسي أنشطة غسيل الأموال لإخفاء مصدر أموالهم، وفي حين أن هذا النشاط يؤدي بلا شك إلى ازدهار الإرهاب في الدول المتأثرة، فإنه يؤثر سلباً كذلك على اقتصاد الدول التي يُمارس فيها غسيل الأموال؛ مثل تقويض القطاع الخاص وفقدان السيطرة على السياسة الاقتصادية وخسارة الدخل وتشويه سمعة الدولة ونظامها المالي؛ الأمر الذي يجعل جهود مكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال ضرورة للاقتصاد المحلي والسلام العالمي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة