الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

تمثال للملك “شيشناق” يثير الجدل مع احتفالات السنة الأمازيغية!

الملك شيشناق مثَّل رابطاً حضارياً يجمع كل دول شمال إفريقيا وصولاً إلى مصر.. لكن نصب تمثال له في مدينة تيزي وزو في الجزائر أشعل السجال حول أصله وتاريخه

الجزائر- علي ياحي

أعادت الاحتفالات بالسنة الأمازيغية الجديدة، صراع الهوية في الجزائر إلى نقطة الصفر، وأثبتت “المناوشات” أن الجرح أعمق مما حاولت السلطة اختزاله في دسترة الأمازيغية كلغة وطنية رسمية، والاعتراف بـ”12 يناير” كأول يوم من السنة الأمازيغية مثل السنتَين الهجرية والميلادية.

وجاءت الاحتفالات هذه السنة لتكشف عن حجم “الشرخ” بين الجزائريين؛ حيث اندلعت “معارك” على مواقع التواصل الاجتماعي، وشغلت النقاشات حيزاً كبيراً من صفحات الجرائد، وتطايرت الشظايا لتصل إلى مصر؛ وذلك على خلفية تدشين تمثال للملك الأمازيغي “شيشناق” في مدخل مدينة تيزي وزو، التي تعتبر رمز “أمازيع الجزائر”.

اقرأ أيضاً: ترسيم اللغة “الأمازيغية” في الدستور الجديد يثير جدلاً في الجزائر

وفي حين تقدم الرئيس تبون، بأحر التهاني إلى الشعب الجزائري بمناسبة حلول السنة الأمازيغية الجديدة، متمنياً أن تكون سنة خير وبركة ورخاء، كما كتب رئيس الحكومة جراد، على “فيسبوك”، أن “يناير هو وعاء للتنوع الثقافي لمجتمعنا، وتعبير عن الهوية الوطنية”، وختم بـ”أسقاس أمقاز” بمعنى “سنة سعيدة” باللغة الأمازيغية، غير أن مواقع التواصل الاجتماعي انفجرت بخطابات الكراهية والعنصرية والحقد بين الجزائريين الذين اختلفوا بخصوص تنصيب الملك الأمازيغي وتاريخه.

وتطوَّر الصراع من تاريخي، حين اعتبر تخليد شخصية بحجم ملك هزم الفرعون المصري “رمسيس الثالث” وخلق للأمازيغ تاريخاً بأرض مصر مفخرة تستحق الاهتمام، مقابل مَن يرى أنها خطوة لا ترتبط بالجزائر بالنظر إلى أن “شينشاق” نشأ في ليبيا؛ بل تطور الأمر إلى معركة دينية، مع تشديد فئة ثالثة على أنه “صنم لا يجوز نصبه في بلد مسلم”، بينما ردت عليها فئة رابعة بالقول: إنه وفي كل ربوع الجزائر توجد تماثيل لشخصيات تاريخية، وليس بالأمر الجديد.

د. بريك الله حبيب

صراع هوية

يعتبر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، بريك الله حبيب، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن الاحتفال بـ”السنة الأمازيغية أو يناير” لا علاقة له بالعقيدة ولا بالدين؛ لكن رغم ذلك هناك مَن يريد لها أن تؤسس للفرقة والتمييز بين أبناء الشعب الواحد، موضحاً أن الجدل حول تمثال شيشناق، هو محاولة للزج بالجزائر في صراع هوياتي للعبة سياسية يراد من ورائها تمرير أجندة معينة، مشدداً على أنها محاولة أيضاً للعبث بالتاريخ والتشكيك في الهوية الأمازيغية التي تعتبر رافداً من روافد التنوع.

وأطلق مصريون حملة على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان “شيشناق مصري”، وناشدوا وزارة الآثار في بلادهم، التدخل برفع دعوى ضد الجزائر بتهمة سرقة التراث وتزييف التاريخ؛ وهي الفرصة التي اغتنمها مغاربة لـ”مهاجمة” الجزائر.

الراية الأمازيغية رافقت العلم الجزائري طيلة شهور الحراك الشعبي

اقرأ أيضاً: التصويت على الدستور يكشف عن معركة مصالح بين إخوان الجزائر

وكتب الباحث المصري محمد الإدريسي، منشوراً على صفحته “فيسبوك” مفاده: “تتداول صفحات صوراً لتمثال مزيف للملك المصري شيشناق الأول، لتنصيبه وسط مدينة تيزي وزو في الجزائر”، مضيفاً: “أنا أمتلك الدليل القاطع أنه مصري ابن مصري، وأمتلك حتى ما دوَّنه هو بخط يده على معابده وعن سيرته التي كتبها كفرعون مصري مبجل لأرض مقدسة، ماذا تملك أنت؟”، متابعاً: “بهذا المنطق سأقول دونالد ترامب مصري، وأخترع القصص حول ذلك ولا يستطيع أحد تكذيبي؛ طالما أنه لا قيمة للعقل والمنطق”.

د. رابح لونيسي

من جانبه، يستغرب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، رابح لونيسي، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، إعطاء المسألة بعداً دينياً، في حين تنتشر بالجزائر تماثيل عدة شخصيات من كل العصور؛ سواء قبل الإسلام أو بعده أو حتى من الجزائر الحديثة والمعاصرة، مبرزاً أن “شيشناق” شخصية حقيقية مخلدة في متحف القاهرة؛ بصفته أمازيغياً أسَّس الأسرة 22 في مصر، فالقول إنه ليبي لا يعني أنه من ليبيا الحالية؛ لأن الأمازيغ كان يطلق عليهم جميعاً آنذاك “ليبيون”، ولم يثر أي مصري هذه المسألة باستثناء واحد أو اثنين يبحثان عن الشهرة.

مَن هم الأمازيغ؟

على الرغم من أن الجميع يشهد على أن “الأمازيغ” هم السكان الأصليون لمنطقة شمال إفريقيا؛ فإن كتب التاريخ والمؤلفات والرحالة اختلفوا في ذلك، حيث يذكر ابن خلدون أن البربر من نسل مازيغ بن كنعان؛ بمعنى أن أصول البربر كنعانية مشرقية، والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم، إنهم من نسل كنعان بن حام بن نوح، هجروا الجزيرة العربية، فاستقروا في شمال إفريقيا، وتنتمي لغتهم البربرية إلى الفصيلة الحامية التي تلتقي فيها مع بعض اللغات الإفريقية.

أقرأ أيضاً: محاولات تركية- قطرية “للتسلل” إلى الجزائر عبر بوابة “القبائل”

ويرى آخرون أن أصلهم يجمع بين السلالة الهندو- أوروبية والسلالة السامية؛ “فالسلالة الأولى هي الهندية- الأوروبية التي نزحت إلى إفريقيا من آسيا ثم أوروبا، عبر طريق صقلية وجبل طارق، والسلالة الثانية سامية، ثم التقت السلالتان بشمال إفريقيا؛ وهو ما يفسر لون شعرهم وعيونهم، وحتى لهجاتهم”.

في حين ذهب طرف ثالث إلى اعتبار أصل أمازيغ شمال إفريقيا من اليمن؛ حيث إن ثقافتهم برمتها، بما فيها حروف “تيفيناغ” هي فرع من الثقافة المهرية اليمنية؛ وهو ما يفسر علاقة أمازيغ “الميزاب” بمحافظة غرداية الجزائرية، باليمن.

عدة فلاحي

المستشار السابق في وزارة الشؤون الدينية، عدة فلاحي، يشدد في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، على أن الجزائر تعاني مرض الأيديولوجيا التي تتحكم فيها التنظيمات السياسية، بتحالفها مع اللوبيات المالية من رجال الأعمال؛ فيدفعون بالأمور إلى التعفن والتشكيك وفتح دفاتر الفتنة على حساب الوطن والشعب، مضيفاً أن السلطة تتحمل المسؤولية الكبرى؛ لأنها لم توفق في رسم سياسة للمنظومة التربوية تزيل كل الإشكاليات والألغام، قائلاً: “لا نعاني أزمة هوية بقدر ما نحن نعاني توظيف مكونات الهوية لأغراض سياسية ومادية”.

ويرى الإعلامي المهتم بالشأن السياسي، حكيم مسعود، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أنها ليست المرة الأولى التي يُثار فيها الجدل بخصوص كل ما يرمز إلى إعادة الاعتبار للتاريخ أو الهوية الأمازيغية في الجزائر؛ فلا يزال قطاع من الجزائريين يرفض الاعتراف الرسمي بالأمازيغية؛ وهي “عقدة نفسية وثقافية”، مشيراً إلى أن الذين يحتجون على تنصيب تمثال شيشناق متذبذبون في تفسير موقفهم؛ كونهم يربطونه بالدين ورفض الأصنام تارة، ومرة بأن شيشناق خرافة، وتارة أخرى بأن نصب التمثال سرقة فكرية.

حكيم مسعودي

ويختم مسعودي: “بالمقابل لا يتوانون في أخذ صور أمام تماثيل وشواهد عديدة؛ مثل تمثال الأمير عبدالقادر أو مقام الشهيد بالعاصمة، أو مدن أثرية رومانية أو أضرحة أو غيرها”، موضحاً بخصوص وصول المسألة إلى مصر، أن الأمر لا يتعدى سوء فهم للأمر؛ لأن شيشناق هو رابط حضاري بين كل شمال إفريقيا، وإحدى حلقات التمازج مع مصر، و”هذا يفترض أن يقوي العلاقات لا أن يجعل منها موضع تصادم”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة