الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

تمثال “أبو جعفر المنصور” مهدد بالتدمير في مدينته بغداد!

التمثال البرونزي الذي صنعه النحات العراقي خالد الرحال تعرَّض إلى الخطر والهجمات أكثر من مرَّة

كيوبوست

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعواتٌ على حساباتٍ لعراقيين من الطائفة الشيعية، يحرضون فيها على إسقاط تمثال الخليفة العباسي “أبو جعفر المنصور” في بغداد، ضمن وسم (#يسقط_صنم_المنصور)؛ بسبب روايات طائفية متداولة، أهمها مزاعم بأنه قاتل الإمام جعفر الصادق، الإمام السادس لدى الشيعة الإثني عشرية والإسماعيلية، على أثر الخلاف على الخلافة.

بالمقابل، رفض فريقٌ من العراقيين إزالة التمثال، أو التحريض على هدمه، مشبهين تلك الدعوات المتطرِّفة بأفعال “داعش” التخريبية في مدينة الموصل، خلال الأعوامِ ما بين 2014م و2017م.

 

التمثال البرونزي الذي صنعه النحات العراقي خالد الرحال، وهو عبارة عن رأس الخليفة العباسي مرتدياً عمامةً، ويبلغ طوله مترَين، تعرَّض إلى الخطر والهجمات أكثر من مرّة؛ ففي عام 2005م فجَّره مسلحون بزرع عبوات ناسفة تحته؛ لكنّ جزءاً كبيراً منه بقي سليماً، وأُعيد ترميمه من جديد.. فمَن هو “أبو جعفر المنصور” الذي يشكل تلك الحالة الجدالية؟

المؤسس الفعلي

لأن والدته بربرية اسمها سلامة، ولم تكن عربية (حرة)، لم يُنصَّب أبو جعفر المنصور (714م-775م)، أول خليفة عباسي؛ بل سبقه بالخلافة أخوه الأصغر منه سناً، “أبو العباس السفّاح”، بوصيةٍ من أخيهما إبراهيم الإمام، الذي قُبض عليه في زمن آخر خليفة أموي؛ وهو مروان بن محمد.

وعلى الرغم من ذلك؛ ساعد “أبو جعفر المنصور”، الذي ولد واسمه عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس، في قرية الحميمة جنوب الأردن، أخاه السفاح في مهمته بتثبيت أقدام الدولة العباسية؛ فقد تمكن “أبو جعفر” من القضاء على فلولِ الدولة الأموية، وإخماد الثورات والتمردات التي قامت ضدهما في بدايات إنشاء الدولة، التي خطط لها والدهما محمد بن عباس، حفيد عباس بن عبد المطلب، عم الرسول محمد، بعد الإطاحة بسابقتها الدولة الأموية.

دعوات لإسقاط تمثال “أبو جعفر المنصور”- نقلاً عن “RT”

ولعل قدرته في التعامل مع الثورات والانقلابات، التي استمرت خلال فترة خلافته عام 754م بعد وفاة السفاح، كثورة “سنباذ” وانقلاب “جمهور بن مرار” وثورات الخوارج، جاءت نتيجة لعدة صفات تحلَّى بها؛ فقد كان يقظاً ومدركاً لما يدور حوله بشكلٍ دائم، وغير مكترثٍ بمتاع الدنيا، فقد روي عنه مثلاً أنه كان يلبس الثياب الخشنة، ويرقع ما هو مثقوب منها من باب الزهد، وكان يفضل الاعتدال بالإنفاق؛ فلم يكن يقدم عطايا باذخة للشعراء، على عكس معظم الخلفاء.

كما كان “أبو جعفر المنصور” صاحب هيبةٍ طاغية، وقوة لا ترحم تصل إلى حد القسوة؛ لذلك أُخذت عليه الطريقة التي تصدى بها للمختلفين معه، فقد قتل عدداً من مؤيديه الذين ساعدوه في الوصول إلى الحكم؛ ومنهم مَن أعطاهم الأمان على حياتهم كمساعده “أبي مسلم” الذي قتله لأنه بدا متمرداً عليه، علماً بأن “أبي مسلم” كان ذراعه اليمنى في القضاء على عمه عبدالله، الذي قاد ثورة ضد المنصور اعتقاداً منه بأنه أحق من ابن أخيه بالخلافة.

اقرأ أيضاً: البابا فرنسيس زار العراق لطلب المغفرة عن خطايا الغزو الأمريكي

لكن بالمحصلة النهائية وبسبب طبعه الجاد والحازم وبعده عن الترف، إلى جانب عمله الدؤوب واليقظ في الحفاظ على استقرار الدولة وتوسعها؛ فقد امتدت إلى الصين شرقاً، كما ضمت شمال إفريقيا وإقليم طبرستان (جبال ألبرز اليوم) في عهده، وصفه المؤرخون بأنه المؤسس الفعلي للدولة العباسية.

تأسيس بغداد

في عام 762م، قرر المنصور البدء بتأسيس عاصمة جديدة، أصبحت على مدار عقود واحدةً من أعرق وأقدم مدن العالم؛ بغداد التي اتخذها عاصمة لدولته، وشرع في عملية بنائها على ضفاف نهر دجلة، وذلك بالاستعانة بأمهر المهندسين وعدد كبير من العمال الذين انتهوا من عملية البناء عام 766م.

أطلق المنصور على العاصمة الجديدة “مدينة السلام”، وانتقل إليها وحاشيته بعد الانتهاء من بنائها مباشرةً، بينما سماها الناس “مدينة المنصور”، كما عُرفت بـ”المدينة الدائرية”؛ لأن تصميمها كان دائرياً، وكانت محاطة بأسوار دائرية، وبلغ قطرها نحو 2700 متر، وفي مركزها بُني قصر الخليفة والجامع الكبير، موصلات بأربعة شوارع رئيسية.

العاصمة العراقية بغداد- AFB

ويعيد البعض قرار المنصور بناء عاصمة جديدة إلى حالة عدم الثبات التي عانتها مدن رئيسية كالكوفة والبصرة؛ فأراد نقل الثقل السياسي إلى مدينة جديدة عباسية النشأة، لضمان استمرارية الدولة، ولذلك حرص على تدعيمها ثقافياً أيضاً، عبر الاهتمام بالعلوم؛ فقد أصبحت العاصمة مركزاً للعلم والثقافة، بعدما خصص جهوداً ممنهجة لعملية الترجمة إلى العربية، عندما قرر ترجمة كتب يونانية بالطب، كما استقطب الأطباء إلى العاصمة، والاهتمام بالعلماء المسلمين منهم وغير المسلمين.

اقرأ أيضاً: دعماً للإرث الإنساني.. الإمارات تجدد “إحياء روح الموصل”

وإلى جانب الطب، أمر بترجمة كتبٍ في الفلك والهندسة والآداب؛ منها أعمال إقليدس، وهو عالم رياضيات يوناني، وبطليموس، عالم فلك يوناني، وتم حفظ المواد المترجمة في خزانات مخصصة للترجمات والمخطوطات القيمة، ضمن ما عُرف بـ”بيت الحكمة” في قصر الخلافة في بغداد.

توفي “أبو جعفر المنصور” عام 775م عن عمر ناهز الــ 62 عاماً، بعد أن مرض وهو بالطريق، برفقة ابنه المهدي، إلى مكة بقصد الحج؛ لكن مدينته بغداد لا تزال إرثاً حاضراً على ازدهار عصره.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة