ثقافة ومعرفةمجتمع

تكوين الإنسان القاتل: هل يؤدي القتل إلى الإدمان واللذة؟

كيف يشعر القاتل أثناء قتله شخصًا آخر؟

كيو بوست –

قد تشعر بالقشعريرة إن شاهدت مقطعًا من عملية جراحية أو مشهد دموي من فيلم رعب، خلال تصفحك لفيديوهات على مواقع الإنترنت، وربما ستسارع إلى إغلاق الفيديو، إما بسبب التعاطف مع الضحية، أو لأنك لم تعتد على مشاهدة هكذا مشاهد في بيئتك.

مع انتشار الحروب في مطلع الألفية الثالثة، وظهور التنظيمات الإرهابية، ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت مشاهد القتل وقطع الرؤوس متاحة للجميع، وأصبحت أكثر اعتيادية، هنا قد يتساءل الإنسان: ما الذي يحوّل الإنسان إلى قاتل؟ وما هو سبب تجرده من إنسانيته إلى هذا الحد؟ وهل الإنسان قاتل بطبيعته؟

اقرأ أيضًا: أشهر حالات الانتحار الجماعي في التاريخ

 

شيء يتأذى في المخ

تعتبر الطفولة المحدد الرئيس لتشكيل شخصية القاتل، إذ يتشرّب الطفل السلوكيات والأفكار المحيطة به، بسبب المشاهدات، أو نتيجة توجيه إعلامي أو أبوي او اجتماعي من حوله.

وفي هذا السياق، يوضح المختص في علم الأحياء العصبية، ليواخيم باور، بأن العملية ذاتها يتعرض لها مقاتلو تنظيم “داعش” الإرهابي مثلًا؛ أي أنهم مروا بعملية وحشية معينة، مشيرًا إلى أن شيئًا ما يتأذى في المخ، فيصل القاتل إلى نقطة محددة تفرز مشاعر “النشوة”، مضيفًا: “إنها ظواهر سيكوباتية^، ليست من التصرفات العادية للإنسان الطبيعي، يمكن إنتاجها لدى الجنود الأطفال”.

إلا أن سببًا آخر قد يدفع الجاني إلى القتل، هو رغبة الإنسان في أن يعرفه الآخرون، وحاجته لتلك النشوة الكيماوية في المخ، سعيًا منه لنيل الإعجاب والتقدير، الذي قد لا يبدو منطقيًا بالنسبة للتصرفات السلبية التي يقوم بها.

ويوضح باور أن أشخاصًا على استعداد لارتكاب أعمال العنف من أجل نيل الشهرة، كي يعرفهم العالم، وهذا يفسر إقدام الشباب على الانتماء إلى المنظمات الإرهابية، ومغادرة مئات الأشخاص من أوروبا للجهاد في سوريا والعراق.

اقرأ أيضًا: التسلسل الزمني للإبادات الجماعية الصهيونية ضد الفلسطينيين

وبالحديث عن المقاتلين في التنظيمات الإرهابية، لا يمكننا أن ننسى الجانب العقائدي، الذي يدفع الشخص لإلغاء الآخر المختلف عنه فكريًا، إيمانًا منه بأن العقيدة التي يتبناها هي الحقيقة الوحيدة المطلقة، الأمر الذي يهون عليه فعل القتل، لا بل إن تطرفه للاعتقاداته الشخصية يقدم له قتل الآخر على أنه واجب حميد. 

ويتبع ذلك أيضًا غياب الوعي وسوء التقدير، فكلما قل هاذان العاملين يصبح القتل أسهل وأكثر عشوائية، لذلك نرى المقدمين على القتل لأسباب كالثأر والشرف هم أشخاص ذي وعي محدود، إذ تنحصر معاييرهم برأي الناس فيهم وشكلهم أمام المجتمع، غير مدركين إنسانيتهم.

 

هل يوجد في داخلنا قاتل؟

منظومة المكافآت في دماغ الإنسان الطبيعي لا تستجيب للعنف العشوائي. ووفقًا لباور، فإن الأشخاص الأصحاء نسبيًا يخافون بدرجة كبيرة من إلحاق الأذى بالآخرين، لأن نظام الخلايا العصبية المرآتية الموجود في المخ، يعمل كالمرآة وينقل الصورة، مما يجعلنا نشعر بالآلام التي يشعر بها الآخرون، وخلق التعاطف معهم.

وعلى النقيض من شعور الإنسان الطبيعي، قد تمحو البيئة العدوانية مشاعر التعاطف، وتحوّل القتل إلى روتين جمعي. هذا ما اكتشفه الأستاذ في علم النفس وعلم الأعصاب السلوكي، توماس إلبيرت، بعد زيارته لمناطق يسودها التوتر والنزاعات المسلحة، إذ تحدث مع مقاتلين يمارسون القتل بشكل يومي، والتقى بأطفال مقاتلين، ليتأكد من أن كل واحد منا يمكن أن يتحول إلى قاتل، فيقول: “لقد اكتشفنا في قرية بإحدى مناطق التوتر أنه تم اختطاف فصل دراسي بأكمله، جزء من الأطفال لقي مصرعه، فيما تحول تقريبًا كل المتبقين إلى مقاتلين”.

اقرأ أيضًا: لماذا ارتفعت نسبة الانتحار في الولايات المتحدة وانخفضت في أوروبا؟

البيئة إذًا من أهم محددات تشكيل السلوك، حسب تجربة توماس إلبرت، بينما البيئة المستقرة والآمنة، التي لا يشاهد فيها الأطفال تجارب مماثلة تكون أقل إنتاجًا لعمليات العنف والقتل؛ على الأقل، تكون تلك العمليات غير طبيعية في نظر الأفراد في المجتمع.

وبهذا، لا يكون القرار بتنفيذ عملية قتل نابعًا من الذات، بل من البيئة. وبحسب اكتشافات باور في مجال علم الأحياء العصبية، فإن الإنسان بطبيعته يتعاطف مع آلام الآخرين، ولذلك لا يصنعها، وهو ما دلل عليه إلبيرت عندما أحال تشكيل نفسية المجرم، إلى عوامل بيئية محيطة ومشاهدات وتجارب، قد يكون مر بها الطفل قبل أن يكررها.

 

بماذا يشعر القاتل؟

كل ما نعرفه عن القتل غير العمد، أنه يبث شعورًا بالندم لدى مرتكبه، أو تأنيب الضمير، ولكن الأمر مختلف للقتل عن سابق إصرار وترصد، أي القتل العمد؛ فقد كشف إلبيرت أن أطفالًا قابلهم، وصفوا له ما يشعرون به عند إقدامهم على تنفيذ عملية القتل قائلين بأنها مشابهة لحالة السكر والانتشاء حد الثمالة، مضيفًا: “كل من لديه تجربة في القتال يصف حالات الثمالة هذه، أي أنها تقريبًا لحظات تثير النشوة لدى أي شخص قام بقتل شخص آخر”، إذ يبدأ الجسم بإفراز الأفيونات، كما يحدث عند الجري لمسافة 20 كيلومتر.

هذا بالتحديد ما اعترف به الجندي الأمريكي العائد من العراق، تشارلز ويتنجتون، عندما كتب في مقالة له بأن “القتل يصبح مخدّرًا، وهو إدمان فعلًا… ما زلت أشعر بالإدمان يسري في دمي وكل جسدي”!

فيما يرى باور أن القتل بالنسبة للأشخاص الذين ينضمون لمنظمات إرهابية، يشعرهم بأنهم “باتوا في أيد أمينة، وتصل هذه الإشارة إلى منظومة الحوافز في الدماغ فتبعث إشارة رضا للوعي الإنساني”.

اقرأ أيضًا: هل يمكن فهم ظاهرة الانتحار من خلال الأعمال الأدبية؟

ومن ناحية أخرى، يكسبُ القتلُ القتلةَ المتطرفين عقائديًا الشعور بالرضا، ظنًا منهم بأنهم انتصروا للعقيدة التي ينتمون إليها، وقاموا بواجبهم تجاهها، أما بالنسبة للقتلة أصحاب المشاكل الاجتماعية فيرضيهم أنهم انتزعوا حقهم أمام المجتمع عن طريق القتل، بحسب ظنهم.

أما من الناحية الجسدية فيبدأ جسد القاتل بالارتياح والعودة إلى وضعه الطبيعي بعد تنفيذ القتل عن طريق إطلاق النار، إذ يبدأ النظام العصبي بتفعيل مواد كيميائية، الأمر الذي يولد الشعور بالمتعة.

ويشرح عالم الأعصاب في جامعة نورويتش “كيفين فليمينغ”، أن الشخص يشعر بالارتياح عند إطلاق الناقل العصبي المسمى السيروتونين، ويشير إلى أن التدريب على استخدام السلاح كفكرة تجعل الناس يتخطون أحاسيسهم.

 

^ السيكوباتية |Psychopathy|، مرض عقلي يتميز المريض (السيكوباتي) خلاله بالسطحية وانعدام الشعور بالخجل، والسلوك المعادي للمجتمع والناس، وفقر عام في الانفعالات، والبعد عن العلاقات الشخصية. وعلى عكس السوسيوباثي (Sociopath)، يولد السايكوباتي بهذه العقلية، ويكون عقله متغيرًا ماديًا عن عقول الآخرين، لهذا يكون أقل عاطفية.

 

حمل تطبيق كيوبوست الآن، من هنا.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة