الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

تفجيرات نيجيريا.. صراعٌ ديني أم استحقاقٌ انتخابي دموي؟

يقول مراقبون إن ارتفاع وتيرة الهجمات الطائفية والدينية والقبلية على الكنائس في نيجيريا مرتبط باقتراب موسم الانتخابات

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

يبدو أن موسم الانتخابات في نيجيريا، التي تُعتبر أقوى الاقتصادات الإفريقية، وأكبر دول القارة سكاناً، كما تُصنَّف ضمن الديموقراطيات الناشئة فيها، صار مرتبطاً بإراقة الدماء، فالتنافس في السباق الانتخابي هنا لا يرتبط ببرنامج سياسي حزبي فقط، بل يتجاوزه إلى تعقيداتٍ دينية وعرقية شديدة التشابك، وقابلة للانفجار والتشظي في جميع الاتجاهات.

اقرأ أيضاً: مثلث الإرهاب.. عودة داعش إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو

ومع اقترابِ الانتخابات الرئاسية المقررة بداية العام المقبل، واختيار الأحزاب المتنافسة مرشحيها إلى الرئاسة، وقبل يومٍ واحد من بدء حزب “مؤتمر جميع التقدميين” النيجيري الحاكم؛ الانتخابات التمهيدية لمرشحه لانتخابات 2023 ليحل مكان الرئيس الحالي محمدو بهاري؛ هاجم مسلحون مجهولون، في 5 يونيو الجاري، كنيسة القديس فرانسيس الكاثوليكية، في مدينة أوو بولاية أوندو جنوب غربي البلاد، عندما تجمع مصلون للاحتفال بعيد العنصرة، وأسفر الهجوم الذي دانه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ودول عديدة، على رأسها الإمارات العربية المتحدة، عن مقتل ما لا يقل عن 50 شخصاً، وإصابة العشرات.

تدبيرات انتخابية

د, مصطفى شيخ برنوما

وللتعليقِ حول هذا الحادثة وتداعياتها، قال المحلل السياسي والباحث مصطفى شيخ برنوما، لـ”كيوبوست”، إن ارتفاع وتيرة الهجمات الطائفية والدينية والقبلية على الكنائس مرتبطٌ باقتراب موسم الانتخابات، وإن اختلاق الأزمات، وإيجادها، مثل تدبير التفجيرات، وقطع التيار الكهربائي، وإمدادات المياه، أمورٌ معروفة يستخدمها الساسة النيجيريون كل موسم انتخابات، في محاولة لاستدرار عواطف الناخبين، وخلق حالة من السيولة تمثل مدخلاً للدعاية الانتخابية.

فالأحزاب النيجيرية الكبرى، وكذلك المؤسسات الإعلامية، تراهن على الجهل والتجهيل، بحسب برنوما، فالمتابع لتغطيات بعض الصحف لهذا الهجوم، ستجدها تنحو إلى تحليل الأحداث من منظورٍ قبلي وديني، من دون النظر إلى الأسباب الحقيقية “السياسية” التي أفرزت هذا الواقع الهشَّ، وكذلك يعتمد السياسيون على إثارة هذه النعرات، لأن قواعدهم الانتخابية يسود فيها الخطاب الديني الإسلامي والمسيحي المتطرف الذي تغذِّيه نفس المؤسسات المشار إليها آنفاً.

مشهد من التفجير- وكالات

بالنسبة لمن يسمون بالإسلاميين المتطرفين في نيجيريا، فهؤلاء قِلة يصنفون من المجتمع، قبل الدولة، بأنهم عملاء خارجون على القانون، فالسائد هناك هو الإسلام الصوفي المتسامح، وإن أصبح خطاب هذه الجماعات مؤثراً على فئات من المجتمعات الإسلامية، لكونها تتعرض لاتهاماتٍ جماعية بالتطرف، خاصة عقب كل حماقة ترتكبها المجموعات الخارجة على القانون، والتي هي في الأساس لا علاقة لها بالدين، وإنما مجموعات من العصابات وتجار المخدرات يرفعون شعاراتٍ دينية للتمويه على أنشطتهم الحقيقية، وتستخدمهم بعض الأطراف السياسية والأمنية لتحقيق أجنداتها.

اقرأ أيضاً: النيجر.. يد ممدودة للسلم وأخرى تضرب من حديد

مشكوك فيها

بالنسبة لعثمان موسى عمر، المحلل السياسي المهتم بشؤون غرب إفريقيا، فعندما كانت التحقيقات الأولية على وشك البدء بشأن هذا الهجوم الإرهابي، انتشرت أخبار في الفضاء الإلكتروني مفادها أن رعاة من عرقية الفولاني هم المسؤولون عنه، أعقب ذلك ظهور شخصٍ غير معروف على شاشة إحدى الفضائيات النيجيرية، مُدَّعِياً أن بوكو حرام هي التي تقف وراءه، الأمر الذي دفع بعض الشباب المسيحي من عرقية اليوروبا إلى مهاجمة مستوطنةٍ لعرقية الهوسا المسلمة في أوندو، حتى أن الكنيسة التي تم استهدافها وصفتها بالهجمات الخارجة عن العقل.

جانب من هجومٍ مضاد على مستوطنة للهوسا في منطقة أوندو- وكالات
عثمان موسى عمر

ويضيف عمر، ربما دُبِّر هذا الهجوم للحيلولة دون ترشيح الحزب لشخص مسلم خلفاً لبهاري، ولعل ذلك ما يفسر اختيار الحزب لبولا تينوبو؛ حاكم مدينة لاغوس السابق، للتصدي لهذه المهمة بعد حصوله على 1271 صوتاً من جملة 2300 صوت، ليصبح مرشح الحزب الحاكم إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2023 في مواجهة السياسي المخضرم، عتيقو أبو بكر، مرشح حزب الشعب الديمقراطي المعارض.

وأشار عمر إلى أن هناك اتفاقاً غير رسمي بين النخب السياسية في الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة، على تداول الرئاسة بين مسلمي الشمال ومسيحيي الجنوب، بحيث تتواطأ الأحزاب على تحقيق ذلك عبر آلية الانتخابات نفسها، حتى يبدو الأمر وكأنه طبيعي.

اقرأ أيضاً: ساحل العاج.. الحرب على الإرهاب من خلال التنمية

الدين والقبيلة

إلى ذلك، فإن القبيلة والدين ما يزالان يمثلان مركز السياسية في نيجيريا، حيث يبلغ عدد سكان البلاد بحسب آخر تقدير عام 2021، نحو 215 مليون نسمة، يمثلون 250 مجموعة عرقية، أكبرهم مجموعة “الهوسا/فولان” في شمال البلاد، وتميّزت العلاقات بين هذه القبائل بالصراعات الدموية، بسبب التنافس على السلطة والثروة، وإن أخذت طابع القبلية أو التعصب الديني، حيث تزخر البلاد بالعديد من الأديان التقليدية، بجانب المسيحية 40‎%‎  والإسلام 48‎%‎ اللذين يمثلان دين أغلبية السكان.

بولا تينوبو، مرشح الحزب الحاكم إلى الرئاسة- وكالات

ومنذ استقلالها عن بريطانيا عام 1963، شهدت نيجيريا صراعاتٍ وحروباً بين مكوّناتها العِرقية من أجل الحصول على نفوذٍ سياسي ومكاسب اقتصادية، مما جعلها عرضة للتقسيم على أساسٍ قبلي وجهوي، كما شهدت ستة انقلاباتٍ عسكرية ناجحة، كان أولها بعد الاستقلال بثلاثة أعوام فقط، الأمر الذي أفرز حرباً أهلية ضروساً (حرب بيافرا) استمرت حتى عام 1970.

اقرأ أيضاً: بعد الانسحاب الفرنسي.. كيف ستبدو خارطة الإرهاب في مالي والساحل؟

ومنذ ذلك الوقت، سعى الشعب النيجيري -عبر النضال المدني المستمر- إلى تحقيق الديموقراطية حتى نالها بحلول 1999، الأمر الذي حقَّق نوعاً من الاستقرار السياسي والاقتصادي، حيث تصدرت نيجيريا قائمة أكبر اقتصاد في القارة الإفريقية، بعد أن بلغ حجم ناتجها المحلي الإجمالي 432.3 مليار دولار؛ خلال عام 2020 – 2021، كما حقق القطاع المالي نمواً مطرداً إذ ارتفع من 1% من إجمالي الناتج المحلي في 2001 إلى أكثر من 13% عام 2021، بيد أن التوترات الناتجة عن إحالة الممارسة السياسية إلى مرجعياتٍ عرقية ودينية قد تطيح بهذا النمو في أية لحظة، مرة وإلى الأبد.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة