الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

تغير ثوري في تايلاند

الاحتجاجات ضد الملكية تشير إلى قطيعة مع الماضي

كيوبوست – ترجمات

تمارا لوس♦

منذ فبراير، خرج المتظاهرون إلى شوارع تايلاند؛ للمطالبة بإصلاح النظام السياسي في البلاد. وتضخمت المظاهرات خلال الأشهر الأخيرة، وأصبح النشطاء أكثر صراحة في انتقاد الحكومة، وكذلك في انتقاد النظام الملكي؛ المؤسسة التي كانت تعتبر مقدسة في الماضي. في الأسبوع الماضي، جرَت مواجهات بين آلاف المتظاهرين ورجال الشرطة أمام حامية فوج عسكري يخضع مباشرة لقيادة الملك فاجيرالونغكورن. وفي محاولتها لقمع الاحتجاجات، استعانت السلطات بقوانين تايلاند الشاملة التي تمنع انتقاد العائلة الحاكمة؛ لتوجيه اتهامات ضد خمسة من الناشطين البارزين.

كانت تايلاند قد شهدت اضطراباتٍ سياسية من قبل؛ ففي الخمسة عشر عاماً الأخيرة عجلت الاحتجاجات الشعبية في ظهور وسقوط حكومتَين، في عامَي 2006 و2014 على التوالي. ولكن الاضطرابات الأخيرة تكشف عن تغير ثقافي ثوري في البلاد؛ ففي الماضي كانت المعارك الأساسية تدور بين فصائل سياسية متنافسة على السلطة، واليوم يتحدى المواطنون التايلانديون النظام الملكي علانية. والمؤسسة التي كانت في ما مضى لا يمكن المساس بها تراجعت عن مكانتها، وأصبحت عرضة للنقاش الشعبي والانتقاد وحتى الرفض.

مع الجديد

تأتي احتجاجات اليوم بعد الاضطرابات السياسية التي هزَّت البلاد لسنوات؛ ففيها فصيلان -يعرفان باسم القمصان الحمراء والقمصان الصفراء- يتنازعان السلطة السياسية في تايلاند منذ عام 2006. وقد حفز الخلاف بينهما انقلاباً عسكرياً عام 2006 أطاح برئيس الوزراء تاكسين شيناواترا الذي يدعمه حزب القمصان الحمراء. احتج مناصرو القمصان الحمراء على الانقلاب؛ ما أدى إلى حملة عسكرية شرسة عام 2010. نظمت السلطات انتخابات جديدة عام 2011 نتج عنها ترشيح ينجلوك شيناواترا، شقيقة تاكسين لرئاسة الوزراء؛ ما دفع الجيش إلى القيام بانقلاب آخر، وتعيين برايوث شان- أوتشا، قائد الجيش، رئيساً للوزراء، في إجراءٍ شكلي لضمان انتقال منظم من الملك المريض بوميبول أدولياديج، إلى ابنه فاجيرالوغكورن.

بعد تولي الملك الجديد عرش البلاد بعد وفاة والده، أجريت تعديلات دستورية تضمن بقاء برايوث في رئاسة الوزراء بعد انتخابات عام 2019. ولكن برايوث لم يتوقع ظهور حزب تقدمي جديد، وهو “المستقبل إلى الأمام”، الذي حاز تأييد كثير من الناخبين الشباب. قامت المحكمة الدستورية في تايلاند -التي تخدم مصالح المجلس العسكري الحاكم- بحل حزب “المستقبل إلى الأمام”، ووجدت زعيمه واسع الشعبية؛ ثاناثورن جوانغرونغروانغيت، مذنباً بانتهاك قانون الانتخابات في مطلع عام 2020.

أدى قمع الحزب إلى إطلاق شرارة احتجاجات في الجامعات، ومنذ ذلك الوقت لا تزال المظاهرات تكبر ويتسع نطاق مطالبها بالتغيير. وعلى عكس الاضطرابات السابقة، فالناس الذين يحتلون الشوارع والساحات في المدن التايلاندية هم من الشباب المطالبين بالتغيير الجذري. وقد انضم إليهم كثيرون من حزب القمصان الحمراء. وتشير هذه الاحتجاجات إلى تحوّل عميق في المشهد السياسي والثقافي في تايلاند؛ فللمرة الأولى ينتقد المتظاهرون النظام الملكي علانية، ويطالبون بفرض قيود على صلاحيات الملك، وبتدقيق مالي على ثروته، ووضع شكل من أشكال الرقابة على الأنشطة الملكية.

متظاهرون غاضبون يطابون بحل الحكومة المدعومة من الجيش في تايلاند- “التايم”

تحـول ثقـافي

وإذا كان الموقف العام من الملك قد تغير؛ فذلك لأن شخصية الملك قد تغيرت، فشخصية الملك الجديد تتناقض تماماً مع شخصية والده الذي كان يحظى باحترام كبير. بينما انغمس ابنه في حياة البذخ وتزوج أربع مرات، ألقى بزوجته في السجن، ثم أطلق سراحها بعد بضعة أشهر. لقد ابتعد الملك كثيراً عن الصورة التي رسمها والده، ولم يبدِ الكثير من القلق حول الضائقة الاقتصادية التي يعانيها شعبه نتيجة وباء “كوفيد-19”.

اقرأ أيضاً: في واحدة من نهايات زيجاته المتعددة.. ملك تايلاند يجرِّد زوجته الأخيرة من ألقابها

ونتيجة لذلك، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالسخرية والانتقادات الموجهة إلى الملك بشكل لم يكن من الممكن تصوره في عهد الملك السابق. وحوَّل المتظاهرون عباراته إلى شعارات ساخرة، ورفض طلاب جامعيون حضور حفل تخرجهم كي لا يستلموا شهاداتهم من أحد أفراد العائلة الحاكمة، وتخلى الناس عن مخاطبة الملك بلقب “راتشاساب”، وأصبحوا يخاطبونه كما يخاطبون أي شخص آخر؛ وهذا أمر مسيء للغاية عند الحديث عن الملك.

لقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في الاضطرابات الحالية؛ فبعد أن كانت الحكومة والجيش يسيطران على وسائل الإعلام التقليدية، أصبح المحتجون الشباب الآن قادرين على الوصول إلى بعض منصات التواصل؛ مثل “تيك توك” و”تويتر” و”فيسبوك” التي استعملوها للتعبير عن آرائهم السياسية. وللتواصل مع المعارضين التايلانديين في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، ومع المدافعين عن الديمقراطية في هونغ كونغ وتايوان، في ما عُرف بتحالف الشاي والحليب، وتمكنوا من جمع أكثر من مئة ألف دولار لتزويد المتظاهرين بمعدات الحماية وتقديم المساعدة القانونية لهم في حال اعتقالهم.

الملك فاجيرالونغكورن وزوجته سينينات وونغفاجراباكدي بعد أن أطلق سراحها- “نيويورك بوست”

يشمل فهم الجيل الجديد للديمقراطية الالتزام بالمساواة؛ بما في ذلك المساواة بين الجنسَين والمساواة بين أصحاب الميول الجنسية المختلفة، وهي قيم تختلف عن تلك التي كانت سائدة مع الثقافة الأبوية للملكية. وبينما كان رجال أسوياء في منتصف العمر يقودون الاحتجاجات في السابق، فإن قادة احتجاجات اليوم يضمون في صفوفهم النساء والمثليين والمثليات من جيل الشباب. واعترضت المتظاهرات على أن أقوى المؤسسات التايلاندية -الجيش والعرش والمؤسسة الدينية- لا مكان فيها للنساء. وتخطت مطالب المتظاهرين الشباب رفض النظام الملكي، لتصل إلى المطالبة بحقهم في الاختلاف.

تغير في الأجيال

وضعت الانتفاضة رئيس الوزراء برايوث في مأزق؛ فالمتظاهرون يطالبون باستقالته والملك لا يوليه ثقته، ولكن أي انقلاب عسكري ضده لن يؤدي إلا إلى توسيع الهوة بين الجيل الجديد من المحتجين والجيش والنظام الملكي. والانقلاب على الأرجح سيأتي بضباط أكثر ميلاً إلى استخدام العنف ضد مَن يرونهم معارضين للقصر والجيش؛ فالجيش يعتبر نفسه حامي النظام الملكي قبل كل شيء، ولذلك فإن جيل المتظاهرين الجديد عندما ينتقد إحدى هاتين المؤسستَين فهو ينتقد الأخرى أيضاً. ويمكن للجيش، بدعمٍ من الملك، أن يقمع المتظاهرين؛ ولكن مثل هذا القمع لن يؤدي إلا إلى مزيدٍ من خيبة الأمل لدى التايلانديين الشباب، وإلى تقويض شرعية العرش والجيش.

للمرة الأولى يرفع المتظاهرون في تايلاند شعارات مناهضة للملكية- “دويتشه فيله”

لقد حقق المحتجون الشباب في تايلاند ما لم يجرؤ الجيل السابق حتى على محاولة فعله؛ لقد جعلوا العرش خاضعاً للنقاش العام والنقد، لقد كان تعبيرهم عن المعارضة قوياً وواسع الانتشار إلى الحد الذي جعل إسكاتهم مكلفاً للغاية.

♦أستاذة التاريخ والدراسات الجنوب آسيوية في جامعة كورنيل.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات