الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

تغليف قوس النصر.. ماكرون يحقق حلماً عمره 60 عاماً للفنان كريستو

كيوبوست
من غرفة صغيرة مستأجرة في جادة “فوش” في العاصمة الفرنسية باريس، تأمَّل الفنانان التشكيليان الراحلان كريستو فلاديمير وزوجته جان-كلود، عام 1962، نصب قوس النصر، وخرجا بتصور لعمل فني يظهر فيه قوس النصر مغلَّفاً بالقماش. بقي حلم الزوجَين اللذين أنجزا سوياً مجموعة أعمال فنية، حبراً على ورق حتى 13 سبتمبر 2021م، عندما دشَّن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قوس النصر في باريس مغلَّفاً بقماش، وَفق تصوُّر الراحل كريستو، مبرهناً أن الأحلام قد تتحقق حتى بعد الموت.

حلم عمره ستون عاماً

بعد 60 عاماً من حلم كريستو وجان-كلود، ورفضه مرتَين، تحققت رؤية الزوجَين أخيراً، بعد وفاتهما؛ فبعد أسابيع من العمل، غُطِّيَ قوس النصر بالكامل بـ25 ألف متر مربع من القماش الفضي المائل إلى الأزرق، المصنوع من مادة البولي بروبيلين، ومثبّت بحبل أحمر طوله 3000 متر، ضمن عمل مؤقت سُمِّي بـ”لارك دو تريومف رابد”، سيبقى قائماً حتى الثالث من أكتوبر، بدعم من مركز “بومبيدو”، وبموافقة بلدية باريس وقصر الإليزيه.

اقرأ أيضاً: جامع عقبة بن نافع.. روعة العمارة الإسلامية وإلهام فني

وفي هذا السياق، قال ماكرون: “نوجِّه تحية إلى كريستو وجان-كلود، ولا شك في أنهما كانا ليكونا شديدي التأثُّر… فقد استحال الحلم حقيقة بعد 60 سنة”.

ماكرون بصحبة زوجته بريجيت خلال تدشين قوس النصر المغلف- “رويترز”

بلغت تكلفة تغليف قوس النصر 14 مليون يورو، ومُوِّل ذاتياً من خلال بيع أعمال أصلية لكريستو، ورسوم تحضيرية وتذكارات وأعمال ليتوغرافية، وتم تحت إشراف ابن أخ كريستو، فلاديمير جافاشيف.

وعن الفكرة من العمل الفني، وصف كريستو في مقابلة له قبل وفاته، طبيعة عمله، قائلاً: “يجب أن يُنظر إلى العمل على أنه تعبير عن حرية غير عقلانية تامة وخالية من أي مبرر”، وأضاف: “قررت أن أفعل شيئاً غير ضروري تماماً”.

شاهد: فيديوغراف..هل الفنون متعة خاضعة للأذواق أم قيمة خالدة؟

تغليف النصب التذكاري بالقماش اعتبره كريستو شيئاً غير ضروري على الإطلاق؛ لكن بالنسبة إليه يبدو السبب وجيهاً جداً للقيام بذلك، كاحتفال بالعيش في مجتمع حُر.

كريستو الهارب من بلغاريا تحت الحكم السوفييتي، كمهاجر غير شرعي، باحثاً عن الحرية، قال أيضاً: “إذا كان كل شيء يدور حول الحرية؛ فذلك لأنني هربت بمفردي لصنع الفن، بكل بساطة”.

قوس النصر المغلَّف ليلاً- “the Vie”

وعن كون العمل مؤقتاً، وغير أبدي كباقي الأنواع الفنية الأخرى، قال كريستو: “لطالما أحببت المقارنة مع القبائل البدوية؛ فهم يبنون خيامهم ومنازلهم ويتنقلون في الصحراء. خيامهم قوية جداً؛ لأنه يتعين عليها مقاومة الرياح وقوى الطبيعة”.

اقرأ أيضاً: كوكو شانيل”.. مسرحية خارج قاعة المسرح!

وعلى الرغم من الفرحة العارمة بتغليف أهم معالم باريس؛ فإن المشروع تعرَّض إلى انتقادات، فقد دعا المهندس كارلو راتي، أحد أصدقاء كريستو، في مقال نُشر السبت في صحيفة “لوموند”، إلى التخلِّي عن هذا المشروع “الذي يتسبب في هدر القماش… لدواعٍ بيئية وفكرية”، علماً بأن القماش المستخدم قابل لإعادة التدوير.

قوس النصر المغلَّف- Benjamin Loyseau

حياة متنقلة

في مرحلة زمنية شهدت تطورات كبيرة في العالم وُلِد كريستو، بتاريخ 13 يونيو 1935م، في مدينة غابروفو في بلغاريا؛ أي قبل أربع سنوات من الحرب العالمية الثانية. وخلال الحرب، في عمر ست سنوات، بدأ  كريستو في أخذ دروس الرسم بتشجيع من والدته.

وفي عمر الثامنة عشرة، التحق بالأكاديمية الوطنية للفنون في العاصمة البلغارية صوفيا، في ظل الحكم السوفييتي؛ الأمر الذي أبعده عن أي فن غربي حديث، وفي تلك الفترة أخذ دورات في الرسم والنحت والعمارة.

كريستو يتلقى دروس رسم في عمر الـ14 عاماً- أرشيف

في خريف عام 1956م، حصل كريستو على إذن لزيارة أقاربه في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا، وهناك تعرف على أعمال بيكاسو وميرو لأول مرة، وخلال تلك الزيارة بدأ كريستو في استكشاف المدينة، وخرج بعشرات الرسومات على كراس صغير بقلم رصاص.

وبدلاً من العودة إلى بلده بلغاريا التي كانت ضمن الحكم السوفييتي، هرب كريستو إلى فيينا في سيارة شحن مغلقة عام 1957م، بعد أن قدَّم رشوة لموظف في السكك الحديدية، ولتجنب إرساله إلى مخيم للاجئين، التحق بأكاديمية فيينا للفنون الجميلة، ودرس فيها لمدة فصل واحد.

اقرأ أيضاً: هل يمكننا الاحتماء بالفن حين تطغى المأساة على الواقع؟

في أكتوبر من العام نفسه، توجه إلى جنيف، وعمل خلال تلك الفترة في غسيل السيارات والأطباق، فضلاً عن رسم صور كلاسيكية لسيدات ثريات، وفي العام التالي نجح كريستو في الوصول إلى باريس واستأجر غرفة صغيرة أصبحت بمثابة الاستوديو الخاص به؛ حيث بدأ يجمع المواد الرخيصة أو المجانية (الصناديق، العلب، البراميل)، ويلفها بالقماش والحبال.

كريستو في مرسمه بشارع سان سينوك في باريس- Enzo Sellerio

وعلى الصعيد الاجتماعي، كوَّن صداقات مع فنانين تجمعهم تجربة الهرب من بلدانهم لأسباب سياسية، في حين التقى بالفتاة التي ستصبح بعد ذلك زوجته وشريكته؛ الفنانة التشكيلية الفرنسية “جان كلود دينات دي غيلبون”، في أوائل أكتوبر من عام 1958م،  عندما كان يلتقط صوراً لعائلتها، وتزوجا في العام التالي.

شراكة أبدية

عند الحديث عن سِجل كريستو الفني، لا بد من الحديث عن زوجته جان-كلود، التي وصفت ذات مرة بأنها بمثابة دعاية لزوجها ومديرة لأعماله؛ لكنها أثبتت أنها على قدر من التساوي معه في الجانب الفني.

كريستو وجان-كلود خلال عملهما على السيارة المغلفة- Charles Wilp

فقد جمعتِ الزوجَين، اللذين انتقلا في عام 1964م إلى مدينة نيويورك، مجموعةُ أعمال مشتركة مؤقتة من المجسمات المغلفة في الهواء الطلق؛ لذلك صُنِّف فنهما على أنه ينتمي إلى حركة “Arte Povera” أو الفن الفقير، وهي حركة فنية ظهرت نهاية الستينيات، عندما بدأ فنانون يهاجمون قيم المؤسسات الحكومية الصناعية والثقافية القائمة.

ومن أبرز أعمال الزوجَين؛ الساحل المغلف بالقرب من سيدني (1968- 1969)، وستارة الوادي في كولورادو (1970- 1972)، والسياج الجاري في كاليفورنيا (1972- 1976)، والجزر المحاطة في ميامي (1980- 1983)، وجسر بونت نيوف المغلف في باريس (1975- 1985)، والمظلات في اليابان وكاليفورنيا (1984- 1991)، والرايخستاغ المغلف في برلين (1972- 1995).

كريستو خلال العمل على الساحل المغلف- Shunk-Kender

وعادة ما كان يشارك في تنفيذ أعمال الزوجَين المئات من المساعدين؛ أحياناً يكونون من المارة، بينما أجبرت تلك الأعمال المراقبين على مواجهة الأسئلة المتعلقة بطبيعة الفن؛ نظراً لضخامتها ووجودها بين الناس وليس في المتاحف.

توفي كريستو في 31 مايو 2020 في منزله في مدينة نيويورك؛ حيث عاش لمدة 56 عاماً، لاحقاً بجان-كلود، التي رحلت في 18 نوفمبر 2009.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة