الواجهة الرئيسيةمجتمعملفات مميزة

تعميم وتناقض واجتزاء.. كيف يفكّر المتطرفون؟

عجز الحُجّة عند المتطرفين أدى بهم إلى انتهاج العنف المسلح ضد كل من يختلف معهم

خاص كيو بوست – 

يختلف المتطرفون في رؤيتهم للأمور التي تجري من حولهم، عن غيرهم من الأصحّاء نفسيًا وفكريًا، لما يتخلله عقل المتطرف من تناقضات ملموسة، واجتزاءات في قراءاتهم لدروس الحاضر والتاريخ. ولذلك يصبح التطرّف همًّا عالميًا، لا يقتصر على شخص أو دولة أو دين بعينه، خاصة وأن التطرّف مرحلة متأخرة للوصول إلى الإرهاب الذي أثخن العالم في الأعوام الاخيرة.

يعرّف التطرف اصطلاحًا بأنه: حالة من التزمُّت والغلو، والتمسك ضيّق الأفق بعقيدة أو فكرة دينية، الأمر الذي يؤدي إلى الاستخفاف بآراء ومعتقدات الآخرين، ومحاربتها والصراع ضد حامليها. والتطرف حالة مرضية على المستوى الفردي والجماعي تدفع إلى سلوكيات تتصف بالرعونة والبعد عن العقل والاستهانة بالآخرين ومعتقداتهم. [1]

ويرافق التفكير المتطرف حالات من الاجتزاء والتعميم والتناقض، المبنية على عدم تقبّل أي معتقدات أخرى، أو أية آراء مختلفة، وعلى محاولة توجيه الآراء بالعنف.

فالحالات التي يقرأ فيها المتطرفون الأحداث، ويبنون عليها مواقفهم، تخرج عن السياق الفكري السليم لما يصاحبها من تناقضات.

 

الاجتزاء

يقرأ المتطرفون الأحداث التاريخية والمعاصرة بمنطق الاجتزاء، وبما يتناسب مع اعتقاداتهم، وفي الوقت ذاته يقومون بتجاهل الحقيقة حين تكون مختلفة عن أحكامهم المسبقة؛ فقد يقوم المتطرفون بإحالة بعض أحداث الحاضر إلى مشاهد تاريخية، أو بتجاهل أحداث أخرى تخالف معتقداتهم.

فعندما يقرأ المتطرفون التاريخ  الإسلامي مثلًا لا يقرأون منه سوى ما يتوافق مع قناعاتهم الشخصية، فأن يصبح الإنسان متطرفًا لفكرة ما، يعني أنه سيقرأ من التاريخ الأحداث التي تدعم موقفه فقط، فيختزل التاريخ العربي الإسلامي كله إلى الحروب والفتوحات، ويتجاهل الحياة المدنية والشعر والفنون والغناء والأدب والرقص، الذي ملأ حواضر البلدان الإسلامية، فيخرج من كتب التاريخ بأمثلة تدعم موقفه المتطرف، ويتجاهل في الوقت ذاته أمثلة نقيضة عن التسامح والتطور والعمران والبناء وغيرها من الفنون التي مارسها الخلفاء واستضافوها في قصورهم.

 

التعميم

ينحى المتطرفون إلى التعميم في إطلاق أحكامهم، ويستعملون في المطلق صيغة الجمع في وصف تصرف فئة ما، أو شخص ما، فقد يقول المتطرفون بأن “الغرب” كافر، ويفرحون لوقوع عملية إرهابية في الغرب، سقط فيها مدنيون مسالمون، ويحتفلون بها نتيجة كرههم لسياسة حكومات الدول الغربية، وفي الوقت ذاته، يتجاهلون الآية القائلة: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. وهكذا يحتفل المتطرفون بسقوط المدنيين في الغرب، بل وينفّذ بعضهم عمليات إرهابية اعتراضًا على سياسة الحكومات فيها، دون الأخذ بعين الاعتبار، أن القتيل لم يكن له شأن بسياسة حكومته، بل وربما يكون أشد معارضة لها من الإنسان المسلم، ففي الفترة التي سبقت احتلال العراق، خرج في بريطانيا وحدها عدد كبير من المظاهرات ضدّ الحرب، قدّرت وسائل الإعلام أعداد المشاركين فيها بخمسة ملايين مواطن بريطاني، وهو ما لم تشهده أي دولة إسلامية. فالتعميم يدفع المتطرفين إلى أخذ الإنسان البريء بحكم ثلة من الحاكمين.

 

التناقض

الاعتدال -التطرف

يدفع التناقض المتطرفين إلى تشجيع الشيء وضده في الوقت ذاته، بسبب عدم مقدرتهم على الخوض في التفاصيل، وعجزهم عن التحليل والفحص وتقصّي الدقة وراء الأحداث، فقد يرفع المتطرفون في حركات الإسلام السياسي شعارات يؤمنون بها، عن قتال الحكومات الغربية، والتحرر من التبعية، وفي الوقت ذاته يقدّمون ولاءهم لأنظمة متعاونة مع الغرب علانية.

على سبيل المثال، ترى حركة الإخوان المسلمين، وغيرها من الحركات الأصولية، في النظام التركي تعبيرًا عن روح الأمة الإسلامية، ويطلقون على الرئيس التركي لقب “الخليفة”، لكنهم يُسقطون من حساباتهم التعاون بين الحكومة التركية والحزب الحاكم مع الدول الغربية، كما يتجاهلون انضمام تركيا إلى حلف الناتو الذي احتلّ أكثر من دولة عربية وإسلامية.

وفي الوقت الذي يعتبر فيه الإسلاميون أنفسهم في حالة عداء مع الغرب، يستميت الرئيس التركي أكثر من غيره للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

يعرف الأستاذ أحمد زكي بدوي هذه الحالة، في “قاموس العلوم الاجتماعية” بالتعصّب: أي الغلو في التعلّق بشخص أو فكرة أو مبدأ أو عقيدة، بحيث لا يَدَع مكانًا للتسامح، وقد يؤدي إلى العنف والاستماتة.

 

عجز الحُجّة

تحيل حركات الإسلام السياسي، أسباب تخلّف الأمة إلى عوامل مبنية على أفكارها، فيستخدمون العنف والإرهاب وسيلة لإقامة نظام حكم إسلامي من وجهة نظرهم. وعندما تسألهم عن الأمثلة، ربما لن تجد الجواب الموضوعي، لأنهم يعلمون أن الأمثلة المعاصرة التي حكم فيها المتطرفون بعض البلدان كالصومال وأفغانستان، فشلت، بعدما أنشأوا دولًا فاشلة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، لم تستطع الحفاظ على الأمن ولم تتمكّن من بناء المؤسسات العصرية، بل واحتكرت لعقود طويلة الحروب الأهلية بين التنظيمات المسلّحة، وتفريخ الحركات الإرهابية وتصديرها، الأمر الذي أدى إلى جلب الاستعمار إلى دولهم.

وعجز الحُجّة لديهم، وعجزهم عن إقناع الآخر بأفكارهم -بسبب عدم عقلانيتها- أدى بهم إلى انتهاج العنف المسلح ضد كل من يختلف معهم في الرأي من الدول والأفراد والكتّاب والمفكرين.

 

فوبيا الحداثة

يعيش المتطرفون حالة من التعلّق بالماضي، في لباسهم وتعاملاتهم، وطريقة تفكيرهم، ويعادون كل حديث في المجتمع. لذلك، تقوم عقيدتهم “الرجعية” على محاولة سحب الحاضر إلى غياهب العصور القديمة. ويرى المتطرفون في محاولات التجديد والتحديث للحاق بالعالم المتقدّم، ضربًا من ضروب التبعية للغرب، التي يجب مقاومتها، فقد حاربوا في المجتمعات التي حكموها، تعليم المرأة، كما حرّموا المنتجات الحديثة، سواء الخاصة أو العامة، وشنّوا حملة شعواء ضد قيادة المرأة للسيارة.

وفرض المتطرفون في مدارسهم مناهج تعليم من أزمنة مضت، ومنعوا المناهج الحديثة التي تدرس العلوم والإنسانيات، في الوقت الذي التجأوا فيه إلى تلك العلوم لتسخيرها في خدمة أهدافهم الإرهابية، فاستخدموا التكنولوجيا للترويج لأفكارهم الدعائية، بالتزامن مع تحريمها وتحريم استخدامها على المواطنين، وأقاموا معسكرات التدريب في المناطق التي سيطروا عليها، ليظلّ المجتمع رهينة للماضي البدائي، يتعلّم سنن الفقه والجهاد التي تؤدي إلى تمكينهم في الحكم، وتحجب عنه سنن العلم والحداثة والتقدم القادرة على نشل الأوطان من غياهب الجهل والتخلّف.

 

[1] عبد الوهاب الكيالي، الموسوعة السياسية، الجزء الأول.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة